لا شكّ أن القارة الأفريقية كانت، ولا تزال، تشكّل محورًا مركزيًّا للمنافسة الدبلوماسية والاقتصادية بين القوى العظمى، كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، وها هي تركيا ما فتئت، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، تبلور سياسة خارجية جديدة تجاه الدول الأفريقية، لتضمن لها موقع قدم جيوستراتيجي واقتصادي بالقارة.

تعتمد خريطة طريق أنقرة لتطوير علاقاتها مع أفريقيا على منظومة متعددة المسارات، تشمل تقوية وجود بعثاتها الدبلوماسية، وتشجيع شركات القطاع الخاص على الحصول على موطىء قدم في مشاريع البنية التحتية بالقارة.

زد على ذلك أن التنسيق بين المبادرة الحكومية والقطاع الخاص بات يجني كذلك ثمار ديناميكية الدبلوماسية الناعمة المتجذّرة، عبر قطاع التعليم والتعاون الإنساني والطبّي الذي عرف طفرة ملموسة بفعل تداعيات جائحة كورونا.

شبكة دبلوماسية متينة

إن أكبر مؤشر على التموقع الاستراتيجي لتركيا في القارة الأفريقية، هو دينامية اتساع شبكة سفاراتها عبر مختلف دول القارة، فقد بلغ عدد تمثيليات أنقرة بأفريقيا، عام 2022، 44 تمثيلية، كانت آخرها السفارة التركية في غينيا بيساو، كما تطمح، في المستقبل المنظور، إلى فتح 49 سفارة عبر تواجدها بالعواصم التالية: بانغي، مونروفيا ليلونغوي، ماسيرو ومبابان.

وبالتوازي مع دينامية الحضور الدبلوماسي عن قرب في جُلّ عواصم القارة، استطاعت أنقرة تشجيع تواجد التمثيليات الأفريقية فيها، عبر فتح المزيد من السفارات والمكاتب القنصلية، والدليل على ذلك احتضان عاصمة تركيا لـ 37 تمثيلية دبلوماسية أفريقية، ويُنتظر افتتاح السفارة الأفريقية الـ 38 لدولة توغو قبل نهاية هذا العام.

تتزامن تقوية شبكة الحضور الدبلوماسي مع ارتفاع وتيرة زيارات الوفود الأفريقية لأنقرة، حيث بلغت هذه الزيارات لتركيا 38 زيارة لمختلف البعثات الدبلوماسية الأفريقية، وذلك رغم الاحتياطات الاحترازية المرتبطة بتداعيات فيروس كورونا.

إن التموقع التركي بالقارة الأفريقية يسعى كذلك إلى تكريس القطيعة مع المقاربة الاستعمارية، التي بُنيت عليها العلاقات السياسية تاريخيًّا مع دول القارة، فتركيا تعتبر أن أرضية منظمة الوحدة الأفريقية هي البوصلة لتأطير علاقاتها مع دول القارة، بناءً على مقاربة الندّية والاحترام المتبادل، وبفضل هذا التصور البراغماتي استطاعت أنقرة الحصول، منذ عام 2008، على وضعية الشريك الاستراتيجي لمنظمة الوحدة الأفريقية.

حضور أنقرة الدبلوماسي المطّرد كان دائمًا بالتوازي مع تزايد حجم المبادلات التجارية بين تركيا ومختلف دول القارة الأفريقية

وسعيًا لإتمام تصورها السياسي لمستقبل العلاقات الأفريقية التركية، دأبت تركيا على تنظيم قِمَم سياسية بشكل دوري، لتدارُس آفاق تطوير هذه العلاقات عام 2008 و2014 و2021، وكان آخر هذه القِمَم التي نُظِّمت في إسطنبول عام 2021 تحت شعار "من أجل شراكة قوية، من أجل تطور مشترَك"، حيث نجحت في استقطاب مشاركة 38 من دول القارة، بحضور 16 رئيس دولة و100 وزير من ضمنهم 38 وزير خارجية.

الدبلوماسية في خدمة الشركات

إن حضور أنقرة الدبلوماسي المطّرد، كان دائمًا بالتوازي مع تزايد حجم المبادلات التجارية بين تركيا ومختلف دول القارة الأفريقية، ولا أدلّ على ذلك من نمو حجم المبادلات التجارية، حيث ارتفع من 5.4 مليارات دولار عام 2003 الى 34.53 مليار دولار عام 2021، وذلك رغم الانخفاض المسجّل عالميًّا على مستوى المبادلات التجارية، بسبب آثار جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي.

لا يتوقف طموح السلطات التركية والقطاع الخاص عند هذا الارتفاع المطّرد لرقم المعاملات التجارية، بل يهدف الى مضاعفة مستوى هذه المبادلات ليتجاوز مستوى 50 مليار دولار على المدى القصير.

ولعلّ من بين المؤشرات الدالة على هذه الديناميكية الاقتصادية مع دول القارة، هناك الارتفاع الملحوظ والمطّرد للمبادلات، خاصة مع دول جنوب أفريقيا ونيجيريا وساحل العاج وموريتانيا وغانا.

ولا بدَّ من أخذ معطى آخر بعين الاعتبار لفهم الديناميكية، حيث يتجلّى تزايُد قوة الحضور الاقتصادي لتركيا في أفريقيا، وفي تطور مستوى الاستثمارات التركية المباشرة في دول القارة، والتي بلغت 6 مليارات دولار. 

