رئيس البنك المركزي المصري (المُقال) طارق عامر

السبت 13 أغسطس/آب 2022.. نائب أول محافظ البنك المركزي المصري، جمال نجم، يؤكد بقاء محافظ البنك طارق عامر في منصبه وأن ما يتردد بشأن استقالته شائعات تستهدف الدولة واقتصادها الوطني، مؤكدًا أن عامر باق في منصبه حتى نهاية ولايته في فبراير/شباط 2023.

الأربعاء 17 أغسطس/آب 2022.. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يصدر قرارًا بقبول استقالة محافظ البنك المركزي وتعيينه مستشارًا لرئيس الجمهورية، بعد 7 سنوات قضاها الرجل في رئاسة الجهاز المسؤول عن السياسة النقدية في مصر منذ تعيينه في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 وحتى 17 أغسطس/آب 2022، وذلك قبل 15 شهرًا عن رحيله الرسمي عن المنصب العام المقبل.

أربعة أيام بين نفي الاستقالة وتأكيدها بشأن منصب حساس كهذا، تعكس حجم الارتباك الذي يعاني منه القطاع النقدي المصري في وقت تمر فيه البلاد بعاصفة اقتصادية هي الأصعب منذ عقود طويلة، ما فتح باب التكهنات على مصراعيه بشأن الدلالات التي يعكسها هذا القرار في هذا التوقيت وما ستؤول إليه الأوضاع خلال المرحلة القادمة التي تزخر بحزمة من الارتباطات والالتزامات الخاصة بالمؤسسات الدولية التي من المرجح أن يكون لتلك الخطوة تأثيرها القوي عليها.. فما الذي حدث تفصيلًا؟

سياق مقلق

يأتي هذا القرار في وقت يعاني فيه العالم بصفة عامة من أزمة اقتصادية خانقة، بسبب الحرب الروسية الأوكرانية ومن قبلها جائحة كورونا وتداعياتها التي أصابت جل اقتصادات الدول بشلل تام، ما تسبب في ارتفاع جنوني في معدلات التضخم والبطالة وتردي الأوضاع المعيشية لمعظم سكان العالم، تلك الأجواء دفعت كل الحكومات إلى تبني إستراتيجيات صعبة أحيانًا لعبور تلك المرحلة الحرجة.

إن كان هذا هو الوضع العام عالميًا، لدى دول تتمتع باقتصادات قوية، فإن الأزمة تتفاقم مع الاقتصادات الناشئة التي سرعان ما تتأثر بالهزات الاقتصادية، ومن بينها الاقتصاد المصري، وهو ما حدث بالفعل، حيث تهاوي العملة المحلية (الجنيه) وتورم معدلات الدين الخارجي (157.3 مليار دولار بنهاية مارس/آذار 2022) والتضخم والفقر، فضلًا عن هروب الأموال السائلة للخارج التي تتأرجح التقديرات بين 15 - 20 مليار دولار خرجوا من السوق المصري خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، فيما وصلت الفجوة التمويلية في البلاد ما بين 30 - 35 مليار دولار هذا العام، إضافة إلى مدفوعات الدين المتوقع أن تصل إلى 33 مليار دولار بداية مارس/آذار 2023.

وعلى صعيد آخر، فهناك خط مفاوضات متصل بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد يتراوح بين 12 - 15 مليار دولار، وإن كان التعثر نتيجة شروط الصندوق التعسفية التي يود من خلالها إعادة النظر في السياسة النقدية المصرية وعلى رأسها تخفيض جديد لقيمة الجنيه وإعادة النظر في سعر الفائدة وما إلى ذلك من القرارات الصعبة على الشارع المصري.

كما أن الاستقالة تأتي قبل ساعات قليلة من الاجتماع المهم للبنك المركزي المقرر لها اليوم الخميس 18 أغسطس/آب لمناقشة بعض المسائل المتعلقة بالسياسة النقدية واتخاذ قرار بشأن سعر الفائدة وما إذا كان المركزي سيستجيب لمناشدات المؤسسات المالية الكبرى بزيادة سعر الفائدة أم سيبقي عليها كما حدث في الاجتماع السابق.

تلك الأجواء في الوضعية الطبيعية تتطلب استقرارًا كاملًا في هيكلة الاقتصاد المصري، سواء على مستوى البناء الإداري أم السياسات العامة، لكن أن يتم الإعلان بصورة مفاجئة عن استقالة أو إقالة شخصية بحجم محافظ البنك المركزي فالأمر يعكس الكثير من الدلالات ويبعث بحزمة رسائل تتعلق بحالة الارتباك التي تخيم على المشهد الاقتصادي المصري برمته، ما سيكون له تأثيره بلا شك على موقف المؤسسات الاقتصادية العالمية في المجمل.

