ليس من المؤكد إن كان الجنرال عبد الفتاح البرهان يعلم أن بلاده في عشية تنفيذه لانقلابه في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 كانت تستضيف عشرات دور النشر العربية، عبر معرض الخرطوم الدولي للكتاب، نقول ليس من المؤكد إن كان يعلم أم لا، لكن المؤكد أنه إن كان يعلم فلم يكن ذلك ليثنيه عن تنفيذ انقلابه في توقيته ذاك، التوقيت الذي وضع حدًا لتلك الدورة التي "فشلت" في الاستمرار بعد يومين فقط من انطلاقها، وألقت بآثارها على المعرض في دورته هذا العام، إذ أعلنت الجهات المعنية تأجيلها قبل أكثر من شهر من انطلاقها، لأسباب تبدو واهية. 

هذا العام، أعلنت وزارة الثقافة والإعلام تأجيل الدورة السابعة عشر للمعرض إلى أجل غير محدد، التي كان من المزمع إقامتها في 19 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وقالت الوزارة في بيان أصدرته الأسبوع الماضي إن التأجيل أتى بسبب السيول والفيضانات التي تعيشها البلاد وما ترتب عليها من أضرار، كما أشارت الوزارة إلى "تقلّب" الفاصل المداري، في محاولة للقول إن أخطار السيول والفيضانات ما زالت قائمة، رغم أن الجميع يعلم أن الفترة الأقسى من الخريف في السودان مرت.

ويشار إلى أن الدورة الحاليّة التي أُعلن تأجيلها لأجل غير محدد تعتبر الدورة الثالثة التي تفشل الخرطوم في تنظيمها على التوالي، فدورة العام 2020 تزامنت مع جائحة كورونا وحالة الإغلاق الشامل، وفشلت دورة العام الماضي في الاستمرار بسبب الانقلاب، وتأجلت دورة هذا العام إلى ميقات غير محدد.

الانقلاب.. أفشل الدورة السابقة وآثاره ما زالت مستمرة

بعد يومين فقط من انطلاق الدورة التي نظمتها الخرطوم في تنظيم استثنائي عام 2021، عبر تجهيزات استثنائية تضمنت إطلاق موقع إلكتروني وخريطة وأرشيف رقمي للمعرض، نفذ البرهان انقلابه الذي فرض فيه حالة الطوارئ في البلاد، ليواجهه الشارع بانتفاضة قوية منذ الدقائق الأولى، ما أسفر عن تعطل الحياة اليومية بشكل كامل في العاصمة الخرطوم، نتيجة إغلاق المحتجين للشوارع وعمليات الكر والفر بين المتظاهرين والسلطات.

وتزامن تنفيذ الانقلاب مع قطع الإنترنت، بل حتى الاتصالات بالكامل، ما أفرز بشكل مباشر تعطلًا للحياة اليومية في كل مناحيها.

وفي الأثناء التي كان فيها عدد من الطاقم الحكومي قيد الاعتقال، بما فيهم رئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك ووزير الثقافة والإعلام وقتها حمزة بلول، أعلن مدير المعرض حاتم الياس في اليوم الثاني من الانقلاب تعليق جميع فعاليات المعرض، مشيرًا إلى أن الانقلابات خصم طبيعي للمعرفة والثقافة، مضيفًا أنه لا يمكن إقامة المعرض في ذلك الظرف الاستثنائي.

وبعد نحو ثلاثة أيام من الانقلاب، وعقب عودة الاتصالات والإنترنت في السودان، أبلغت الجهات المعنية الناشرين الأجانب والوطنيين، للقدوم لمقار المعرض لاستلام كتبهم، ما يعني الإنهاء الفعلي للمعرض.

وأورد موقع "رصيف 22" في تقرير بخصوص دورة هذا العام، قبل إعلان تأجيلها رسميًا، أن عددًا من الناشرين العرب أعربوا عن عدم مشاركتهم في هذه الدورة مسبقًا، متأثرين بما جرى في الدورة السابقة من خسائر تكبدوها.

ويشير محمد عمر، صاحب مكتبة الوراقين بالخرطوم، لموقع "رصيف 22" إلى أن السلطات لم تقدم تعويضًا للمتضررين في تلك الدورة، كما لم تساعد الناشرين حتى في إخراج الكتب من صالات المعرض، ما سبب ضررًا لسمعة السودان بحسب محمد عمر.

