كانت أراضي شمال إفريقيا الأكثر خصوبة في حوض البحر المتوسط، باستثناء صقلية الإسبانية التي كانت قادرة على المنافسة قليلًا، بحسب ما توصل إليه مؤرخو العصور القديمة، فقد كانت دول المنطقة متقدمة اقتصاديًا، لكن في الوقت الحاضر تغير الوضع بشكل كبير، فكيف انتقلت شمال إفريقيا من الازدهار الزراعي إلى الوقوف على حافة المجاعة؟

بلغ ازدهار شمال إفريقيا ذروته خلال الحضارة القرطاجية، وكانت قرطاج مدينة ضخمة تراوح تعداد سكانها بين 3 إلى 4 ملايين نسمة، وكانوا صناعًا وحرفيين، برعوا في إنتاج الزجاج والأسلحة والعطور والسيراميك وغيرها من المنتجات التي يحتاجها العالم، غير أن مفتاح الازدهار لم يكن آنذاك هو الصناعة.

الفوز الأكبر في عهد الرومان

كان النمو والازدهار الاقتصادي آنذاك رهينًا بمساحات الحقول الزراعية الخصبة الشاسعة، وقد كانت أراضي شمال إفريقيا مزروعة بالقمح والشعير، وما زالت الأراضي الخصبة موجودة في المغرب وتونس وليبيا، حيث كانوا وما زالوا يزرعون بها الخضراوات والفواكه اللذيذة.

يقول المؤرخون إن روما كانت تغار من قرطاج ولا تستطيع منافستها لا سياسيًا ولا اقتصاديًا، لكن بعدما سقطت قرطاج أمام الرومان، دمر هؤلاء جزءًا كبيرًا من حقول العنب والزيتون، وعوضوا ذلك بمزارع القمح والشعير، لتشهد المنطقة بعد ذلك نموًا اقتصاديًا غير مسبوق، وتتحول إلى "سلة خبز الإمبراطورية"، فلم تكن تحقق اكتفاءها الذاتي فقط بل كانت أيضًا تبيع القمح والشعير لبلدان الجوار.

إلى جانب التربة الخصبة والمناخ الملائم، أقام الرومان منظومة فلاحية بناءً على تشريعات قانونية تحدد ملكية الأراضي ونظام استغلالها، خاصة نظام المستثمرات الفلاحية، ما جعل البلاد في هذه الفترة تصل إلى أوج ازدهارها الاقتصادي الذي كانت الزراعة عماده الأول.

يشير المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان إلى أن الرومان استفادوا من الأدوات الفلاحية التي اكتشفها الفينيقيون، كما ترجموا كتاب الفلاحة الذي ألفه الفينيقي ماغون في 28 جزءًا، وهو مؤلف لم يقتصر فقط على إسداء النصائح الزراعية وتربية الماشية، بل ضبط كذلك ضبطًا مدققًا قواعد إدارة الأملاك الريفية.

لم تكن روما لتدوم في شمال إفريقيا، وعلى الرغم من اندحارها، خلال فترة الفتوحات الإسلامية، حافظت المنطقة على مكانتها في إنتاج وتوريد الغذاء، لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟

المناخ ليس وحده السبب

لم يكن المناخ وحده المسؤول عن تراجع إنتاج الحبوب، فالنمو السكاني المتسارع جعل كمية المحاصيل لا تكفي لتلبية حاجيات السكان المحليين، وبالتالي لم يعد من الممكن الحفاظ على المستوى السابق للصادرات.

كان لهذا التغيير الديمغرافي تأثير سلبي للغاية، بعدما حلت المباني السكنية محل الأراضي السهلية، حتى الأراضي التي كانت قابلة للاستصلاح الزراعي زحف عليها العمران، كما تسارعت وتيرة التصحر من جهة أخرى، مع استمرار نضوب موارد المياه.

لم تكن شمال إفريقيا منطقة جافة، بل كانت أشبه بالسجادة الخضراء، لكن لسوء الحظ انتهى كل شيء منذ نحو 3600 إلى 4000 عام مضت، في أعقاب التصحر المفاجئ في الصحراء الكبرى بسبب التغيرات التدريجية في مدار الأرض، فارتفعت درجات الحرارة في الصيف بشكل حاد وانخفض هطول الأمطار، نتيجة لذلك أصبح هذا الحاجز الصحراوي يفصل شمال إفريقيا عن بقية القارة.

