لعل من أصعب الأعمال التي قد يواجهها الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، العمل على الحركة الإسلامية في الأردن وعلاقتها بالنظام الملكي الحاكم، حيث يعد النموذج الأردني من النماذج الفريدة في تلك العلاقة، وذلك لأسباب ثلاثة: أولهما في نظام الملكية الأردنية ذاتها، حيث اعتمدت الدولة الملكية الأردنية على "العلمانية المحافظة" - علمانية السياسات والمؤسسات ومراعاة الدين في القوانين والتشريعات - من حيث إنها لم تكن (الملكية في الأردن) وليدة أيدولوجيا دينية واحدة مثل السعودية مثلاً، ولا أنها تركت سياستها للعلمانية المتطرفة، كما فى دول أخرى، فمنذ نشأة إمارة شرقي الأردن في بداية عشرينات القرن الماضي والدولة تحقق توازنًا ثابتًا مستقرًا لم يتغير، في تدبير شؤون العلاقة بين الدولة والدين وإدارتها، وفق صيغة تقوم على تجنب الارتباط الوثيق أو الصدام المباشر في آن معًا، وبقدر محسوب تحافظ السياسة بمعادلة دقيقة ترسم حدود الاتصال في مجالات معينة والانفصال في مجالات أخرى.

وثانيهما أن العلاقة بين هذه الحركات الإسلامية والنظام الملكي اتسمت بمراحل من التعايش والاحتواء والتوظيف ثم الإقصاء والتحجيم كما مع جماعة الإخوان المسلمين مع ترك مساحات من التبشير والتأثير لهذه الحركات في بعض الأحيان، وأمواج من المد والجزر لم تصل حد الصدام مع تلك الحركات - كما حدث معها في مصر وسوريا وليبيا والعراق - غير أن المواجهة الأمنية هي حل الدولة مع السلفية الراديكالية.

وثالثهما خريطة تضاريس تلك الحركات وتنوعها وتباينها في العامل الأيديولوجي وكفاءتها الحركية والسياسية، حيث امتازت العلاقة بين أغلب الجماعات والمجموعات الإسلامية بالصراع الاجتماعي والفكري والتنافس الشديد على كسب دعم القاعدة الاجتماعية "المتدينة"، من خلال تأكيد كل مجموعة على أحقيتها في تمثيل "الفهم الصحيح للإسلام" مقابل المجموعات الأخرى، ومساحات الخلاف امتدت من القضايا الدينية والفقهية إلى القضايا السياسية والفكرية؛ أدت في كثير من الأوقات إلى حالة من العداء والتكفير المتبادل، على الرغم مما يبدو بين أغلب هذه الجماعات من أهداف مشتركة على المدى البعيد، مثل أسلمة الحياة الاجتماعية أو إقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بالشريعة.

والحركة الإسلامية في الأردن هي الحركة الإسلامية الأسبق بعد مصر، ففي الأردن كان إنشاء الفرع الأول - عربيًا - للإخوان المسلمين في أربعينيات القرن المنصرم، ولم يقتصر الأمر على الإخوان، بل إن الأردن هو بلد المنشأ لتيار إسلامي آخر، مثّل الخروج الأول على الإخوان المسلمين، هو حزب التحرير الإسلامي، الذي أسسه "تقي الدين النبهاني" سنة 1953، كما كانت بها (الأردن) الولادة الثانية للتيار السلفي أوائل تسعينيات القرن الماضي، كما نشطت في الأردن منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي السلفية الجهادية، ومن أبرز منظريها أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، أو القادة العمليون شأن أبي مصعب الزرقاوي، الذي ذاع صيته خلال تزعمه لفرع تنظيم القاعدة في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وتنقسم هذه الحركات والأحزاب إلى فئتين: الأولى لا تؤمن بالنهج الديمقراطي على الرغم من اختلاف بنيته النظرية والعملية وتضم، حزب التحرير، جماعة التبليغ والدعوة، السلفية الجهادية، والسلفية التقليدية، أما الفئة الثانية فإنها تؤمن بالنهج الديمقراطي وتضم حزب جبهة العمل الإسلامي  - الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين -، حزب الوسط، وحزب دعاء.

