لم يمضِ شهران على استقرار الأربعيني محي الدين الرجب، الذي هُجِّر من الغوطة الشرقية، في مخيم البل بريف حلب، حتى بدأ بالتفكير في العودة إلى مدينته في الغوطة الشرقية وإجراء مصالحة وتسوية مع النظام، إذ لم يتوقع هذا الوضع المعيشي الصعب والانفلات الأمني شمال سوريا.

"طلبت زوجتي مني التريُّث قليلًا ريثما تتكشّف الصورة أكثر في الغوطة الشرقية، ونتواصل مع المقيمين هناك"، هكذا يقول الرجب لـ"نون بوست"، ويكمل: "بدأت أخبار الاعتقالات والتصفيات ترد من هناك بعد تهجيرنا في أبريل/ نيسان 2018، ومن جهة أخرى لم يتغير وضع القرى والبلدات معيشيًّا وخدميًّا عن سنوات الحصار التي عشناها، فقررتُ البقاء في المخيم والبدء بحياة جديدة برفقة زوجتي وطفلَي الاثنين".

توالت الأيام بقسوتها على أسرة محي الدين، خاصة في الشتاء، فما لبث أن حوّل خيمته إلى مسكن إسمنتي يجابه به حرارة الصيف والغبار وصقيع الشتاء كبقية القاطنين هناك، خاصة أن أوضاع البلاد تزداد سوءًا ولا بارقة أمل بحلّ يضمن العودة له ولأي مهجّر، "كثيرًا ما ترددت في بناء هاتين الغرفتين، كنت أشعر أنني ببنائهما سأكمل انسلاخي عن تاريخي وجذوري في مدينتي".

ورغم عشرات المجازر التي ارتكبها النظام في الغوطة الشرقية، وحالة الجوع والإبادة الجماعية التي كانت تحيط بمدنيي الغوطة، إلا أن الرجب يتحسّر على تلك الأيام، "فعلى الأقل كنت في بيتي.. حتى عندما تعرض بيتي للقصف وتضررت أجزاء واسعة منه، قمت مباشرةً بترميم ما تضرر والعودة إليه".

مضيفًا: "نحن منسيون هنا ويريدون منّا أن ننسى جذورنا وأرضنا وأحلامنا، وأن ندفنها في هذه المخيمات.. تطالبني زوجتي بالتأقلم مع هذا الوضع، لكن كيف لي التأقلم؟ لقد تركت بيتًا أشبه بالقصر ككثير من الناس، ولا أعلم الآن هل أحزن أم أفرح على بناء تلك المساكن والوحدات السكنية، وكأنما يراد لنا البقاء والموت هنا في هذه المناطق المعزولة عن الدنيا كلها!".

ويجد الرجب بالعودة الحلّ الوحيد لإنهاء معاناته ومعاناة الملايين، إذ يختم: "لا أريد شيئًا سوى العودة إلى مسقط رأسي.. أرضى بأكل التراب في بيتي، فذلك أهون من أن أموت في هذه الأرض".

مشاريع الإسكان تنسف أحلام المهجّرين داخليًّا

منتصف مايو/ أيار العام الحالي، أعلنت الحكومة التركية عن مشروع يهدف إلى إعادة مليون لاجئ إلى شمال سوريا، وإيوائهم في وحدات سكنية تقدَّر بـ 250 ألف منزل موزّع على 13 بلدة ومدينة، ما أقلق ملايين السوريين من هذا القرار، الذي يوحي بأن إقامتهم كمهجّرين عن محافظاتهم وبيوتهم ستمتد إلى أجل غير مسمّى، بالتزامن مع غياب حلّ سياسي لإعادتهم.

ترك الحاج جواد علي (اسم مستعار) قريته في ضواحي عفرين منذ عام 2017، متوجّهًا إلى أقاربه في كردستان العراق على أمل العودة بعد انتهاء حالة الفوضى التي كانت تعيشها المنطقة آنذاك.

ولا يختلف حال الحاج علي، ذي الأصول الكردية، عن نظيره المهجّر محي الدين، إذ يعتريه البؤس والإحباط وفقدان الأمل بالعودة لمسقط رأسه في عفرين، حيث يقول علي لـ"نون بوست": "أحلم ككل السوريين بالعودة إلى مسقط رأسي في عفرين، وإلى بيتي في ضواحي دمشق الذي تحوّل إلى مسكن يأوي أحد شبيحة النظام"، مضيفًا: "من حقي العيش بأمان في أي مكان بلدي والتنقل بحرية، وإنهاء حالة الشتات التي أعيشها وأسرتي هنا".

ولا يرفض الحاج علي إيواء الناس في بيوت تحفظ كرامتهم وتنقلهم من حياة الذل في المخيمات في أي بقعة سورية، لكنه يرفض ترسيخ وجودهم في هذه المناطق والإغلاق عليهم، وإغفال العمل على إعادتهم لمحافظاتهم الأصلية، وفق تعبيره، في إشارة إلى بناء الوحدات السكنية في شمال غرب سوريا وترسيخ الاستقرار فيها، وختمَ الحاج علي حديثه: "لقد أوصيت أولادي بدفني في أرضي بعفرين، لكنني أظن أنه حتى هذه الوصية سأحرم منها".

