توتر الأجواء الحدودية الصربية الكوسوفية

شهدت الحدود الصربية الكوسوفية موجة جديدة من التوتر، إثر إطلاق عناصر من صرب كوسوفو النار على الشرطة الوطنية وإغلاقهم للطرق المؤدية نحو معبري يارينيي وبرنياك شمال البلاد اعتراضًا على قرار تغيير اللوحات المعدنية الصربية للسيارات إلى لوحات كوسوفو، ما دفع الشركة لغلق المعبرين أمام حركة المرور بشكل كامل.

كما دوت صافرات الإنذار مساء 31 يوليو/تموز 2022 وسط حالة من الفوضى العارمة التي خيمت على الأجواء الحدودية، فيما نشرت قوات الأمن العديد من مقاتلي وحدة الرد السريع المدججين بالسلاح، في محاولة لإعادة الاستقرار والحيلولة دون تفاقم الوضع وحدوث أي اشتباكات من شأنها تهديد أمن البلاد.

لم يكن التوتر الحاليّ بين البلدين هو الأول من نوعه، فالصراع الدموي الذي شهدته منطقة البلقان تحديدًا بين الحين والآخر، منذ تسعينيات القرن الماضي، يعد أرضية صالحة لنشوب الأزمات، واحدة تلو الأخرى، فيما يمكن قراءته في ضوء الصراع الدائر حاليًّا بين شطري أوروبا، الشرقية والغربية، على خلفية الحرب الأخيرة التي شهدها إقليم ناغورنو كاراباخ قبل عامين والحرب الروسية الأوكرانية الحاليّة من جانب، والمواجهة المتأزمة والمتصاعدة بين حلف شمال الأطلسي والمعسكر الشرقي بقيادة روسيا والصين من جانب آخر.

يذكر أن العلاقات بين صربيا وكوسوفو تمر بمنحنيات خطيرة منذ استقلال الأخير عن الأول قبل 14 عامًا، ومما زاد من وعورة تلك المنحنيات وجود نحو 50 ألف صربي يعيشون في شمال كوسوفو، يعتبرهم البعض خنجرًا في ظهر السيادة الكوسوفية فيما يراهم آخرون حلقة وصل مهمة للتقارب بين البلدين.. فما الذي يحدث على الحدود بين الجارتين؟

ما سبب التوتر؟

منذ استقلال كوسوفو عام 2008 والتوتر بين البلدين مكتومًا، يخرج للسطح حينًا لكن سرعان ما يخمد مرة أخرى بعد تدخلات ووساطات عدة، تجنبًا لتداعيات التصعيد التي من المحتمل أن تزيد من اشتعال منطقة البلقان المتوترة بطبيعة الحال، وكانت البداية عند الاشتباكات التي اندلعت في 2011 بين شرطة كوسوفو وبعض الصرب في المناطق الشمالية، والحديث حينها عن ضم الجزء الشمالي من البلاد، إلا أن الأمور هدأت بعد تدخل الاتحاد الأوروبي الذي يحاول منذ 2013 وحتى اليوم تبريد الأجواء.

الأمر ازداد تعقيدًا مع تدشين وزارة دفاع لكوسوفو في ديسمبر/كانون الأول 2018 وهو القرار الذي قاطعه معظم النواب الصرب في البرلمان، تزامن ذلك مع إجراءات اتخذها البرلمان الكوسوفي بفرض رسوم على السلع الواردة من صربيا أسوة بما تفعله بلغراد مع السلع الكوسوفية، ما دفع الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، إلى اتهام بريشتينا بـ"قرع طبول الحرب".

وفي إطار التوجه ذاته فرضت كوسوفو بعض الإجراءات على السيارات التي تحمل لوحات تسجيل تابعة لصربيا بضرورة تركيب لوحات تابعة لكوسوفو أسوة بما فعلته صربيا في 2010، مع فرض رسوم قدرها 5 يورو على كل سيارة قادمة من الأراضي الصربية، وهو ما استفز الصرب في الشمال، ما أجج الوضع في الإقليم.

لم يقبل الصرب الكوسوفيون بتلك الإجراءات التي يرونها انتهاكًا لقوميتهم الصربية، فخرجوا في احتجاجات عارمة ودخلوا في صدامات ومواجهات مع قوات الشرطة، بجانب قطعهم للطرق وغلق الشوارع بالمتاريس، وإصابة المناطق الشمالية بالشلل التام، ما دفع الحكومة الكوسوفية لتأجيل تطبيق القرار.

المنطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد، فما يحدث على الساحة الأوكرانية وتداعياته كفيل بسرعة إنهاء أي أزمة جديدة تلوح في الأفق، لا سيما إن كانت المنطقة فوق فوهة بركان قابل للاشتعال في أي وقت

وفي مايو/أيار الماضي منحت حكومة كوسوفو مهلة 60 يومًا لتنفيذ قرارها الخاص بفرض الرسوم على السيارات القادمة من صربيا وتعليق لوحات كوسوفو، منوهة أنه منذ أول أغسطس/آب الحاليّ سيدخل حيز التنفيذ، ومع نهاية المهلة المحددة وبداية التطبيق الفعلي، احتج الصرب واندلعت المواجهات ليلة أمس، ونشبت الصدامات بين المحتجين وقوات الشرطة فيما أغلقت معظم المدن الحدودية.

وبرر رئيس الوزراء الكوسوفي، ألبين كورتي، هذا القرار بأنه يأتي ضمن سياسة المعاملة بالمثل إزاء ما فرضته صربيا التي لا تعترف باستقلال مقاطعتها السابقة ذات الأغلبية الألبانية المعلنة في عام 2008، فيما وصفت البعثة الأممة التي يقودها حلف الناتو في كوسوفو الوضع في بيان لها قائلًا إن الوضع في شمال البلاد متوترًا للغاية.

تبادل الاتهامات

تبادل الطرفان الاتهامات بشأن مسؤولية تفاقم الأوضاع، فقد اتهمت بلغراد الحكومة الكوسوفية بالتسبب في التصعيد الأخير وأنها تستهدف الصرب لديها بإجراءات قاسية تنتهك حقوقهم وتهدد قوميتهم، أما المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، فألقت باللوم على ما وصفته بـ"القواعد التمييزية التي لا أساس لها" التي تفرضها سلطات كوسوفو.

وعلى الجانب الآخر حمّل رئيس وزراء كوسوفو الرئيس الصربي مسؤولية هذا التصعيد الذي قد يقود إلى صراع محتمل بين الجيش الصربي وشرطة بلاده، وفي بيان له على وسائل التواصل الاجتماعي قال كورتي: "إصدارنا لوثائق الخروج والدخول (للبلاد) عند المعابر الحدودية مع صربيا (بموجب قانون جديد) لم يبدأ بعد، لكن الكيانات الصربية غير الشرعية في الشمال بدأت بإقامة حواجز الطرق وإطلاق النار".

وأوضح رئيس الحكومة أن ما أسماه "التصريحات واجتماعات التخويف والتهديد في بلغراد" التي وصفها بـ"الشوفينية القومية"، جرى التخطيط لها والتحريض عليها منذ فترة، محملًا فوتشيتش ورئيس مكتب شؤون كوسوفو وميتوخيا، بيتر بيتكوفيتش، مسؤولية التوترات الحدودية، واصفًا الرئيس الصربي بأنه "المجرم الرئيسي في أعمال الشغب" التي تحدث في البلاد، محذرًا من الأيام والساعات القادمة التي قال إنها "قد تكون صعبة وإشكالية".

تركيا تعرض الوساطة

المنطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد، فما يحدث على الساحة الأوكرانية وتداعياته كفيل بسرعة إنهاء أي أزمة جديدة تلوح في الأفق، لا سيما إن كانت المنطقة فوق فوهة بركان قابل للاشتعال في أي وقت، هذا لسان حال أنقرة التي عرضت وساطتها لتخفيف حدة التوتر بين بلغراد وبريشتينا.

وفي اتصال هاتفي مع نظيريه الصربي والكوسوفي، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، استعداد بلاده للقيام بدور الوساطة من خفض منسوب التصعيد بين الجارتين، وفق ما جاء في بيان للخارجية التركية نشرته على حسابها الرسمي على تويتر، قالت فيه إن أوغلو "أكّد للطرفين أن تركيا تولي دائمًا أهمية للسلام والاستقرار في منطقة البلقان"، مشددًا على أن "اندلاع أي توترات في المنطقة لن يعود بأي فائدة على أي طرف، ومن ثم ينبغي التحلي بضبط النفس".

