سعى سعيد منذ تقلده الرئاسة إلى السيطرة على القضاء

لم يكن القضاء التونسي يومًا بمنأى عن هجمات قيس سعيد - الأستاذ المساعد في القانون الدستوري بالجامعة التونسية - منذ وصوله سدة الحكم في أكتوبر/تشرين الأول 2019، وتدعم هذا الأمر عقب انقلابه على الدستور ومؤسسات الدولة الشرعية في 25 يوليو/تموز 2019.

شكك سعيد في منظومة القضاء واتهم القضاة بالفساد والتغطية على الفاسدين والإرهابيين، وحمّلهم جزءًا كبيرًا من مسؤولية ما تعرفه تونس من أزمات اقتصادية واجتماعية، تمهيدًا للسيطرة على هذه السلطة المهمة في البلاد، حتى يعبد طريق بسط برنامجه الاستبدادي القائم على حكم الفرد الواحد.

منظومة القضاء في تونس

تتداخل العديد من الأسلاك في المنظومة القضائية بتونس، على غرار سلك القضاة والكتبة إضافة إلى سلك مساعدي العدالة المتكون من عدول التنفيذ والإشهاد والمحامين، ما يجعل السيطرة على كامل المنظومة صعبًا بعض الشيء.

تمتلك تونس 5 أصناف من القضاء وهي: القضاء العدلي والإداري والمالي إضافة للقضاء الدستوري وكذلك القضاء العسكري وذلك عبر المحاكم العسكرية التي تعتبر محاكم متخصصة في القضايا العسكرية، لكن كثيرًا ما يُحاكم فيها مدنيون.

يختص القضاء العدلي بنزاعات المواطن سواء الدعاوى المدنية أم الجزائية، أما القضاء الإداري فيختص بالنزاعات التي تكون فيها الإدارة طرفًا، في حين يهتم القضاء العسكري بالقضايا العسكرية، أما القضاء المالي فيختص بالنزاعات ذات الصلة بالمال العام.

أهمية دور القضاء في السيطرة على الحكم، فرضت على الرئيس قيس سعيد السعي وراء السيطرة عليه وتطويعه

تحتوي تونس على أكثر من 140 محكمة للقضاء للعدلي موزعة على مختلف مناطق البلاد، فيها محاكم درجة أولى أي المحاكم الابتدائية والعقارية والناحية، وأخرى درجة ثانية ونعني بذلك محاكم الاستئناف، بالإضافة لمحكمة التعقيب وهي آخر درجة من المحاكم، وتسمى في دول المشرق بمحكمة النقض.

أما بالنسبة إلى القضاء الإداري، فتوجد محكمة إدارية واحدة بتونس مقرها تونس العاصمة ولها فروع في باقي ولايات الجمهورية، ما جعل عملها يواجه تحديات عديدة، ذلك أنها تتسم ببطء التقاضي.

ويعد القضاء المالي ثالث أصناف القضاء، ويتكون من محكمة المحاسبات بمختلف هيئاتها، وتختص المحكمة بمراقبة حسن التصرف في المال العام، وفقًا لمبادئ الشرعية والنجاعة والشفافية، وتقضي في حسابات المحاسبين العموميين، وتقيم طرق التصرف وتزجر الأخطاء المتعلقة به، وتساعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية على رقابة تنفيذ قوانين المالية وغلق الميزانية".

أما رابع أصناف القضاء فهو متعلق بالقضاء الدستوري، الذي تمثله المحكمة الدستورية التي عجزت تونس إلى الآن عن إرسائها بسبب التجاذبات بين مختلف الأطراف السياسية ورغبة كل طرف في الاستئثار بتركيبتها، نظرًا لأهميتها، فهي تنظر في دستورية القوانين ولها العديد من الصلاحيات الكبرى.

يتعلق خامس الأصناف بالقضاء العسكري ويتبع وزارة العدل ومقرها تونس العاصمة، ويختص بالنظر في الجرائم العسكرية وتم توسيع اختصاص المحكمة إلى النظر في جرائم الحق العام المرتكبة ضد العسكريين خلال مباشرتهم للخدمة أو بمناسبتها.

يشرف المجلس الأعلى للقضاء على شؤون القضاء العدلي والإداري والمالي، وقانونيًا يتمتع بالاستقلالية الوظيفية والإدارية والمالية، لكن الواقع أمر آخر، ويتولى المجلس اقتراح الإصلاحات الضرورية لضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاليته، وإبداء الرأي بخصوص التشريعات المتعلقة بتنظيم العدالة وإدارة القضاء واختصاصات المحاكم والإجراءات المتبعة لديها والأنظمة الخاصة بالقضاة. 

محاولات سعيد المستميتة للسيطرة على القضاء

أهمية دور القضاء في السيطرة على الحكم، فرضت على الرئيس قيس سعيد السعي وراء السيطرة عليه وتطويعه، كما كان عليه الوضع زمن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي عمل على إخضاع القضاء لسلطته بهدف الانفراد بالحكم وإضعاف خصومه الذين تعددت توجهاتهم، وكذلك بالنسبة للرئيس الراحل زين العابدين بن علي الذي كرس القضاء لضرب خصومه السياسيين خاصة الإسلاميين.

بداية محاولة السيطرة الفعلية كانت يوم 25 يوليو/تموز 2021، فمع تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وحل الحكومة وبعض المؤسسات الدستورية، أعلن قيس سعيد وضع يده على النيابة العمومية وفرض رئاسته عليها.

