يطرق سبتمبر/ أيلول من كل عام باب العودة إلى المدارس، حاملًا معه الكثير من التحديات مثل تقلُّبات الطقس في فصل الخريف، والصباحات الباردة، ومعاناة الاستيقاظ مبكّرًا، وتغيير مواعيد نوم الأطفال، إضافة إلى تغيير نظام المنزل وساعات الوجبات بما يلائم مواقيت المدرسة، وصولًا إلى المخاوف من التقاط العدوى وانتشار نزلات البرد في فصل الخريف، كل ذلك يشكّل مصدر قلق للعوائل والأمهات على وجه الخصوص.

تحدِثُ هذه التغيرات زعزعةً في كفاءة جهاز الطفل المناعي، ويصبح من الصعب الحفاظ على صحة جيدة، هنا يظهر دور المنزل والعائلة بالمرتبة الأولى والمدرسة بالمرتبة الثانية، للعمل على تعزيز مناعة الأطفال، والحفاظ على استجابة مناعية سليمة، ومن الممكن اتّباع بعض الخطوات والنصائح التي تحدث فارقًا كبيرًا في صحة أبنائنا.

ترتبط صحة الجهاز المناعي بالنوم والنظام الغذائي وممارسة الرياضة وإدارة مستوى التوتر، وبكلمات بسيطة بعيدًا عن التعقيد، يعمل جهاز الطفل المناعي كمنظومة إنذار معقّدة وظيفتها صدّ أي هجوم خارجي من قبل الجراثيم والبكتيريا، كلّما ازدادت قوة جهاز المناعة كلّما ازدادت كفاءته في الدفاع عن الجسم وحمايته من الإصابة.. في هذا المقال سنتعرّف إلى الوسائل الممكنة لتعزيز المناعة.

اتّباع نظام غذائي صحّي متوازن

يعدّ موضوع الغذاء واتّباع نظم تغذوية صحية من أكبر العقبات التي تقف في طريق الأمهات قاطبة، مع العودة إلى المدرسة وتفويت قسم كبير من الأطفال لوجبة الفطور وساعات الدوام الطويلة في المدرسة، ما يضطر أغلب الأطفال الاعتماد على حقائب الطعام المدرسية المعدّة من قبل الأمهات، والتي تتفاوت بشكل كبير بقيمتها الصحية وتنوعها.

يحتاج الطفل للنمو الجسدي والمعرفي السليم إلى غذاء متوازن، ويحتاج الجهاز المناعي إلى أغذية تدعم عمله كمضادات الأكسدة، الفيتامينات والبروبيوتيك، التي سنتحدث عنها بشيء من التفصيل.

مضادات الأكسدة (Antioxidants)

كثيرًا ما نسمع عن مضادات الأكسدة ودورها الوقائي، ونتساءل بدورنا عن ماهيتها، بشكل مبسّط، عندما يقوم الجسم بعمليات التمثيل الغذائي، تتولد جزيئات شديدة التفاعل تسمّى الجذور الحرة، يزيد التعرض للأشعّة فوق البنفسجية ودخان السجائر والملوثات البيئية الأخرى من عبء الجذور الحرة في الجسم.

هذه الجذور الحرة مرتبطة بالأنشطة الضارّة، كتلف الأغشية والإنزيمات والحمض النووي، ما قد يؤدي إلى حدوث التهابات متكررة وأنواع مختلفة من السرطان، هنا يأتي دور مضادات الأكسدة، حيث تعمل على تثبيت وتحييد الجذور الحرة وتحمي بذلك سلامة الخلايا والأنسجة.

تخلق أجسامنا بشكل طبيعي مضادات الأكسدة، لكن مع تزايُد الجذور الحرة بسبب الملوثات البيئية (دخان السجائر والمبيدات الحشرية والإشعاع وبعض الأطعمة المصنَّعة)، تحتاج أجسامنا إلى كميات إضافية من مضادات الأكسدة، والتي يمكن الحصول عليها عن طريق الغذاء.

حيث توجد مضادات الأكسدة في العديد من الأطعمة النباتية، مثل التوت البري الأزرق، والحمضيات، والفراولة، والبروكولي، والملفوف الأحمر، والكيوي، والعنب الأحمر والأسود، والسبانخ، والفاصولياء، والجوز والمكسّرات، والشمندر والبطاطا الحلوة.