وفي السياق ذاته أعلنت قوة حلف شمال الأطلسي الموجودة في كوسوفو عن استعدادها للتدخل "إذا تعرض الاستقرار للخطر في شمال كوسوفو"، وهي الخطوة التي ربما تزيد الوضع اشتعالًا إذا تدخلت أي قوات تابعة للجيش الصربي، الأمر الذي ربما يكون خيارًا ثانويًا في الوقت الحاليّ بالنسبة لجميع الأطراف.

تحاول روسيا قدر الإمكان توظيف صربيا لخدمة أجندتها الإقليمية، حيث تتخذها كورقة ضغط في مواجهة حلف الناتو الذي يتخذ من أوكرانيا والسويد وفنلندا أوراق ضغط موازية لتقزيم الدور الروسي في المنطقة

ما علاقة روسيا بالأزمة؟

لا يمكن قراءة التصعيد الصربي الكوسوفي الأخير بمعزل عن الأجواء الحاليّة من حرب أوكرانيا ممتدة منذ فبراير/شباط الماضي، وصراع نفوذ علني بين المعسكرين الشرقي والغربي، والتناطح الكبير بين موسكو وواشنطن، بجانب المستجدات الدولية خلال السنوات العشرة الأخيرة التي فرضت تموضعات جديدة أعادت رسم خريطة التحالفات والكيانات التكتلية.

وتحاول روسيا قدر الإمكان توظيف صربيا لخدمة أجندتها الإقليمية، حيث تتخذها كورقة ضغط في مواجهة حلف الناتو الذي يتخذ من أوكرانيا والسويد وفنلندا أوراق ضغط موازية لتقزيم الدور الروسي في المنطقة، حتى تحولت تلك البلدان إلى خنجر بيد كل طرف لطعن الطرف الآخر.

وعليه كان الدعم السخي الذي قدمه الروس لبلغراد خلال السنوات الماضية، حيث صفقات التسليح والتعاون العسكري المتبادل وإمداد الصرب بالغاز والنفط، بجانب تعزيز حجم التجارة التبادلية، وتعويض صربيا عن أي ضغوط أو عقوبات خارجية من شأنها أن تدفعها لتقديم أي تنازلات للغرب.

وفي الوقت الذي كان يخطط فيه الاتحاد الأوروبي لضم صربيا إليه، سارعت موسكو لسحب البساط من تحت أقدام الأوروبيين لتضع بلغراد في حافظتها الخاصة بعدما حولتها إلى خنجر في ظهر أوروبا، وسلاح يمكن توظيفه بشكل مرن بين الأزمة والأخرى، وساعد على ذلك استغلال الجانب الروسي لشعبوية الرئيس الصربي وإيمانه المطلق بقوميته التي يبذل الغال والنفيس دفاعًا عنها، وهو الوتر الذي يعزف عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإدارته بشكل كبير.

المعطيات تقول إن ما يحدث لا يعدو كونه جولة جديدة من جولات التحرش بين البلدين، ولا مصلحة للطرفين في تصعيد جديد ستكون كلفته باهظة في ظل المستجدات الحاليّة، وعليه من المرجح والمنطقي أن يستجيب الجميع - طرفا النزاع والقوى الداعمة لهما - لأي جهود دبلوماسية لوأد الأزمة قبل تجاوزها الخطوط الحمراء، فلا أحد على استعداد لتحمل فاتورة صراع جديد في الوقت الراهن، غير أن ذلك لا يمنع من اندلاع مواجهات جديدة في ظل الأرضية الخصبة التي مهدها التاريخ الدموي للإقليم برمته.

وفي الأخير يمكن القول إن هناك علاقة ترابطية كبيرة بين الوضع في أوكرانيا ونظيره على الحدود الكوسوفية الصربية، فكلتا القوتين المحركتين للمشهد واحدة، والأهداف ذاتها، لتظل الأجواء مرهونة بالتوتر الإقليمي، صعودًا وهبوطًا، حتى إن نجحت تركيا في تجميد التصعيد الأخير - مؤقتًا - بشكل أو بآخر، ليبقى تاريخ الصراع الدموي بين الجارتين الشبح الذي يطل برأسه بين الفينة والأخرى.