وقدّر الناشر السوداني أسامة الريح خسارته في الدورة السابقة بنحو 10 ملايين جنيه سوداني، أي ما يقارب 18 ألف دولار، مؤكدًا أن الدولة لم تفِ بالتعويضات التي وعدت بها بحسب ما قال لـ"رصيف 22"، فيما لم يكشف العديد من الناشرين الدوليين والإقليميين خسائرهم الحقيقية، لكن المؤكد أنهم تكبدوا خسائر هائلة كون المعرض لم يستمر إلا يومين فقط.

وكان عدد من الناشرين المحليين في السودان، قد أبدوا رغبتهم في مقاطعة هذه النسخة مسبقًا، مبررين ذلك بأن إقامة الدورة في ظل الأوضاع الحاليّة والمشاركة فيها يعتبر بمثابة تطبيع مع الانقلاب، إضافة إلى أن هناك من ذهب إلى ترجيح عدم إمكانية تنظيم الدورة بسبب الأوضاع الأمنية في البلاد حيث ما زالت الاحتجاجات المناهضة للانقلاب تندلع في أكثر من مكان وحي سكني في العاصمة الخرطوم وبالقرب من مقار المعرض.

تملل داخل الوزارة

كشفت صحيفة "مداميك" ما قالت إنها الأسباب الحقيقية لتأجيل الدورة، فأوردت على لسان مصدر مطلع من داخل وزارة الثقافة أن تململًا من الموظفين ومسؤولين في الوزارة قاد إلى تأجيل الدورة.

وقالت الصحيفة على لسان المصدر أن عددًا من الموظفين والمسؤولين وطواقم العمل في المعرض، كان قد طلب إجازات مسبقة تزامنت مع توقيت المعرض، موضحةً أن التململ يعود أيضًا إلى أن الطاقم العامل بالوزارة يرفض التعامل مع الوزير المُكلف من حكومة الانقلاب.

ووصف المصدر في حديثه لـ"مداميك" الأسباب التي ذكرها الوزير لتأجيل المعرض بأنها "مجرد تغطية لفشله في إدارة الوزارة".

يبدو أن عددًا من الأسباب تضافرت لتجعل من المستحيل تنظيم هذه الدورة من المعرض، على رأسها توقيت الانقلاب العام الماضي وما ترتب عليه من أضرار وخسائر للناشرين، إضافة إلى أن أجواء الانقلاب التي ما زالت مسيطرة على البلاد تهدد تنظيم هذه الدورة أيضًا، فمنطقة "بري" المتاخمة لمكان تنظيم المعرض، تعتبر إحدى بؤر الاحتجاجات في العاصمة الخرطوم التي تنظم بشكل مستمر رفضًا للانقلاب.

ومن الواضح أن الخرطوم ستحتاج إلى جهود مضاعفة قادم الأعوام، لاستعادة سمعة المعرض الذي تأثر لثلاث دورات متتالية، خاصة مع المنافسة القوية التي تبديها عدد من دول الإقليم والمنطقة في تنظيم معارض الكتاب الدولية.

الانقلاب والحركة الثقافية.. ضحايا عديدون وتناقض حتمي

مثّل انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول في السودان، لحظة ردة في مسار تطور الحركة الثقافية في الخرطوم والسودان بصفة عامة، فقد أبدت الحكومة المنقلب عليها اهتمامًا بالغًا بالحركة الثقافية، تمثل ذلك في خطط واسعة أعدتها الهيئات الحكومية المعنية بالأمر، بدأت فيها مسبقًا لكن لم يكتب لها الاستمرار.

وليس من الخفي، أن المعارضة السياسية في السودان، نشأت في حواضن الحركة الثقافية، حيث مثّل عدد من رموز الثقافة في السودان رموزًا أيضًا للمعارضة السياسية، فمثلًا كانت إحدى الشخصيات المحتفى بها في دورة معرض الخرطوم الموؤدة هي شخصية الشاعر الراحل محمد طه القدّال، الذي عُرف بوصفه شاعرًا نضاليًا ومعارضًا شرسًا للأنظمة العسكرية حتى أوان رحيله في يوليو/تموز 2021.

