ترجمة وتحرير: نون بوست

بعد توقف الصين عن استيراد النفايات البلاستيكية في سنة 2018، بدأ مصدّروها البحث عن موردين جدد لتصبح دول العالم الإسلامي مثل إندونيسيا وماليزيا وحتى  تركيا السوق الجديدة لهذه النفايات.

يبلغ إجمالي إنتاج النفايات في العالم حوالي 370 مليون طن سنويا، يُعاد تدوير 33 مليون طن منها فقط (أي ما يعادل 9 بالمئة) بينما يُرمى 8 ملايين طن في البحار والمحيطات. وتتسبب هذه النفايات التي تلوث المحيطات في تدمير موائل ملايين الكائنات البحرية والنظام البيئي.

من سنة 1988 حتى سنة 2020، تم تصدير ما يقارب ربع تريليون طن من النفايات البلاستيكية في جميع أنحاء العالم. وأكثر الدول تصديرا للنفايات البلاستيكية هي الدول المتقدمة التابعة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان وإنجلترا، من بين أكثر الدول المصدرة للنفايات البلاستيكية؛ بينما تكون البلدان المستوردة للنفايات في الغالب من العالم النامي.

إن تصدير النفايات إلى الدول الإسلامية ليس حديث العهد، ولكن هذه الظاهرة تفاقمت وزاد إرسال النفايات من دول مثل إنجلترا وألمانيا إلى دول إسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا وباكستان وخاصة تركيا منذ سنة 2018، وبالتحديد بعد أن أغلقت الصين أبوابها أمام النفايات البلاستيكية.

وفي ظل الزيادة السريعة في استخدام البلاستيك بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت النفايات البلاستيكية تتراكم بكميات كبيرة. وبعد أن توقف نشاط الصين في هذا المجال، التي كانت تستورد وتعيد تدوير معظم هذه النفايات في تلك الفترة، بدأت الدول الغربية البحث عن "مكبات نفايات جديدة" وكانت بعض الدول منها دول العالم الإسلامي مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا، هي المستورد لهذه النفايات.

صورة
النفايات البلاستيكية المستوردة من قبل الدول ما بين 2010 و2020 (بالطن)
صورة
النفايات البلاستيكية التي تستوردها الدول في 2020 (بالطن):

صدّرت إنجلترا، إحدى أكبر الدول إنتاجا للنفايات البلاستيكية في العالم، 537 ألف طن من النفايات البلاستيكية في سنة 2020 وحدها. وقد كانت وجهة معظمها دول العالم الإسلامي: تركيا (39 بالمئة) وماليزيا (12 بالمئة). وما بين 2019 و2020، زادت النفايات البلاستيكية المرسلة إلى تركيا بنسبة 36 بالمئة وبنسبة 63 بالمئة لماليزيا.

رغم إصدار كل من ماليزيا وإندونيسيا لوائح جديدة بشأن استيراد النفايات البلاستيكية في كانون الأول/ ديسمبر 2020، تليهما تركيا في آذار/ مارس  2021، تقضي بعدم إعادة تدوير النفايات البلاستيكية المستوردة وتركها للطبيعة بشكل عشوائي، لم يتراجع نسق استيراد النفايات البلاستيكية وظل يزداد. وحتى بعد إصدار اللوائح، ارتفع معدل النفايات المرسلة من إنجلترا إلى تركيا بنسبة 50 بالمئة مقارنة بالفترة السابقة.

تركيا

تستورد تركيا سنويا أطنانًا من النفايات البلاستيكية، حيث تُنقل النفايات القادمة من إنجلترا - بشكل خاص - إلى ميناء مرسين عن طريق السفن ثم تُوزّع على المقاطعات المجاورة. لكن وفقًا لدراسة أجرتها ''منظمة السلام الأخضر''، فإن  الغالبية العظمى من هذه النفايات تُلقى بشكل غير قانوني في نهر سيهان ومحيطه ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تلوّث البحر. وقد اتبعت ''منظمة السلام الأخضر'' مآل بعض النفايات البلاستيكية عن طريق نظام تحديد المواقع العالمي، ووجدت أن بعضها يُرمى بشكل عشوائي في ''أضنة'' والأراضي المحيطة بها ليتسرب بعضها إلى البحر الأبيض المتوسط.

تعتبر هذه الدراسة دليلاً هامًا على أن النفايات التي يتم إحضارها إلى تركيا تدخل البلاد بشكل غير قانوني. وبينما تمتلك تركيا القدرة على إعادة تدوير 12 بالمئة فقط من النفايات البلاستيكية المنتجة حاليًا، فإنها تستورد حوالي 30 بالمئة منها (ما يعادل 100 ألف طن). وعلى عكس البلدان الأخرى، لا يتم جلب النفايات إلى البلاد عن طريق السفن فقط وإنما أيضًا عن طريق الشاحنات. ووفقًا لما نشرته صحيفة الغارديان في سنة 2021، دخلت 241 شاحنة مليئة بالنفايات البلاستيكية تركيا من أوروبا يوميًا.

