انقضت تقريبًا 6 أشهر على فرض أثقل عقوبات اقتصادية في التاريخ، حينها ادّعى الغرب أن لها آثارًا آنية ومدمّرة للاقتصاد الروسي، لكن هذه العقوبات لم تنجح في وقف تدفُّق الأموال نحو روسيا، التي تستمر في حلب بقرتها الغازية والنفطية لتمويل الحرب في أوكرانيا، بينما سوف تختبر أزمة الطاقة في أوروبا تصميم الحكومات الغربية على الحد من اعتمادها على الغاز الروسي.

تتوقع روسيا أن تجني 337.5 مليار دولار هذا العام من صادرات الطاقة وحدها، حيث ستعزز أحجام صادرات النفط المرتفعة، إلى جانب ارتفاع أسعار البنزين، أرباح روسيا من صادرات الطاقة بزيادة قدرها 38% مقارنة بعام 2021.

ثمن الحرب بين يدَي بوتين

إذا تحقّقَ ذلك، سوف تساعد هذه العائدات المرتفعة الاقتصاد الروسي في مواجهة العقوبات الغربية، كما سيحصل فلاديمير بوتين على مزيد من السيولة لتمويل الإنفاق العسكري وزيادة الأجور والمعاشات، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الروسي من الركود والتضخم في أعلى مستوى له منذ عقدَين.

رغم العقوبات المشدَّدة، لا يزال بإمكان روسيا جني 800 مليون دولار يوميًّا من عائدات النفط والغاز، لكن الطفرة في عائدات الطاقة تعوّض جزئيًّا فقط الأضرار التي لحقت بالاقتصاد بشكل عام من العقوبات التي كانت آثارها متفاوتة، على سبيل المثال أُصيب قطاع السيارات بالشلل تقريبًا، كما لحقت أضرار كارثية قطاعَي تكنولوجيا المعلومات والمال.

جزء كبير من هذه المكاسب الروسية، غير المتوقعة، يمكن إرجاعها إلى الاتحاد الأوروبي الذي يستورد 40% من احتياجاته من الغاز الطبيعي من روسيا، ويكافح للتخلُّص من التبعية الطاقوية، بما في ذلك ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، إلا أن اعتمادها عليه هذا العام انخفض إلى 30% من أصل 60%، وتهدف حكومتها إلى تقليص ذلك إلى 10% بحلول عام 2024، فيما يرى مراقبون أن الأمر مجرد طموح.

الغرب قوّض العقوبات ضده

يمكن القول إن العقوبات تمَّ تقويضها بسبب استمرار روسيا في تصدير الوقود الأحفوري خاصة إلى الاتحاد الأوروبي، وفقًا لتقرير نشره مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف في أبريل/ نيسان 2022، كانت ألمانيا أكبر مشترٍ حيث أنفقت 8.3 مليارات يورو على الواردات، وكانت هولندا ثاني أكبر مشترٍ حيث أنفقت 6 مليارات يورو، وجاءت إيطاليا في المرتبة الثالثة بمشتريات بلغت 4.3 مليارات يورو، تليها بولندا بـ 3.4 مليارات يورو، وفرنسا التي حلّت خامسًا في الاتحاد بحجم مشتريات تجاوزت 2.4 مليار يورو.

خلال أول شهرَين بعد غزو أوكرانيا، بدءًا من فبراير/ شباط 2022، خصّص الاتحاد الأوروبي 39 مليار يورو لشراء الوقود الأحفوري الروسي، وهو ما يمثّل 70% من صادرات البلاد التي بلغت قيمتها في هذه المدة القصيرة 58 مليار يورو، وقد حوّل ذلك الاتحاد إلى أكبر مستورد.

تكافح أوروبا لاستبدال الغاز الروسي وملء مستودعاتها من النرويج التي تعتبر ثاني أكبر مورد للغاز في أوروبا

خارج الاتحاد الأوروبي، رفعت بلدان مشترياتها، كالصين التي أنفقت 7.1 مليارات يورو لشراء النفط والغاز والفحم من روسيا، حتى أنها صعدت إلى المركز الثاني عالميًّا بعد ألمانيا، كما استوردت تركيا المنتجات النفطية والفحم من روسيا بقيمة 2.7 مليار يورو.