فيتامين سي

فيتامين سي هو الأشهر بالتأكيد عند الحديث عن المناعة، يأتي دوره في دعم كفاءة جهاز المناعة من خلال المحافظة على البشرة، وتمكينها من العمل كحاجز ضد دخول المركّبات السامة إلى الجسم، ولكونه مضادًّا للأكسدة يمكنه أيضًا محاربة الجذور الحرة وتحييدها في الجسم، ما يعني تقليل الالتهاب وتعزيز المناعة.

كما يقوم بدعم الوظائف الخلوية المتعددة لأنظمة المناعة التكيُّفية في الجسم، ويعزز فيتامين سي إنتاج السيتوكين وخلايا الدم البيضاء، ويمنع موت الخلايا المبرمج لأشكال مختلفة من الخلايا اللمفاوية التائية، وبإمكانه أيضًا أن يجعل الأغشية البكتيرية أكثر امتصاصًا لبعض المضادات الحيوية، ما يجعل مفعول المضاد الحيوي عند استخدامه في حالات المرض أكثر فعالية، يوجد فيتامين سي في الحمضيات والكيوي والفراولة والفلفل والبروكلي.

فيتامين إي

يُعتبر فيتامين إي حجرًا أساسيًّا لجهاز مناعي سليم، وأحد مضادات الأكسدة القابلة للذوبان في الدهون، والتي يمكن أن تحمي الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة، ويُعتبر خط الدفاع الأول ضد بيروكسيد الدهون، وهو مهم للوظيفة الطبيعية للخلايا المناعية.

يظهر نقص هذا الفيتامين بشكل واضح عند الأشخاص الذين تفتقر تغذيتهم له، حيث تتضرر وظائف الخلايا التائية والخلايا البائية الأساسية في المناعة، ويلعب فيتامين إي أيضًا دورًا مهمًّا بخصائصه المضادة للأكسدة ضد السرطان، ويوجد في اللوز، والأفوكادو، وزيت الزيتون، والخضروات الورقية الخضراء، والبيض والمكسّرات.

فيتامين أ 

يحتاج الجسم فيتامين أ للحفاظ على صحة الجلد والأغشية المخاطية، أيضًا صحة العين الجيدة والرؤية وعمل الرئتين ودعم نظام المناعة لدينا، بالإضافة إلى عمله كمضاد أكسدة.

يحول جسم الإنسان البيتا كاروتين إلى فيتامين أ، يمكن الحصول على فيتامين أ من الطعام الذي نتناوله والذي يحتوي على البيتا كاروتين، ميزة البيتا كاروتين الغذائية هي أن الجسم يحول البيتا كاروتين بقدر احتياجه، والمصادر الجيدة هي الجزر، والبطاطا الحلوة، واللفت، والسلق والبابايا.

البروبايوتيك

البروبايوتيك هي كائنات دقيقة حية، يطلق عليها أحيانًا اسم البكتيريا الجيدة أو البكتيريا المفيدة، موجودة في جسم الإنسان بشكل طبيعي، ويأتي قسم آخر منها عن طريق تناول الأطعمة المخمَّرة مثل الزبادي.

تساعد البروبايوتيك على عملية الهضم، كما تعمل على محاربة الجراثيم المسبِّبة للأمراض، حيث أظهرت البروبايوتيك نتائج واعدة في المساعدة على تخفيف الإسهال والتهاب القولون التقرُّحي وأمراض اللثة، وتوجد في الزبادي، والكافيار، واللبن الرائب، والمخلَّلات، والكيمتشي، والخلّ وخبز العجين المخمَّر.

بعد أن تطرّقنا إلى الأغذية الداعمة للمناعة، لا بدَّ من الحديث عن الأطعمة التي من شأنها أن تضعف جهاز المناعة، يأتي السكر الأبيض المصنَّع في مقدمتها، حيث يؤثر استهلاك السكر على قدرة الجسم على محاربة الأمراض والعدوى.

خط الصد الثاني لجهاز المناعة هو خلايا الدم البيضاء المعروفة أيضًا باسم "الخلايا القاتلة"، تتأثر بشدة باستهلاك السكر، كما يتأثر مستوى إنتاج البروتينات الالتهابية TNF-α, C-reactive protein CRP وInterleukin-6 IL-6، كما تضرُّ السكريات ببكتيريا الأمعاء محدثة اختلال في توازنها، معرِّضة المعدة والأمعاء للإصابة بالعدوى.