الأسد لا يريد عودة أحد

أواخر العام الفائت، وثّقت منظمة العفو الدولية في تقرير لها شهادات لمدنيين عائدين إلى مناطق سيطرة النظام، تؤكد وجود انتهاكات مروعة ارتكبتها المخابرات السورية، عقب اعتقال تعسفي بتهم فضفاضة.

وأكّد التقرير اعتقال 66 من العائدين، بينهم 33 طفلًا، ووجود 33 حالة أُخضعت للتعذيب بهدف انتزاع اعترافات لجرائم مزعومة، أبرزها الخيانة وعدم الولاء، في حين لا يزال مصير 17 ممن تمّ اعتقالهم وتعذيبهم مجهولًا، وفق المنظمة.

ويبدو أن إجراءات النظام وتجاوزاته بحقّ العائدين هي لإغلاق الأبواب بشكل محكم بوجه العائدين، لمنعهم من مجرد التفكير بالأمر، وحشرهم على الشريط الحدودي ودول اللجوء، فرغم أن الماكينة الإعلامية التابعة للنظام لا تكلّ عن الترويج للعودة، وأن البلاد أصبحت آمنة مفتوحة الأبواب لكل أبنائها، إلا أن ذلك لم يمنع وزير الخارجية والمغتربين اللبناني في حكومة تصريف الأعمال، عبد الله أبو حبيب، من دحض تلك الأكاذيب، عندما اعترف بأن "النظام السوري لا يريد إعادة اللاجئين في لبنان إلى سوريا، وأن بلادهم لم تطلبهم".

الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، يوضّح لـ"نون بوست" أن خطاب النظام الإعلامي السياسي مختلف تمامًا عن ممارسات أجهزته على الأرض، ومنسجم مع الضغوط الروسية من جهة، ومع رغبة النظام ذاته بتقديم نفسه على أنه مرن في العملية السياسية، وأنه يقوم بتغييرات في سبيل دعم الاستقرار من جهة أخرى.

معلّلًا السبب باستمرار تدفق أموال التعافي المبكّر على النظام، إلا أن الممارسات على الأرض لا توحي بأي تغيير في عقلية نظام وطريقة تعامله، كذلك استمرار المخاطر الأمنية الكبيرة جدًّا التي يتعرض لها أي عائد إلى مناطق سيطرة النظام.

يؤكد سلوك النظام لا مبالاة بمن يحاول الخروج وبالخارجين بأعداد كبيرة ممّن صمدوا طوال الفترة الماضية.

ومن المبالغة القول إن جميع العائدين يتمّ اعتقالهم أو تصفيتهم، لكن هناك حوادث وتوثيقات كثيرة تشير إلى أن المطلوبين أمنيًّا وجزءًا كبيرًا حتى من غير المطلوبين معرّض للخطر المحقق، حيث يتم اعتقالهم عبر المنافذ الحدودية البرّية أو في المطار أو استدعاؤهم من أفرع الأمن للمراجعة العادية، وكثيرًا منهم يسلَّم إلى ذويه بعد أيام جثة هامدة وعليها آثار التعذيب.

يتساءل الباحث علوان عن سبب كل هذا الحقد والإجرام الذي طال أشخاصًا غير منخرطين أساسًا في الثورة، وأشخاصًا أجروا تسوية أمنية وعلى أساسها عادوا، ثم تعرضوا للتعذيب الشديد والقتل، مؤكدًا أنها سياسة ممنهَجة يهدف النظام إلى نشرها حتى يمنع عودة أحد من الذين كانوا منخرطين بالثورة، بينما غير المنخرطين بالثورة ممكن أن يعودوا ويكونوا عرضة للابتزاز المادي أو لخطر الاعتقال أو الموت تحت التعذيب، إذ إن هذه الممارسات الأمنية تجعل السوريين خارج وداخل سوريا يعزفون عن تصديق مبادرة روسية أو حتى أي دعاية من النظام للعودة، حسب علوان.

ويشهد مركز الهجرة والجوازات في دمشق أكبر موجة تدفق للسوريين الراغبين في الهجرة، للحصول على جواز سفر يمكّنهم من ترك بلادهم، وسط تسهيلات ممنهَجة تثير الاستغراب، إذ أطلقت وزارة الداخلية التابعة لنظام الأسد، في يوليو/ تموز من العام الحالي، خدمة إلكترونية لتسهيل إصدار جوازات السفر، ودفع قيمته إلكترونيًّا والحصول مباشرة على موعد لاستلامه.

يشير علوان أن هناك تسهيلات واسعة من النظام وعدم اكتراث لخروج من تبقّى داخل سوريا، كما أن هناك -ورغم إتاحة جوازات السفر- عملية استغلال مادي واضحة بمنح هذه الجوازات، كما يلاحَظ أن سلوك النظام يؤكد لا مبالاة بمن يحاول الخروج وبالخارجين بأعداد كبيرة ممّن صمدوا طوال الفترة الماضية، ثم استسلموا إلى أن الحياة وظروف المعيشة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تكاد تكون مستحيلة داخل مناطق سيطرته.