عندما قدم الرومان كانت معظم أراضي المنطقة صحراءً، إلا أن الحرفيين بأدواتهم البدائية استطاعوا استصلاح الأراضي القاحلة وبعث الخصوبة فيها بطريقة لا تكاد تصدق.

التبعية الغذائية في شمال إفريقيا

إلى حدود اليوم تواصل بلدان شمال إفريقيا الحفاظ على وضعها المتقدم في الزراعة، وعلى الرغم من تراجع مساحة الأراضي الخصبة، فإن المحاصيل تضاعفت بـ10 مرات مقارنة بالعصور القديمة، ويعزى ذلك إلى عوامل مرتبطة بتطور آليات الزراعة وصناعة الأسمدة والمبيدات وتهجين البذور.

ورغم نمو حجم المحاصيل، فإنها لا تكفي لتلبية احتياجات السكان، فالمغرب الذي ركز على زراعة الطماطم والحمضيات يستورد 40% من احتياجاته من الحبوب، أما الجزائر التي ركزت اهتمامها صوب استخراج النفط والغاز الطبيعي فهي تعد من أوائل الدول المستوردة للقمح في العالم، فقد استوردت 9.2 مليون طن عام 2021، بحسب أرقام رسمية.

وبما أن الإنتاج المحلي من القمح اللين لا يغطي إلا 30% من حاجيات التونسيين، فإن مخاوفهم تتزايد من تواصل أزمة الحبوب وانعكاساتها على الأمن الغذائي للبلاد التي كانت إلى حدود سبعينيات القرن الماضي قادرةً على تأمين اكتفائها الذاتي.

مصر كذلك من أكبر المتضررين من أزمة سلاسل توريد الغذاء العالمية، تبعًا لنسبة الاحتياجات وأثر ذلك على التضخم وارتفاع الأسعار بصورة قياسية ومثيرة للقلق، كما تسود حالة من عدم اليقين في السوق المصرية التي تعتمد على الواردات بنحو 60% لتغطية حاجياتها من القمح والذرة، وجل هذه الإمدادات قادمة من روسيا وأوكرانيا معًا.

نصف سلة الخبز فارغة

يمكن اعتبار هذا الوضع عادي بالنسبة لمعظم بلدان العالم التي ركزت على القطاع الصناعي وأعطت الأولوية للخدمات والتعدين والسياحة كذلك، ومثل هذه السياسات هي التي أدت إلى تدهور القطاع الزراعي، لكن الأمر مختلف بالنسبة لشمال إفريقيا، لأن الزراعة كانت تحظى بتقدير كبير في هذه المنطقة، وكان صناع القرار في بلدانها ملزمين بدعم المتخصصين الزراعيين والمساعدة في تطوير محاصيل جديدة وتوفير المعدات اللازمة.

ورغم أن الصناعة لم تتطور بسرعة فائقة، فإن بلدان المنطقة نجحت في تجنيب مواطنيها الجوع، بعدما تمكنت من إبطاء وتيرة زحف الرمال على الأراضي الخصبة، لكن الوضع الحاليّ يشير إلى أن ثلث السكان يعيشون فوق خط الفقر، نصفهم لهم القدرة على شراء الطعام فقط، وليس الحاجيات الأخرى من لباس وخدمات وغيرها.

ليس من العادي أن نرى شمال إفريقيا التي كانت في الماضي توفر الطعام لجميع أنحاء العالم، تضطر إلى شرائه بأسعار باهظة، وإن استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الانهيار الاقتصادي مسألة وقت فقط.

فوفقًا للسيناريو الأكثر تفاؤلًا، ما زالت هناك فرصة لاستعادة خصوبة المنطقة، هذا إن نجحت بلدان شمال إفريقيا في إدارة الأرضي التي تحت تصرفها حاليًّا، واستغلالها في تحقيق الاكتفاء الذاتي، لا أن تستنزف مواردها من أجل المنافسة على التصدير، كما يفعل المغرب المهدد بالجفاف، فهو يحتل المرتبة الرابعة في صادرات الطماطم التي تستنزف المياه النادرة، في حين أن نصف سلة خبزه فارغة.