تعدّ صادرات الوقود الأحفوري عاملًا رئيسيًّا في تعزيز الحشد العسكري ضد أوكرانيا، وقد كافحت روسيا لتحويل مسار الشحنات التي يأخذها المشترون الأوروبيون، حيث لوحظت زيادة كبيرة في عدد السفن التي تغادر الموانئ الروسية دون وجهة محددة.

ورغم انتعاش شحنات الطاقة الأحفورية إلى خارج أوروبا، كالهند ومصر وحتى كوريا الجنوبية والهند، فضلًا عن الصين وتركيا، فإن روسيا لا تملك بديلًا عن زبونها التقليدي، أي الاتحاد الأوروبي، خاصة على المدى القصير.

الانعتاق من التبعية ليس سهلًا

يكافح الاتحاد الأوروبي من أجل الانعتاق من التبعية للغاز الروسي، فهو يخطّط على المدى البعيد أن يجعل من أفريقيا موردًا بديلًا، إذ يضع نصب أعينه نيجيريا التي تملك أكبر احتياطي للغاز في القارة، ورابعه عالميًّا، إلا أنها تتأخر إلى المرتبة التاسعة في الإنتاج، لهذا تعدّ الدولة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى هدفًا لهرولة الغرب، خاصة بعدما اتفقت نيجيريا مع المغرب والجزائر على بناء أنبوبَي غاز نحو أوروبا، إلا أن المشروعَين لم يتجاوزا بعد مرحلة الدراسة، ما يعني أن بدء التنفيذ يحتاج لسنوات عديدة لاحقة.

على المدى المتوسط، تكافح أوروبا لاستبدال الغاز الروسي وملء مستودعاتها من النرويج التي تعتبر ثاني أكبر مورد للغاز في أوروبا بعد روسيا، لهذا تسعى إلى رفع إنتاجها من أجل وضع قطيعة نهائية مع وقود روسيا بحلول عام 2027، كما يطمح الجنوب الأوروبي لاستقبال الغاز الأذربيجاني عبر الخط البحري نحو إيطاليا، فضلًا عن بدائل أخرى بما فيها الولايات المتحدة والجزائر.

رغم أن ألمانيا ودول أوروبية أخرى تنفّست الصعداء بعد استنئاف الإمدادات، إلا أن منطقة اليورو قد تواجه ركودًا بسبب أسعار الغاز القياسية

لم تترك روسيا لأوروبا الوقت لترتِّب أوراقها، بعد أن توعّدتها بشتاء بلا غاز مع بداية الخريف، حيث أعلنت شركة غازبروم الروسية، هكذا فجأة، أن خط أنابيب نورد ستريم-1، الذي يوصل الغاز الروسي إلى ألمانيا، سيخصع لمزيد من أعمال الصيانة، الأمر الذي عمّق المصاعب التي تواجه الأوروبيين في الحصول على احتياجاتهم من الوقود، إلا أن روسيا استأنفت إمداد الغاز بعد 10 أيام من الترقُّب.

ورغم أن ألمانيا ودول أوروبية أخرى تنفّست الصعداء بعد استنئاف الإمدادات، إلا أن منطقة اليورو قد تواجه ركودًا بسبب أسعار الغاز القياسية، ويمكن أن يكون الشتاء القادم هو الأسوأ في تاريخ أوروبا، ونتيجة لذلك سوف تكون بعض دول الاتحاد مضطرة لترشيد استهلاك الطاقة، ولن تعوّل على روسيا لتأمين كامل احتياجاتها من الغاز.

روسيا الآن متهمة أكثر من أي وقت مضى باستغلال اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية، كسلاح للردّ على العقوبات المفروضة على موسكو بعد غزو أوكرنيا، خاصة أنها كانت تصدّر الغاز طيلة 4 عقود دون توقف أو مشاكل، إلا أنها الآن تشهر هذه الورقة كسلاح ضغط وتهدد أوروبا بما هو أسوأ.