هندسة ديمغرافية وسياسة إقصائية

لم تتحقق ظروف العودة الطوعية بعد، بسبب غياب البيئة الآمنة لعودة المهجّرين، إذ تشير البيانات والتقارير الصادرة عن الوكالات الأممية، إلى أن العودة الطوعية لم تسجّل أعدادًا مرتفعة، فبحسب التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة HNAP، الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول، تشكّل نسبة العائدين إلى سوريا أقل من 1% من نسبة السكان الحاليين في سوريا، ويعود ذلك لأسباب كثيرة، أبرزها:

أولًا: غالبية المهجّرين العظمى هم معارضون لنظام الأسد، وبالتالي إن عادوا سيشكّلون خطرًا جديدًا عليه، وانفجار الأوضاع مجدّدًا في ظل عدم التوصُّل إلى حلّ سياسي.

ثانيًا: عجز النظام عن توفير مزيد من الخدمات والمواد الغذائية والطبية.

ثالثًا: اعتماد النظام بشكل كبير على أجهزته الأمنية عماد حكمه، ورفضه كبح جماحها في التعرض للعائدين.

كما أصدر النظام القانون رقم 10 الخاص بالتملُّك، والذي يقضي بجواز إحداث مناطق تنظيمية جديدة ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، ما يعني تجريد عدد كبير من اللاجئين والمهجّرين من أملاكهم، إن لم يثبتوا ملكيتها خلال فترة زمنية قصيرة حددها القانون.

كما يعني قانونيًّا الاستيلاء على ممتلكات المهجّرين، واحلال الموالين والأجانب الذين جلبهم من الخارج فيها، ما يزيد احتمالية تنفيذ مشروعه في إحداث تغيير ديمغرافي، خاصة في المناطق التي شهدت معارضة واسعة كريف دمشق وجنوبها وحمص ودير الزور ومناطق القلمون الحدودية، التي استقرّت فيها عائلات شيعية قادمة من لبنان والعراق وأفغانستان، ذات ارتباطات ميليشياوية من إيران.

العودة مستحيلة بوجود الأفرع الأمنية، خاصة إلى المناطق التي أنهكت النظام عسكريًّا ولاقى فيها مقاومة عنيفة.

في حديثه لـ"نون بوست"، دعا الناشط الحقوقي، ثائر حجازي، للضغط على النظام فيما يتعلق بقرارات الملكية وإحداث مناطق تنظيمية تحرم العائلات الأصيلة من أرزاقها وأملاكها من جهة، وترسّخ مشروع التغيير الديمغرافي الذي يعمل عليه النظام بمساعدة إيران من جهة أخرى، ما يهدّد بضرب التركيبة السكانية وأغلبيتها على المنظور البعيد.

وأكّد حجازي المنحدر من ريف دمشق، أن هناك عائلات لديها رغبة شديدة في العودة لمناطقها الأصيلة، وبعضها عاد وبنسبة كبيرة ما بين عامَي 2018 و2019، لكنها قُتلت تحت التعذيب أو اختفت قسريًّا أو أصبحت رهينة الاعتقال والتغييب، وهذا خلّف خوفًا كبيرًا وترددًا من الإقدام على ذلك من باقي المهجّرين، خاصة في مناطق شمال غرب سوريا.

كما لفت إلى أنه حتى لو عادت هذه الأسر واستطاعت المرور عبر الحواجز، لا بدَّ أنها ستلقى مضايقات أمنية أخرى من حيث الحصول على أوراق أمنية لترميم بيوتها وأملاكها أو الاستفادة منها، هذا إن لم تكن مصادَرة، كما ستمتد المضايقات إلى تنقلاتهم بين البلدات والدخول والخروج.

ورأى حجازي أن العودة مستحيلة بوجود الأفرع الأمنية، خاصة إلى المناطق التي أنهكت النظام عسكريًّا ولاقى فيها مقاومة عنيفة، فإن لم يكن هناك رحيل للنظام بكامل أركانه، والبدء بمرحلة عدالة انتقالية حقيقية تضمن محاسبة المجرمين وكل من تلطّخت يداه بالدماء من جميع الأطراف، فلا يمكن التفكير بالعودة، حسب تعبيره.

ختامًا، وكما يرى حجازي، ينظر المهجرون إلى مشروع تركيا بناء عدد ضخم من الوحدات السكنية نظرة سلبية، الأمر الذي يدفعهم للتفكير ببدائل أخرى، لعلنا رصدنا أحدها قبل أيام، عندما اقتحم المئات معبر باب الهوى بهدف الخروج واللحاق بقافلة اللاجئين السوريين التي تستعدّ للعبور من تركيا إلى أوروبا، ما يفضح بشكل جلي التدهور المعيشي والاقتصادي في منطقة فقيرة بالموارد، ضيقة جغرافيًّا ومنفلتة أمنيًّا.