وبعيدًا عن جماعة الدعوة والتبليغ والزوايا الصوفية التقليدية وحركة الطباعيات الاجتماعية - "حركة نسوية اجتماعية" مثل القبيسيات فى سوريا والسحريات فى لبنان وبنات البيادر فى الكويت - التي لا تشتبك مع السياسات الرسمية مباشرة، تبقى "جماعة الإخوان المسلمين" والسلفية بشقيها "التقليدية والراديكالية" و"حزب التحرير الإسلامى" هم الأبرز فى الساحة الإسلامية الأردنية.

الجماعة السلفية "التقليدية" لا تتدخل بالسياسة بصورة مباشرة، وقد رفع مؤسسها في الأردن، "ناصر الدين الألباني"، شعار "من السياسة ترك السياسة".

وعلى النقيض من الجماعات الإسلامية التي منحت العمل السياسي أهمية خاصة في تصورها الفكري وممارستها العامة، فإن منهج"السلفية التقليدية" في التغيير يقوم على مرحلتي التصفية (من خلال تنقيح الكتب والمفاهيم والأدبيات الدينية التى تعتبره مخالفًا للإسلام الصحيح) والتربية (تنشئة الأجيال الجديدة على العقيدة الصحيحة).

والاستنكاف عن المشاركة السياسية المباشرة لم يمنع قيادات هذه الجماعة من بناء علاقة متينة وجيدة مع المؤسسات الرسمية، بخاصة الأمنية، لمناكفة جماعة الإخوان والسلفية الراديكالية، بالرغم من ذلك، فإن السلفيين التقليديين لا يتبنون خطابًا ديموقراطيًا، ولا يقدمون رؤية سياسية متقدمة تجاه قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، وحقوق المرأة والتسامح الديني، إذ تمتاز رؤيتهم السياسية بغلبة الأفكار والتصورات التراثية، من خلال مصادر قديمة أو جديدة تكرر القديمة، والمحور الأساسي لفكرهم السياسي يقوم على وجوب طاعة "ولي الأمر" أي الحكام.

أما حزب التحرير الإسلامي، فالمفهوم المفتاحي لديه هو "الخلافة الراشدة"، التي تشكل هدفه الإستراتيجي الرئيسي، فلا يعترف الحزب بالأنظمة الحالية، ويعتبرها غير إسلامية، ويرفض الديموقراطية والقبول بأحزاب غير إسلامية في "دولته الموعودة"، ويقوم منهج التغيير لحزب التحرير على نشر "وعي عام" برؤيته السياسية وأهمية عودة الخلافة الإسلامية، ثم بناء "رأي عام" يطالب بالخلافة، والسعي إلى كسب طبقة من القيادات العسكرية الوسطى، بافتراض أن الطبقة العليا من الجيش تتشابك مصالحها مع النخبة الحاكمة وهو ما يسمى لدى الحزب بعملية "طلب النصرة"، ثم تقوم هذه القيادات بالانقلاب العسكري، ثم يسلم الحكم لزعيم حزب التحرير الإسلامي، الذي يعلن قيام "دولة الخلافة"، ورغم ذلك لا يرى الحزب أن الأردن مكانًا ملائمًا لقيام دولته فيكتفى بالنشاط الفكري والإعلامي!

بدأ النشاط الإسلامى لجماعة الإخوان المسلمين مبكرًا فى الأردن عندما وقعت وريقات من مجلة الإخوان المسلمين عام 1943 بيد الحاج "عبد اللطيف أبو قورة" فأعجب بهم وبرسالتهم الجهادية واهتمامهم بالقضية الفلسطينية؛ فتواصل مع الجريدة ومع الأستاذ "البنا" - رحمه الله - وبايعه وأصبح عضوًا في الهيئة التأسيسية للإخوان في مصر، وتأسست في الأردن "جماعة الإخوان المسلمين" عام 1945.

.........................................................

المصادر

(1) الحل الإسلامى في الأردن: الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن (د/ محمد أبو رمانة وحسن أبو هنية).

(2) الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين (إخوان الأردن/ حزب جبهة العمل الإسلامى).

(3) الحركات الإسلامية في الأردن (مجموعة باحثين)عرض/ وليد الزبيدي -الجزيرة نت.

(4) السقوط والاختفاء في عَمّان: صعود جماعة "الإخوان المسلمين" الأردنية وأفول نجمها .. ديفيد شينكر(معهد واشنطن).

(5) الإخوان المسلمون والنظام الأردني: نحو تجربة راشدة (عبد الجبار سعيد - الجزيرةنت).

(6) النظام الأردني والإخوان المسلمون: هل هو طلاق ناعم؟ (رانية الجعبري - السفير).