كما أن الشركات التركية أنجزت من جهتها إلى حدّ الآن أكثر من 1686 مشروعًا، بقيمة سوقية تجاوزت 77.8 مليار دولار، ولعلّ هذا النجاح الذي حققّه القطاع الخاص، هو ما شجّع على إنشاء 45 مجلسًا تركيًّا أفريقيًّا للأعمال والتبادل الاقتصادي بمختلف دول القارة، عبر مجلس التبادل الاقتصادي التركي للقطاع الخاص (DEIK).

ومن جهة أخرى، ودعمًا للقطاع الخاص، وقّعت وزارة التجارة التركية عام 2021 على اتفاقية تعاون مع السكرتارية العامة لمنطقة التبادل الحر القارية الأفريقية (ZLECAF). 

استراتيجية تركيا لتقوية تواجدها بالقارة الأفريقية لا ترتكز فقط على المقاربة التقليدية للحضور الدبلوماسي والاقتصادي، بل تراهن على الدبلوماسية الناعمة المبنية على المبادرات الإنسانية والتعليمية

وقد وقّعت أنقرة حتى الآن ما مجموعه 48 اتفاقية تجارية مع 48 دولة أفريقية، إضافة إلى إبرام 32 معاهدة لحماية المستثمرين وبروتوكولات عدم الازدواج الضريبي مع 16 دولة أفريقية.

وعلى المستوى البنكي، بدأت البنوك التركية تسجّل، من جهتها، حضورًا في القارة، عبر فتح فرع لأكبر البنوك العمومية، بنك زراعات التشاركي، في السودان، وكذلك فرع لبنك العمل التركي (IS Turkiye) في مصر.

وما يجب ألا يغفله المتتبّع هو أن هذه الديناميكية السياسية والاقتصادية ما كانت لتزدهر دون الارتكاز على نمو شبكة شركة الطيران التركية، والتي وصلت رحلاتها عام 2022 إلى مستوى تغطية يشمل 33 دولة في القارة و44 وجهة في أفريقيا.

الدبلوماسية الناعمة

إن استراتيجية تركيا لتقوية تواجدها بالقارة الأفريقية لا ترتكز فقط على المقاربة التقليدية للحضور الدبلوماسي والاقتصادي، بل تراهن على الدبلوماسية الناعمة المبنية على المبادرات الإنسانية والتعليمية. 

ولا شكّ أن أول مؤشر يجب أخذه بعين الاعتبار في هذا الإطار، هو ارتفاع ميزانية تركيا المخصَّصة للدعم المباشر لدول القارة، والتي وصلت إلى 2.2 مليار دولار في فترة 2005-2019.

ومن أنشط الآليات الحكومية في مجال التعاون الدولي، هناك وكالة التعاون والتنسيق (TIKA)، التي تمثل الذراع التركية في أفريقيا، عبر شبكة تضمّ 22 فرعًا متفرقًا بمختلف دول القارة.

وبالتوازي مع الجانب الإنساني، استثمرت تركيا بقوة في المجال التعليمي، عبر شبكة مدارس مؤسسة المعارف، والتي تتوفر على 329 مؤسسة تعليمية منتشرة عبر 25 دولة أفريقية.

كما أن الجامعات التركية الحكومية والخاصة ساهمت بدورها في مسار الدبلوماسية الناعمة، وذلك عبر توزيع 14 ألف منحة جامعية، لمتابعة مختلف التخصُّصات الجامعية لصالح طلبة دول القارة الأفريقية.

دبلوماسية كورونا

وكانت جائحة فيروس كورونا نفسها لحظة مفصلية لتموقع تركيا بالقارة الأفريقية، عبر تطوير دبلوماسية طبية ناعمة لدعم دول القارة لمواجهة تداعيات موجة الانتشار الكبير للفيروس بأفريقيا.

مسار العلاقات التركية الأفريقية سيزداد تطورًا لا محالة بسبب استراتيجة الخارجية التركية

فقد ركّز الدعم التركي على شقَّين، حيث تجلى الشق الأول في الدعم الطبي والمالي للقطاع الصحي العمومي الأفريقي، وتوزيع لقاح كورونا التركي؛ بينما انصبَّ الشقّ الثاني على بناء مستشفيات حديثة ومجهّزة بأحدث التقنيات الطبية في 3 دول أفريقية، هي السودان والصومال والنيجر.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، لا يسعنا إلا الجزم بأن مسار العلاقات التركية الأفريقية سيزداد تطورًا لا محالة، بسبب استراتيجة الخارجية التركية التي وضعت القارة الأفريقية على رأس أولوياتها، بناءً على توصيات خطة التعاون التركي-الأفريقي عن فترة 2021-2026، الموقّعة على هامش الملتقى التعاوني بين تركيا ودول القارة الأفريقية المنعقد نهاية عام 2021 في إسطنبول.

وفي النهاية، لا يفوتنا أن نذكّر بأن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من أكثر المسؤولين دوليًّا زيارةً لأفريقيا، إذ قام بـ 52 زيارة لـ 30 دولة بالقارة الأفريقية، وقد حذا حذوه وزير الخارجية، الذي استقبل، رغم إكراهات جائحة كورونا، العشرات من البعثات الدبلوماسية الأفريقية عام 2021، المشارِكة بالملتقى السنوي في أنطاليا وقمة التعاون التركي-الأفريقي.