طارق عامر ومديرة الصندوق
تواصل المفاوضات بين القاهرة وصندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد، والصورة لطارق عامر ومديرة الصندوق الجديدة

 

تهاوي الجنيه.. رحلة من الفشل

تسلم عامر منصبه في 2015 وكان الدولار يتأرجح بين 7 - 8 جنيهات، وبعد أقل من عام على توليه وبالتحديد في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أصدر محافظ البنك المركزي قرارًا بتعويم العملة المحلية ليقفز على إثرها سعر الدولار إلى 15 جنيهًا مرة واحدة، الأمر الذي أحدث ارتباكًا كبيرًا في السوق المصري.

دافع عامر عن القرار بشكل كبير، وسخرت الآلة الإعلامية أدواتها لدعم هذه الخطوة بصفتها حلًا ضروريًا للخروج من المأزق واستعادة العملة المحلية قيمتها مرة أخرى، دون الإفصاح عن أن هذا القرار كان بإملاء مباشر من صندوق النقد الدولي، لتسهيل حصول مصر على سلسلة من القروض المستقبلية.

ولمحافظ البنك المركزي المقال جملة شهيرة قالها عقب توليه منصبه كانت مثار جدل، حين أكد أن الدولار وبفضل هذا القرار سيصل سعره إلى 4 جنيهات تقريبًا، وهو الرقم الذي أكده أكثر من خبير، بعضهم من الجنرالات، لافتين إلى أن الجنيه سيصعد بسرعة الصاروخ بفضل السياسات النقدية الجديدة.

التصريحات الوردية رغم غرابتها ابتداءً، فإنها لامست الواقع لدى البعض، خاصة مع الأشهر الأولى لهذا القرار حين زادت الصادرات المصرية وارتفعت معدلات تحويلات العاملين بالخارج، وهي التداعيات التي عزف على أوتارها الإعلام للدفاع عن التعويم في مقابل الهجوم الشرس عليه من كثير من الاقتصاديين.

لكن شيئًا فشيئًا بدأت الصورة تتضح أكثر، واستقر في يقين المتابعين أن التداعيات الإيجابية الأولى لقرار التعويم كانت بفضل فرق السعر بين الجنيه والدولار لصالح الأخير وهو ما شجع العاملين بالخارج على تحويل عملتهم الصعبة إلى جنيهات والمستثمرين على ضخ المزيد من رؤوس الأموال في السوق المصرية في تسعيرته الجديدة.

وبالفعل بدأ الجنيه يتلقى ضربات موجعة بسبب تلك السياسات، أسفرت في النهاية عن تهاويه أمام الدولار، كان آخرها تعويم جزئي في مارس/آذار الماضي ليبلغ متوسط سعر صرف الجنيه أمام الدولار 18.15 جنيه للشراء، و18.29 جنيه للبيع بدلًا من 15.64 جنيه للشراء و15.74 جنيه للبيع، ليتجاوز اليوم حاجز الـ19 جنيهًا للدولار الواحد في البنك المركزي.

صورة سلبية عن الوضع

تقديم مسؤول في مصر لاستقالته طواعية، مسألة غريبة على المشهد المصري، وعليه لم يقتنع كثير من المتابعين بفكرة تقديم عامر لاستقالته، لا سيما أن البنك المركزي في بيان رسمي على لسان نائبه قبل 4 أيام أكد بقاءه في منصبه وأن ما يثار محاولات شخصية لحسابات خاصة تهدف إلى زعزعة الوضع وإجهاض الإنجازات التي تحققت بسبب السياسات النقدية التي اتخذها البنك تحت قيادة طارق عامر.

ومن ثم جاءت الاستقالة أو الإقالة لتؤكد أن هناك صراع نفوذ ومراكز قوى داخل المنظومة النقدية المصرية، خاصة أن عامر قد عبر في تصريحات سابقة له عن امتعاضه من الهجوم عليه وعلى سياساته النقدية، متحفظًا على بعض الإجراءات الاقتصادية المتخذة مؤخرًا وعلى رأسها تخارج الدولة من بعض القطاعات الاقتصادية وتبنيها إستراتيجية التشاركية مع القطاع الخاص.