صورة
معدلات نفايات البلاستيك التي استوردتها تركيا من إنجلترا (بالطن)

ماليزيا

تستورد ماليزيا، التي تنتج 2.5 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويا، حوالي 835 ألف طن من النفايات البلاستيكية. لكن قدرتها على إعادة التدوير تبلغ 515 ألف طن فقط، بينما يتم رمي 2.8 مليون طن المتبقية من النفايات البلاستيكية في الطبيعة.

وتعتبر ماليزيا أكثر دولة تستورد النفايات البلاستيكية بين الدول الإسلامية. ويتم التخلص من النفايات التي لا يمكن إعادة تدويرها في الغابات أو الأنهار.

*أصدرت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية ''TRT World'' فيلمًا وثائقيًا بعنوان الغابة البلاستيكية في ماليزيا في سنة 2021. ومع ذلك، لم يتم إجراء أي دراسة حول أزمة النفايات في تركيا في نفس الفترة.

إندونيسيا

تنتج إندونيسيا 12.24 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويا، في حين لا تتجاوز قدرتها على إعادة التدوير 730 ألف طن. وهي لا تستطيع إعادة تدوير حتى 6 بالمئة من نفاياتها البلاستيكية، لكنها تستورد 246 ألف طن من النفايات من الخارج. لهذا السبب، يتم التخلص مما يقارب 11.7 مليون طن من النفايات البلاستيكية في الطبيعة بطريقة غير خاضعة للرقابة. وقد وصل الضرر الذي تسببه هذه النفايات إلى أبعاد خطيرة.

نفايات البلاستيك والتجارة غير المشروعة

وُضعت لوائح مختلفة على نطاق دولي لوقف ومراقبة تصدير النفايات البلاستيكية. فعلى سبيل المثال، أصبحت اتفاقية بازل لسنة 1989 حول التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود إلزامية في سنة 2021. إلى جانب هذه الاتفاقية، وضعت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لوائح جديدة بشأن تصدير النفايات البلاستيكية. أما الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل المملكة المتحدة، فهي غير ملزمة بهذه الاتفاقية.

تصدر الدول النفايات البلاستيكية بشكل غير قانوني. ولعل السبب الرئيسي وراء الفشل في وقف تصدير النفايات البلاستيكية هو مدى ربحية هذا النشاط غير القانوني. وفي الواقع، تقدر قيمة النفايات البلاستيكية المصدرة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من 4 إلى 15 تريليون يورو. وهذا الربح المرتفع من النفايات البلاستيكية أدى إلى ظهور شركات تقوم بهذا العمل، بشكل غير قانوني، على نطاق دولي.

بدأت هذه الشركات لعب دور أكثر نشاطًا في هذا المجال خاصة بعد أن توقفت الصين عن استيراد النفايات البلاستيكية في سنة 2018. كما أصبحت دول إسلامية مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا هدفًا لهذه المجموعات غير القانونية. فعلى سبيل المثال، تبيّن أن 433 سفينة من أصل 1095 سفينة وصلت إلى إندونيسيا في سنة 2019 غير قانونية وعادت أدراجها. وفي نفس السنة، أعادت ماليزيا 150 حاوية من النفايات البلاستيكية دخلت البلاد بشكل غير قانوني.

تنشط ''تجارة النفايات البلاستيكية غير المشروعة'' في مناطق جنوب شرق آسيا، لا سيما البلدان الإسلامية مثل باكستان وماليزيا وإندونيسيا، التي تتصدر القائمة. كما يذكر أن تركيا من أكثر الدول التي تعاني من هذه التجارة غير المشروعة.

والسبب الرئيسي للفشل في منع استيراد النفايات البلاستيكية رغم وجود اللوائح القانونية في تركيا وماليزيا وإندونيسيا هو الأزمة الاقتصادية في هذه البلدان. كما أن تفشي الفساد والرشوة بين السياسيين في الدول الإسلامية من العوامل التي ساهمت في استمرار تجارة النفايات البلاستيكية غير المشروعة التي تحقق 10 تريليونات يورو. يؤثر هذا الوضع سلبًا على الوعي البيئي في المجتمعات الإسلامية. لحل هذه المشكلة، يجب على المؤسسات الإسلامية المدنية زيادة أنشطتها البيئية.

المصدر: مركز البحوث الاجتماعية