باتت منطقة الجزيرة السورية، الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، خالية من الشباب، نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية والمعيشية المتردية، التي رسمت واقعًا مجهولًا يواجهه مئات الآلاف من شبّان المنطقة الذين أُغلقت أبواب الحياة أمامهم، ولم يجدوا سوى الهجرة باعتبارها الخيار الوحيد رغم المشقة والمخاطر التي تعرّضهم للموت.

خالد (28 عامًا)، وهو اسم مستعار لشاب من منطقة منبج بريف حلب الشرقي، يستعدّ للهجرة خارج سوريا، بعدما فقد الأمل في تحسُّن الواقع الأمني والمعيشي على مستوى منطقته التي تشهد تهديدات مباشرة بشنّ عملية عسكرية من قبل تركيا والجيش الوطني السوري، تستهدف مناطق سيطرة "قسد".

يقيم خالد وأسرته المكونة من 4 أفراد لدى والده في مدينة منبج في منزل مكوّن من غرفتَين، حيث تنعدم فيهما مقومات الحياة كونه لا يملك دخلًا معيشيًّا مستقرًّا، إذ تصل البطالة هناك إلى أعلى مستوياتها في ظل انخفاض أجور العمل وانعدام الفرص، وسوء الأحوال الاقتصادية على كافة الأصعدة.

قال الشاب خلال حديثه لـ"نون بوست"، إنه يرغب في الهجرة من مدينة منبج في أقرب فرصة، ويحاول الآن البحث عن الطرق المتاحة أمامه من خلال التواصل مع أصدقائه وأقاربه الذين وصلوا الدول الأوروبية خلال الأسابيع القليلة الماضية، وينتظر إجابة دقيقة منهم لاختيار الطريق الأكثر أمانًا للهجرة.

حال خالد هو حال الكثير من السوريين الذين ما زالوا يعيشون على الأراضي السورية، ويواجهون حياة البؤس

وأضاف: "لا يبشّر الواقع الأمني في المدينة بخير، فالمعركة التركية المرتقبة قاب قوسين أو أدنى، إلى جانب تسلُّط "قسد"، وحملات التجنيد الإجبارية والمضايقات الأمنية المتواصلة، ومحاولات النظام في دخول المنطقة وإدارتها بشكل كامل أكثر ما يخيفني ويدفعني إلى الهجرة".

وأوضح أنه سيبيع ممتلكاته بهدف دفع تكاليف الهجرة، ليستقرَّ لاحقًا في هولندا كي يلمّ شمل باقي أفراد أسرته التي ستبقى في مدينة منبج إلى حين وصوله برّ الآمال.

ويبني خالد تصوراته عن طريق الهجرة من خلال تجارب أصدقائه الذين وصلوا الدول الأوروبية. وسيختار واحدًا من الطرق المتاحة أمامه، الأول من مدينة منبج نحو مناطق النظام إلى لبنان بـ 200 دولار أمريكي، ومن لبنان إلى إيطاليا بـ 7 آلاف دولار، ومنها إلى هولندا بـ 500 دولار أمريكي؛ أما الطريق الثاني من منطقة منبج نحو منطقة نبع السلام، ومن ثم إلى تركيا بألفَي دولار أمريكي، ومن تركيا إلى هولندا عن طريق اليونان ودول البلقان تتراوح بين 5 آلاف و7 آلاف دولار أمريكي، بحسب ما شرح لنا خالد.

حال خالد هو حال الكثير من السوريين الذين ما زالوا يعيشون على الأراضي السورية، ويواجهون حياة البؤس، مع انعدام أدنى مقومات الحياة، وضنك العيش والفقر، وسيطرة قوى الأمر الواقع، ما يدفعهم إلى التفكير بشكل جدّي في الهجرة.

طرق الهجرة محفوفة بالمخاطر

صورة
الجدار العازل بين الحدود السورية-التركية.

يحاول معظم الشباب في منطقة الجزيرة السورية الفرار من المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا "قسد" إلى الحدود السورية-التركية، حيث منطقة نبع السلام التي يسيطر عليها الجيش الوطني، للعبور إلى تركيا، والحدود السورية-العراقية للعبور إلى كردستان العراق ومن ثم إلى تركيا، مستخدمين شتى الوسائل بغية الهروب من قبضة "قسد" والنظام.

وتعدّ منطقة نبع السلام التي يسيطر عليها الجيش الوطني، وجهة آلاف الشبان بهدف العبور إلى الأراضي التركية، حيث يحصلون على تسهيلات كبيرة من قبل قادة فصائل الجيش الوطني وميليشيا "قسد" المتواطئين مع المهرّبين، ومن ثم من مناطق الوطني إلى تركيا، بحسب ما أكّد الصحفي زين العابدين العكيدي.