عارض القضاة هذا القرار، لكن سعيد واصل نهجه، فوضعهم جميعًا تحت طائلة الاستشارة الحدودية "S17" قبل السماح لهم بمغادرة البلاد، فضلًا عن منع عدد منهم من السفر أو تعطيل سفرهم دون أذون قضائية ودون الرجوع إلى المجلس الأعلى للقضاء، كما وضع البعض منهم تحت الإقامة الجبرية بقرار إداري.

في الأثناء، أعطى القائمون على نظام سعيد الذباب الإلكتروني مهمة تشويه القضاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتظاهر ضد القضاة وشن حملة كبيرة ضدهم في الشارع بهدف إرباكهم والتأثير على عملهم والاستجابة لضغوطات السلطة.

بعد ذلك، قرر سعيد إلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين (قضائية مستقلة تأسست سنة 2014)، بالتزامن مع إعلان الرئاسة تولي الرئيس "إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي".

في مواصلة لهذا التمشي، ألغى سعيد كل الامتيازات المالية لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء، ثم قرر حل المجلس وغلق أبوابه بأقفال حديدية ووضع قوات الأمن أمامه لمنع الموظفين هناك من دخوله، بعد أن شن الرئيس حربًا ضروسًا ضده واتهمه بخدمة أطراف معينة بعيدًا عن الصالح العام.

لاحق نظام سعيد بالاستعانة بالقضاء حركة النهضة وقياداتها، بهدف ضرب الحزب الأول والأكثر تنظيمًا في تونس

كما لجأ الرئيس سعيد إلى استعمال بعض القضاة، في صيغة الإلحاق بمؤسسة الرئاسة، من أجل تجميع ملفات إدانة أو افتعالها ضد خصومه السياسيين، وذلك لاستعمالها ضد منافسيه لتقوية حظوظه والظهور في ثوب المنتصر للعدالة.

في آخر قراراته المتعلقة بالقضاء، قرر سعيد تشكيل مجلس مؤقت للقضاء، منح الرئيس سلطة واسعة في هذا القطاع، ويحق للرئيس وفق المرسوم الجديد "طلب إعفاء كل قاض يخل بواجباته المهنية"، ويحظر المرسوم للمجلس المؤقت على القضاة "الإضراب وكل عمل جماعي منظم من شأنه إدخال اضطراب أو تعطيل في سير العمل العادي بالمحاكم"، ويحق للرئيس الاعتراض على ترقية القضاة أو تسميتهم، أي أننا أصبحنا أمام مجلسٍ على المقاس.

يُذكر أن قيس سعيد اعتمد على زوجته إشراف شبيل وبعض المؤمنين بفكرة الهدم للسيطرة على القضاء، فأسند لها مهمة صناعة أذرع داخل القضاء باعتبار أنها قاضية، وتستعين شبيل في هذه المهمة بالقاضية ليلى جفال التي تقلدت منصب وزيرة أملاك الدولة في مرحلة أولى ثم وزيرة للعدل في حكومة نجلاء بودن، فاستغلتا بعض الملفات التي بحوزتهن وتورط بعض القضاة الفاسدين بهدف ابتزازهم.

يد سعيد لم تمتد للقضاء المدني فقط، وإنما امتدت للقضاء العسكري أيضًا، وقد رأينا كمّ القضايا الكبير الذي طُرح أمام القضاء العسكري مباشرة إثر إعلان سعيد انقلابه على الدستور، رغم أن المتهمين مدنيون ولا يجوز قانونًا محاكمتهم عسكريًا.

تعبيد الطريق أمام سعيد لفرض برنامجه

بعد هذه القرارات والإجراءات المتواترة، أحكم قيس سعيد سيطرته على جزء كبير من المنظومة القضائية في تونس، وذهب إلى تطويعه واستغلاله خدمة له، فبدأ بفتح العديد من القضايا المتعلقة بخصومه وتلفيق التهم لهم.

لفق جماعة سعيد قضايا عديدة للخصوم السياسيين، بما في ذلك الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي، ففي سابقة تاريخية لم تعهدها تونس من قبل، حتى في أبشع سنوات القمع، قضت محكمة تونسية غيابيًّا بحبس المرزوقي 4 سنوات، مع النفاذ العاجل، بتهم تتعلق بـ"المس بأمن الدولة في الخارج وإلحاق "ضرر دبلوماسي بها".

كما تمت ملاحقة العديد من النواب قضائيًا، منهم النائب ياسين العياري وماهر زيد وسيف الدين مخلوف ورضا الجوادي وراشد الخياري والكثير من النواب الآخرين، وتم سجن العديد منهم رغم عدم وجود ملفات حقيقية تدينهم.

لاحق نظام سعيد - بالاستعانة بالقضاء - حركة النهضة وقياداتها، بهدف ضرب الحزب الأول والأكثر تنظيمًا في تونس، وتشويهه عند التونسيين، وقد رصدنا ذلك في إعادة بعض الملفات التي حسمها القضاء وأصدر أحكامه فيها كملف التسفير.

الهدف من وراء هذه الملفات والمتابعات القضائية، تعبيد طريق الديكتاتورية أمام قيس سعيد، وفسح المجال أمامه للاستفراد بالحكم وتأسيس "الجماهيرية" التي ينظر لها منذ فترة، وإقصاء كل المنافسين بطرق شرعية أو غير شرعية، ذلك أن الرئيس لا يريد أن يؤرقه أي طرف ولا يريد أن يقف أمامه شيء في طريق بسط حكمه الفردي.