ومن ثم فإن ما حدث قد يقدم صورة سلبية عن الوضع الاقتصادي المصري وهو ما يعرقل مرحليًا مفاوضات القاهرة مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات التمويلية الدولية، بجانب انعكاس ذلك على منظومة الاستثمار الداخلي وقد ينجم عن ذلك موجات متتالية من الهجرة المباشرة لرؤوس الأموال السائلة في البلاد، على اعتبار أن الجدل المرافق لإقالة رئيس البنك المركزي تعطي صورة غير مطمئنة للوضع الاقتصادي المصري.

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فهناك توجه عام للإسراع بتعيين محافظ جديد للبنك المركزي في أقرب وقت لتصحيح الصورة السلبية المحتمل اتخاذها، حيث أصدر السيسي قرارًا بتعيين الرئيس السابق للبنك العربي الإفريقي حسن عبد الله (الرئيس الحاليّ لشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للمخابرات المصرية)، قائم بأعمال رئيس البنك مؤقتًا لحين اعتماده برلمانيًا، فيما كانت هناك ترشيحات أخرى على بورصة التوقعات من أبرزهم  رئيس بنك مصر محمد الأتربي، بجانب رئيس إيجي بنك نضال عصر، الذي يعمل حاليًّا داخل البنك المركزي، هذا بخلاف ما يثار بشأن احتمالية أن تكون وزيرة التخطيط الحاليّة، هالة السعيد، خليفة عامر في منصبه.

الإخفاق مسؤولية مشتركة

في الأنظمة السلطوية تبقى الدولة بكل أفرعها ومجالاتها تحت هيمنة وسيطرة الحاكم ونظامه، ومن ثم فإن الحديث عن استقلالية قطاع عن آخر، كمسؤول وحيد عن مجال محدد، خيال لا يلامس الواقع إلا نظريًا فقط، فلا شاردة ولا واردة يمكنها العبور أو المرور دون إذن وموافقة الرئيس، وفي الحالة المصرية الوضع أعمق من ذلك بكثير.

ومن ثم فإن تحميل طارق عامر وحده مسؤولية الإخفاق في السياسات النقدية وتهاوي الجنيه إلى هذا الحد، وزيادة معدلات التضخم وهروب الاستثمارات الأجنبية وإغراق البلاد بالديون الخارجية، تقييم غير موضوعي، فالأمر ابتداءً وانتهاءً يعود من وإلى رئيس الدولة وحكومته المسؤولين عن وضع السياسات الاقتصادية برمتها، لتبقى المسؤولية هنا تشاركية في المقام الأول، الرئيس والحكومة والبنك المركزي.

ولمحافظ البنك المركزي المستقيل (أو المقال) تاريخ كبير في الجهاز المصرفي، حيث كان ضمن فريق العمل المشارك في وضع خطة الإصلاح للجهاز المصرفي عام 2003 حين كان نائبًا لفاروق العقدة محافظ البنك المركزي وقتها، قادمًا من منصب رئيس قطاع الاستثمار وتمويل الشركات في سيتي بنك لمنطقة الخليج ومصر (1996- 2002)، قبل أن ينتقل لمنصب نائب رئيس بنك مصر الدولي خلال عامي 2002/2003 ومنه لرئاسة البنك الأهلي خلال الفترة من 2008 - 2013.

ربما تنجح الدولة مرحليًا بهذه الخطوة في تخفيف حدة الهجوم عليها بسبب السياسات النقدية التي ثبت فشلها في ضوء المؤشرات سالفة الذكر، وقد يكون عامر "كبش الفداء" الذي يقدمه النظام لامتصاص غضب الشارع، لكنه الامتصاص المؤقت في ظل الغليان الذي يحياه محدودو ومتوسطو الدخل ممن تحولت حياتهم إلى جحيم جراء السياسات الاقتصادية التي أثقلت كاهلهم بالأعباء الكثيرة فزجت بالملايين منهم في آتون الفقر المدقع.

وفي النهاية فإن الأزمة في مصر أزمة سياسات أكثر منها أزمة أفراد، وفي ظل المركزية التي ينتهجها النظام الحاليّ فإن الإبقاء على ذات السياسات سيقود إلى النتائج ذاتها بصرف النظر عن هوية ومؤهلات المسؤولين الذين يكون دورهم في الغالب تنفيذ الإستراتيجيات الفوقية التي تُملى عليهم، وهو ما يجعل قرارات التغييرات الوزارية والتنفيذية داخل المؤسسات الحكومية في مصر تفقد قيمتها بشكل كبير.