بالنسبة إلى الأغذية المعلَّبة، التي تحتوي على بعض الإضافات لتحسين العمر الافتراضي والملمس والمذاق للطعام المعلَّب، فإنها تؤثر سلبًا على الاستجابة المناعية، وتغيِّر بكتيريا الأمعاء، وتضرّ بطانة الأمعاء.

بعد السكّر يأتي دور الحديث عن الملح، والأغذية التي تحتوي على نِسَب عالية من الملح مثل رقائق البطاطس، الوجبات المجمَّدة والوجبات السريعة التي تؤدي إلى التهاب الأنسجة وتزيد من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية (مثل التهاب القولون التقرُّحي، داء كرون، التهاب المفاصل الروماتويدي والذئبة)، كما يثبط الملح وظيفة المناعة الطبيعية والاستجابة المضادة للالتهابات ويغيّر بكتيريا الأمعاء.

السكّر ثم الملح وثالثهما في القائمة السيئة السمعة الدهون، يحتاج الجسم إلى كل من دهون أوميغا 6 وأوميغا 3 ليعمل، نتيجة لثقافة الأكل السريع التي غزت العالم، والتي تحتوي على نِسَب مشوَّهة من الدهون، حيث تكون عالية في دهون أوميغا 6 ومنخفضة في أوميغا 3.

يرتبط هذا الخلل بزيادة مخاطر الإصابة بالأمراض والخلل المناعي، وتزايُد في خطر الإصابة بالربو والتهاب الأنف التحسُّسي، لذلك لا بدَّ من تقليل نِسَب أوميغا 6 وزيادة نِسَب أوميغا 3، عن طريق تناول السلمون، السردين، الجوز وبذور الشيا، وتقليل زيت عبّاد الشمس، زيت الذرة وزيت فول الصويا.

نأتي إلى المقالي، والأطعمة المتفق على تخفيضها للمناعة بسبب احتوائها على نسبة عالية من مجموعة من جزيئات AGEs، تتشكّل AGEs عندما تتفاعل السكريات مع البروتينات أو الدهون أثناء الطهي بدرجة حرارة عالية (حرارة القلي)، تقوم جزيئات AGEs بإضعاف الجهاز المناعي عن طريق تعزيز الالتهاب واستنفاد آليات الجسم المضادة للأكسدة، والتأثير سلبًا على بكتيريا الأمعاء.

أما بالنسبة إلى الأغذية المعلَّبة، التي تحتوي على بعض الإضافات لتحسين العمر الافتراضي والملمس والمذاق للطعام المعلَّب، فإنها تؤثر سلبًا على الاستجابة المناعية، وتغيِّر بكتيريا الأمعاء، وتضرّ بطانة الأمعاء.

النوم الصحّي

ترتبط ساعات النوم ونوعية النوم بشكل مباشر بالمناعة وصحة الطفل، فالحرمان من النوم يؤثر على الصحة على المدى القريب والبعيد، حيث وجدَ الباحثون أن قسمًا من عناصر جهاز المناعة مثل السيتوكينات يزداد إنتاجها وتنشط ليلًا، كما يساعد النوم على تنشيط الذاكرة المناعية وقدرة الجهاز المناعي على التعرُّف إلى المستضدات الخطيرة التي أصيب بها سابقًا، كما تشير دراسات أخرى إلى قدرة النوم على رفع كفاءة اللقاحات.

في حين يرتبط الحرمان من النوم على المدى القصير بزيادة نزلات البرد والإصابة بأنواع الأنفلونزا، وعلى المدى البعيد يزيد من خطر الإصابة بأمراض السكري، السمنة، أمراض القلب والأمراض العصبية.

بحسب مؤسسة النوم الوطنية والأكاديمية الأمريكية لطب النوم، يحتاج طلاب الروضة إلى ساعات نوم تتراوح بين 10 و13 ساعة، بينما يحتاج طلاب المدرسة بين 9 و12 ساعة.

بعد العودة إلى المدارس، تعاني غالبية الأمهات من صعوبة الالتزام بجدول نوم صحي لأطفالهنّ، بعد موسم العطلة الصيفية والسهر لساعات متأخرة من الليل، وتغيُّر الطقس الذي يصاحبه نوع من الخمول والحاجة للنوم أكثر، وغالبًا ما تقع الكثير من الأمهات في خطر التغير المفاجئ في ميعاد النوم، ما يربك راحة الطفل ويجعله يعاني من النعاس وقلة التركيز في المدرسة.