صورة
محمد طه القدّال

لم يكن معرض الخرطوم الدولي في دورته السادسة عشر الضحية الوحيدة والآنية للانقلاب، فقد تزامن الانقلاب أيضًا مع استضافة الخرطوم لمهرجان ساما الدولي للموسيقى، الذي كان من المقرر تنظيمه في الفترة من 23- 26 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

ويعتبر المهرجان تظاهرة ثقافية دولية ضخمة كان من المقرر أن تضم عددًا من المشاركات الدولية والإقليمية التي بدأت فعليًا لكن لم يكتب لها الاستكمال بسبب الانقلاب.

تم افتتاح المهرجان بحضور سفير بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان ومديري المراكز الثقافية الدولية بالخرطوم، وضم المهرجان عددًا من المسابقات الفنية والثقافية، بالإضافة إلى ندوات ومناقشات يشارك فيها مثقفون وموسيقيون من السنغال وإيطاليا، بالإضافة إلى عروض سينمائية ومسرحية.

لم يسِر المهرجان كما كان مخططًا له، فقد تزامن اليومين الأخيرين من المهرجان، مع الانقلاب وأجوائه التي خلقت تعطيلًا للحركة والحياة في الخرطوم، كنتيجة مباشرة للاحتجاجات الرافضة للانقلاب، مع إغلاق الطرق والجسور وقطع الإنترنت والاتصالات في السودان.

وبحسب خطة لم يكتب لها الاستكمال أيضًا، كشفها يوسف حمد، مدير وزارة الثقافة ولاية الخرطوم في الحكومة المنقلب عليها، كانت وزارة الثقافة بولاية الخرطوم قد شرعت في إنشاء عدد من المكتبات العامة في عدد من الأحياء الطرفية في ولاية الخرطوم، بالإضافة إلى خطة تستهدف تنمية الساحات العامة، عبر تأهليها وتجميل المباني المطلة على الساحات العامة، بطلائها بألوان محددة عبر الاستعانة بعلماء نفس واجتماع، ما بدأت فيه الوزارة فعليًا بتجميل كوبري الحرية في العاصمة الخرطوم.

كما عملت الوزارة أيضًا على تأهيل المنطقة المطلة على "بيت الخليفة" - بيت الخليفة عبد الله التعايشي خليفة محمد أحمد المهدي - ومسجده في مدينة أم درمان عبر إنشاء مسرح في فضاء المنطقة المجاورة له التي تضم أيضًا متحفًا يحوي عددًا من المقتنيات والآثار الخاصة بتلك الحقبة، إذ كان من المؤمل أن يترتب على تلك الخطة زيادة إقبال الزوار على زيارة المتحف التاريخي.

صورة
بيت الخليفة

وبصورة عامة، يمكن القول إن المشهد العام في الخرطوم لم يعد صالحًا أو محفزًا للحراك الثقافي، بطبيعة سلطة الأمر الواقع وتناقضاتها البنيوية مع الحراك الثقافي، إضافة إلى أن الأجواء الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها السودان، ألقت بظلالها السالبة على مجمل نواحي الحياة في السودان.

فأحد أشهر الملتقيات الثقافية والأدبية الشهيرة في الخرطوم "ساحة أتنية" التي كنت تعتبر منبرًا ثقافيًا عفويًا، أضحت تخلو من روادها الذين عرفوا باهتماماتهم الثقافية وأنشطتهم الأدبية الارتجالية، ويعود ذلك لطبيعة الهجمات الأمنية التي شنتها الأجهزة الأمنية على المنطقة وروادها أكثر من مرة، خصوصًا أن الساحة الشهيرة لطالما اشتهرت بأنها ملتقى للمثقفين والأدباء والشباب المعارضين منذ نظام البشير، ما خلق لها استهدافًا خاصًا منذ أيام البشير.

أصبحت الخرطوم منذ أشهر عديدة عبارة عن مدينة شبحية، يأوي معظم قاطنيها إلى منازلهم منذ أوقات مبكرة من المساء، فالهشاشة الأمنية التي تعيشها البلاد عبر انتشار عصابات 9 طويلة، في ظل فجوة أمنية كبيرة واتهامات متواصلة للأجهزة الأمنية بالتقاعس عن دورها، بل أحيانًا اتهامها مباشرة بالتواطؤ والمشاركة، دفع الغالبية العظمى من سكّان الخرطوم لتفضيل العودة إلى منازلهم مبكرًا، إذ أصبحت مناطق حيوية شهيرة في الخرطوم تخلو مبكرًا في ظل تلك الأوضاع التي لها وطأتها النفسية والاجتماعية القاسية على إنسان الخرطوم.