جولة ماكرون الإفريقية تشمل 3 دول

جولة ماكرون الإفريقية تشمل 3 دول

تعتبر إفريقيا إحدى أبرز أولويات الدبلوماسية الفرنسية، ذلك أن فرنسا دون إفريقيا لا تساوي شيئًا وبشهادة من سكن الإليزيه أنفسهم، وهو ما يفسّر القلق الكبير لقادة باريس من تنامي النفوذ الروسي في هذه القارة.

قلق يظهر جليًا في الزيارة التي يؤديها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبعض الدول الإفريقية بالتزامن مع جولة لوزير خارجية روسيا للقارة أيضًا، فماكرون لا يريد أن تخرج الأوضاع عن سيطرة باريس أكثر ويسعى جاهدًا إلى إعادة ترتيب الأوراق هناك.

جولة ماكرون

بعد 3 أشهر من إعادة انتخابه رئيسًا لفرنسا، بدأ ماكرون جولة في منطقة غرب إفريقيا تشمل ثلاث دول هي: الكاميرون وبنين وغينيا بيساو، سعيًا منه لإعادة النفوذ الفرنسي في القارة السمراء بعد التراجع الكبير أمام العديد من القوى الإقليمية الأخرى على رأسها روسيا.

انطلقت الجولة قبل يومين، وكانت البداية من الكاميرون التي تشهد عنفًا عرقيًا وتمردًا لانفصاليين يقاتلون منذ سنة 2017 من أجل استقلال مقاطعتين ناطقتين بالإنجليزية، ويحكم بول بيا البالغ 89 عامًا الكاميرون منذ نحو 40 سنة.

اختار ماكرون أن تكون الكاميرون أول دولة في غرب إفريقيا يزورها من أجل إصلاح العلاقة مع نظام بيا، خاصة أنه سبق أن دخل في أزمة معه سنة 2020 بعد إعلانه أنه سيمارس "ضغوطًا قصوى" عليه بسبب أعمال العنف التي "لا تحتمل" في هذه الدولة الواقعة في غرب إفريقيا.

تُتهم السلطات الفرنسية بالسعي دائمًا لزعزعة استقرار دول إفريقيا بهدف تعيين القادة الذين سيحافظون على مصالحها هناك

يظهر من هنا أن ماكرون يسعى إلى تحسين علاقاته مع القادة الأفارقة حتى على حساب حقوق الإنسان التي طالما ادعى حمايتها والدفاع عليها، ذلك أن الظرف الحاليّ يقتضي منه تقديم تنازلات عديدة لفائدة القادة الأفارقة حتى يحافظ على مكانة بلاده هناك.

من المنتظر أن ينتقل ماكرون اليوم إلى بنين على أن يختتم جولته غدًا الخميس في غينيا بيساو، يذكر أن بنين تواجه هجمات دامية من مسلحين تسللوا من منطقة الساحل إلى دول خليج غينيا، فيما تعرف غينيا بيساو أزمات سياسية حادة وتوصف بأرض الانقلابات.

يرجع اختيار ماكرون لهذه الدول بأن تكون وجهته الأولى خلال فترة رئاسته الثانية إلى خشيته من خسارتها بعد أن أهملها في الفترة الرئاسية الأولى وتركيزه فقط على منطقة الساحل والصحراء، ما سمح لهذه الدول بتطوير علاقاتها مع قوى أخرى.

مخاوف فرنسية من التمدد الروسي

تتزامن جولة ماكرون الإفريقية مع جولة مماثلة يقوم بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، تمتد لـ5 أيام على أن تشمل مصر وإثيوبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو، وهي أول جولة لوزير الخارجية الروسي في القارة الإفريقية منذ بداية العملية العسكرية التي تقودها بلاده ضد أوكرانيا.

جولة لافروف في إفريقيا في هذا الوقت بالذات، لها أن تزيد من مخاوف فرنسا من إمكانية خسارة نفوذها في مستعمراتها السابقة، ذلك أن باريس ترى في موسكو منافسًا قويًا على أبرز النقاط الحيوية في القارة الإفريقية.

وتمكن الروس من إحراج الفرنسيين في العديد من المناطق على غرار مالي - المستعمرة الفرنسية السابقة - فنتيجة تحالف باماكو مع موسكو تم طرد الجنود الفرنسيين من هناك وأصبحت مالي أرضًا خصبةً لجنود فاغنر والمسؤولين الروس.

نفس الشيء بالنسبة لتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، هناك كانت الكلمة الأولى لباريس، فهي من تحدد الرؤساء وغيرهم من كبار المسؤولين، لكن دخول الروس على الخط أفشل كل خطط فرنسا وأجبرها على الخروج من هناك "صاغرة" على وقع الاحتجاجات الشعبية المنددة بها.

زاد فشل فرنسا في القضاء على الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء رغم مرور قرابة 9 سنوات على بداية الحرب ضده، في التململ الشعبي من الوجود الفرنسي في المنطقة وفي إفريقيا ككل، فشعوب إفريقيا أصبحوا يمقتون باريس باعتبارها قوى استعمارية قديمة، تسعى لتفقيرهم.

تُتهم السلطات الفرنسية بالسعي دائمًا لزعزعة استقرار دول إفريقيا بهدف تعيين القادة الذين سيحافظون على مصالحها هناك، فلدى باريس الكثير من المصالح في العديد من البلدان الإفريقية الغنية بالمعادن والثروات الباطنية.

بدورها دعمت روسيا في السنوات الأخيرة حضورها في العديد من الدول الإفريقية، إذ تسعى موسكو إلى الظهور كقوة إقليمية مهمة في إفريقيا، خاصة أنها تقدم الأسلحة بسخاء إلى حلفائها في القارة السمراء كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولها خبرة في مجالي المناجم والتنقيب عن النفط، وهو ما يفسر المخاوف الفرنسية من النفوذ الروسي المتنامي في القارة السمراء.