هناك بعض النصائح التي نقدّمها للأمّ لمساعدتها في ذلك، منها الاهتمام بالساعة الأخيرة قبل النوم، حيث يمنع فيها استخدام الشاشات الرقمية وشرب المنبهات المحتوية على الكافيين، وتهيئة جوّ غرفة النوم من ناحية الهدوء وإطفاء الإنارة، ويتم إفراز الميلاتونين بشكل طبيعي، والذي يساعد على الاستمرار بنوم صحي.

كذلك عند إيقاظ الطفل صباحًا لا بدَّ من ملاحظة إذا كان الطفل يستطيع الاستيقاظ بشكل سهل أم يجد صعوبة في ذلك، لأن صعوبة الاستيقاظ إشارة إلى أن ساعات النوم ونوعيته لم يكونا بالشكل المطلوب.

تخفيف التوتر والضغوط

يخلق موسم العودة إلى المدارس الكثير من الإرهاق النفسي للطلاب، القلق بشأن تكوين صداقات جديدة، مخاوف القبول والاندماج مع جماعات جديدة، التعامل مع المتنمرين والمتطلبات الأكاديمية الحالية للمدارس أكثر صرامة ممّا كانت عليه بالنسبة إلى آبائهم وأجدادهم.

ترهق هذه المخاوف الأطفال، ويصعب عليهم التعبير عنها للأهل، يعمل التوتر على إضعاف جهاز المناعة عن طريق إنتاج عدد أقل من خلايا الدم البيضاء المسؤولة عن محاربة الجراثيم، على المدى الطويل يلحق الإجهاد النفسي الكثير من الأذى بجهاز المناعة لدى طفلك، ما يجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة.

يظهر توتر الأطفال بأشكال متعددة، مثل المزاج السيّئ، وصعوبة في النوم، والشعور بالتعب طوال الوقت، والمماطلة أكثر من المعتاد، وتغييرات في الأكل، إما تناول الكثير من الطعام وإما القليل جدًّا، والشكوى من الصداع أو آلام في المعدة. 

للحدّ من التوتر الذي يتعرض له الطفل، نبدأ من بيئة منزل داعمة، خالية من المشاكل وأحاديث البالغين وجدالاتهم، وغمر الطفل بالأمان والحب والرعاية، وتقليل استخدامهم للأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف والأجهزة اللوحية وشاشات التلفزيون، النوم لساعات كافية، وتخصيص الوقت للتنزُّه في الطبيعة وجلسات العائلة، وإشراك الطفل بالفعاليات التي تشعره بالراحة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض المهارات التي يتبعها الأهالي لتخفيف التوتر لدى الأبناء، مثل خلق الأحاديث، وإعطائهم الفرصة للتعبير عمّا يشعرون به، وتدريبهم على التعامل مع المشاعر المسبِّبة للتوتر وإدارتها والتعافي منها.

المداومة على ممارسة الرياضة

لا يُعرَف بالضبط الآلية التي ترفع بها الرياضة مناعة الجسم لحدّ الآن، لكن هناك بعض النظريات حول ذلك، منها أن النشاط البدني يساعد في طرد البكتيريا من الرئتَين والممرّات الهوائية، ما يقلل فرصة الإصابة بالزكام أو الإنفلونزا أو أي مرض آخر، هناك نظرية أخرى مفادها أن الارتفاع القصير في درجة حرارة الجسم أثناء التمرين يمنع البكتيريا من النمو.

الالتزام بعادات صحية

رغم ما أحدثته جائحة كورونا، لكن لا بدَّ من الإشارة إلى ما تركته من أثر في زيادة الوعي الصحي على صعيد الفرد والمجتمع، وأصبح الالتزام بعادات النظافة الفردية أسلوبًا مهمًّا للوقاية، مثل غسل اليدَين، استخدام المناديل عند العطاس، عدم مشاركة الأدوات الشخصية والاستحمام بشكل مستمر.

بالإضافة إلى ما سبق، لا ننسى ضرورة شرب الماء، والحفاظ على تهوية صحية داخل المنزل، والتعرض للهواء الطلق وأشعة الشمس لضمان الحصول على ما يكفي من فيتامين د. وأخيرًا يمكننا القول إن صحة أطفالنا ونموهم بشكل سليم يتطلبان خلق حالة من التوازن، بعيدًا عن التطرُّف والمغالاة في الحماية.