وقال الصحفي من محافظة دير الزور السورية، خلال حديثه لـ"نون بوست": "تتمّ عمليات تهريب البشر مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 100 و250 دولارًا أمريكيًّا بحسب المسافة، ويُنقَل الشخص الذي يتم تهريبه من مكان إقامته إلى التروازية، ومنها إلى رأس العين بريف الحسكة، وبعدها يصل الشخص رأس العيد برفقة عناصر الوطني، حيث يحصل على بطاقة شخصية من المجلس المحلي في رأس العين بقيمة 50 دولارًا أمريكيًّا، في حال قرر البقاء في المدينة لفترة محدودة". 

وأضاف: "إن عمليات التهريب التي تتم من منطقة نبع السلام إلى الأراضي التركية، يشرف عليها قادة من الفصائل والشرطة العسكرية في رأس العين، مقابل مبلغ مادي يتراوح بين 1500 و2000 دولار أمريكي، ورغم ذلك فإن الطريق خطرة". 

وآخرها مقتل الشاب سليمان السياد، وإصابة أشخاص آخرين بجروح بالغة نتيجة إطلاق الرصاص من قبل حرس الحدود التركي "الجندرما"، قرب قرية العدوانية بريف رأس العين، على الحدود السورية-التركية، وذلك بعدما اجتازوا الأراضي السورية. 

ويتعرض السوريون الفارّون من مناطق الجزيرة السورية أثناء عبورهم طرق التهريب، للعديد من المخاطر التي تودي بحياتهم وحياة ذويهم، ورغم معرفتهم مخاطر الهجرة التي تكاد لا تحصى، إلا أنهم مصرّون على الخروج من المنطقة بأقصى سرعة ممكنة.

صورة
تزايُد هجرة الشباب في الجزيرة السورية.

ورغم تواطؤ المهرّبين مع عناصر من "قسد" و"الوطني"، إلا أن الأمر لا يقلّ خطورة، كونه يعرّض الفارّين إلى الاستغلال المالي، وعمليات الاحتيال والنصب من قبل المهرّبين، إضافة إلى تسلُّط سلطات أمر الواقع، سواء في الجيش الوطني أو "قسد"، على الفارّين، حيث يتم القبض عليهم وسرقة ممتلكاتهم، والتعرض للاستغلال الجنسي، إلى جانب خطورة عبور الحدود السورية التركية التي يفقد بها السوريون حياتهم بشكل يومي، بحسب العكيدي.

ما دوافع هجرة الشباب من الجزيرة السورية؟

ساهمت العديد من العوامل المحلية التي تعيشها منطقة الجزيرة السورية في ارتفاع معدلات هجرة السوريين، بالإضافة إلى تشجيع أقربائهم وأقرانهم السوريين في دول اللجوء إلى الخروج من سوريا، لا سيما فئة الشباب، ولعلّ أبرزها، بحسب ما أوضحت مصادر محلية خلال حديثها لـ"نون بوست":

- تهديدات تركيا في شنّ عملية عسكرية تستهدف مناطق سيطرة "قسد".

- التجنيد الإجباري الذي تفرضه "قسد" على الشباب للقتال في صفوفها.

- انتشار قوات نظام الأسد وروسيا في مناطق سيطرة "قسد"، فضلًا عن انتشار أذرع النظام.

- التغلغل الإيراني في الحسكة ودير الزور ومحاولات استقطاب الناس، وتغاضي "قسد".

- الانفلات الأمني والاقتتال العشائري وإثارة النزاعات.

- التجنيد الإجباري الذي تمارسه "قسد" ضد الشباب والأطفال.

- تزايُد حالات الخطف وانتشار السلاح، وغياب الحلول الأمنية الحقيقية.

- الفقر وانعدام مصادر الدخل، ندرة فرص العمل وانتشار البطالة.

- ضياع مستقبل الشباب، في ظل غياب المؤسسات التعليمية.

- عدم وضوح مستقبل منطقة الجزيرة، وتعدُّد الخلافات السياسية.

لا تقتصر دوافع الهجرة تلك على منطقة سورية واحدة، بل لعلّها مشترَكة في العديد من النقاط في معظم الأراضي السورية، لكن ما تواجهه الجزيرة السورية على وجه الخصوص يشكّل تحديًا كبيرًا أمام أبناء المنطقة الذين حاولوا البقاء في بلادهم بشتى السبل، لكن محاولاتهم باءت بالفشل نتيجة سوء إدارة السلطات المحلية المتمثلة بـ"قسد"، التي لطالما حاولت التضييق على المحليين وخلق نزاعات وخلافات بين مختلف المكونات السورية.