وتظهر هذه المخاوف جلية في إعراب ماكرون في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الكاميروني بول بيا عن قلقه إزاء توسيع العلاقات الدبلوماسية والعسكرية لروسيا مع عدد من الدول الإفريقية، وقال الرئيس الفرنسي: "لن أسمي الأمر تعاونًا (روسيا مع الدول الإفريقية)، فهو أشبه بالتواطؤ مع السلطات السياسية الضعيفة أو المجالس العسكرية غير الشرعية".

كما سبق أن اتهم ماكرون روسيا باتباع "إستراتيجية" تهدف إلى تأجيج مشاعر معادية لفرنسا في إفريقيا، من خلال استغلال "نقمة ما بعد حقبة الاستعمار"، مؤكدين أن روسيا تقدم أموالًا لعدد من الأفارقة حتى يحتجوا ضد الوجود الفرنسي في القارة الإفريقية.

مخاوف أوروبية

صحيح أن ماكرون يزور دول إفريقيا بصفته رئيسًا لفرنسا، لكن كلامه عن موسكو ومخاوفه من التمدد الروسي في القارة السمراء هو انعكاس للمخاوف الأوروبية، فالأوروبيون يخشون ازدياد نفوذ روسيا في منطقة كانت تاريخيًا تابعة لهم.

ولئن كان هناك تنافس أوروبي داخل القارة الإفريقية خاصة بين فرنسا وألمانيا للمحافظة على نفوذهم ومكانتهم هناك والحصول على امتيازات أكبر، فإن مواجهة روسيا تتطلب وحدة أوروبية حتى لا يخرج الوضع عن سيطرتهم.

يأمل ماكرون من خلال هذه الجولة الإفريقية في تأكيد تمسكه بالأفارقة وبقضاياهم ودعمه لهم

نعلم يقينًا أن فرنسا وحدها لا يمكن لها أن تواجه الروس والأتراك والصينيين والهنود في نفس الوقت، لذلك عليها أن تستنجد بحلفائها في القارة الأوروبية - ولما لا الأمريكان أيضًا - حتى لا يخسر الغرب مكانته في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

يعني هذا أن مواجهة التمدد الروسي في إفريقيا تقتضي من الفرنسيين تكثيف التعاون مع باقي الدول الأوروبية خاصة تلك التي تمتلك نفوذًا قويًا هناك على غرار ألمانيا، فالروس أثبتوا في العديد من المرات قوتهم وصعوبة هزيمتهم بسهولة.

إستراتيجية فرنسية

أثبتت العديد من الأحداث أن الإستراتيجية الفرنسية المتبعة في دول إفريقيا فشلت في الوصول إلى أهدافها بدليل تنامي الإرهاب والغضب الشعبي ضد الوجود الفرنسي في القارة الإفريقية وتزايد نفوذ العديد من الدول الإقليمية المنافسة في القارة.

أمام هذا الوضع تعمل فرنسا على وضع بنود إستراتيجية جديدة في القارة الإفريقية، ضمنها ستعمل على إعادة الانتشار العسكري في منطقة الساحل والصحراء بعد قرار انسحابها من مالي وتراجع تحالفاتها في مستعمراتها السابقة في تلك المنطقة المشتعلة.

بدل مالي ستركز فرنسا قواتها وعملها هذه المرة في النيجر بعد أن فتح الرئيس محمد بازوم أبواب بلاده لها، خاصة أن دول الجوار في الفترة الأخيرة تحاول النأي بنفسها عن فرنسا وتسعى إلى إقامة جدار فصل بينها وبين باريس.

كما ستعمل فرنسا على توسيع نشاطها إلى منطقة خليج غانا وتقديم الدعم الكامل لدول المنطقة لمكافحة الإرهاب والتصدي لخطر الجماعات المسلحة هناك، لا سيما الدعم في مجال الاستخبارات أو الدعم الجوي.

في هذا الصدد قال ماكرون: "ستبقى فرنسا ملتزمة بحزم بأمن القارة، من أجل دعم شركائنا الإفريقيين وبناء على طلبهم"، وأضاف "نعيد تنظيم منظومتنا بالانسحاب من مالي لأن الإطار السياسي لم يعد متوافرًا، بهدف توسيع جهازنا، خارج منطقة الساحل، إلى خليج غينيا والدول التي يتعين عليها الآن مواجهة مجموعات إرهابية تتمدد وتتسبب باضطرابات للمنطقة كلّها".

تشمل الإستراتيجية الجديدة، المجال الغذائي أيضًا، بعد أن عملت فرنسا على تشويه روسيا وتأكيد مسؤوليتها عن أزمة الغذاء التي تضرب القارة السمراء وراح ضحيتها عشرات الآلاف، حيث تعرف العديد من المناطق انتشارًا حادًا للمجاعات.

سيعمل ماكرون خلال إستراتيجيته الجديدة على دعم قطاع الإنتاج الزراعي لتجنب اصطفاف الأفارقة وراء روسيا التي وعدتهم بتقديم مساعدات غذائية كبرى لهم، وذلك حتى تضمن مساندتهم ودعمهم في حربها ضد أوكرانيا وصراعاتها مع الغرب.

يأمل ماكرون من خلال هذه الجولة الإفريقية على تأكيد تمسكه بالأفارقة وبقضاياهم ودعمه لهم، وذلك للمحافظة على نفوذ باريس في مستعمراتها السابقة في ظل التوسع الروسي السريع في دول القارة.