في وقت كانت بوركينا فاسو تحرز تقدمًا نحو العودة إلى الحكم الدستوري، تشهد الدولة الواقعة غرب أفريقيا ثاني انقلاب في 8 أشهر، حيث قام عسكريون بالاستيلاء على السلطة في 30 سبتمبر/أيلول 2022، وبالموازاة مع ذلك ظهرت فرنسا في صلب الأزمة، فبعد ساعات قليلة عقب الإطاحة بالرئيس والحكومة، قامت احتجاجات عنيفة ضد فرنسا وصلت إلى درجة إضرام النار في سفارتها، والاعتداء على مركزها الثقافي بالحجارة.

هذا الانقلاب الذي قاده النقيب إبراهيم تراوري أطلق رصاصة الرحمة ضد فرنسا، فهي على وشك فقدان نفوذها في مستعمرتها السابقة، لصالح روسيا التي تحاول ركوب موجة العداء لباريس، حيث شوهدت أعلام روسية وهي ترفرف في سماء العاصمة واغادوغو، حينما خرج مئات الداعمين لتحرك الجيش والرافضين لما سمّوه بـ"الاحتلال الفرنسي" لبلادهم.

نما نفوذ موسكو بشكل مطّرد في العديد من البلدان الأفريقية الناطقة بالفرنسية في السنوات الأخيرة، وليس من غير المألوف رؤية الأعلام الروسية في مثل هذه المظاهرات.

إرهاصات النهاية 

تمتلك فرنسا في واغادوغو قاعدة عسكرية، وتتدخل قواتها الجوية بانتظام من النيجر المجاورة لدعم عمليات جيش بوركينا فاسو ضد الإرهابيين، وقد قيل إن الرئيس المخلوع بول هنري سانداوغو داميبا، لجأ إلى هذه القاعدة الفرنسية ويخطط لهجوم مضاد، لكن الخارجية الفرنسية كذّبت ذلك ونفت أن يكون لها أي علاقة بما يحدث في البلاد.

بالإضافة إلى المطالبة برحيل داميبا، يريد الانقلابيون إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، حيث تتواجد فرنسا في بوركينا فاسو مع قوة صابر، وهي كتيبة من القوات الخاصة التي تدرّب قوات بوركينا فاسو المتمركزة في كامبوينسين، على بُعد حوالي 30 كيلومترًا من العاصمة واغادوغو.

بدأت إرهاصات نهاية التواجد الفرنسي في بوركينا فاسو منذ الانقلاب في 24 يناير/ كانون الثاني 2022، ذلك أن عدم الاستقرار شكّل تهديدًا خطيرًا لمستقبل عملية برخان في منطقة الساحل، ومن الناحية العملية تمَّ تقليص الوجود العسكري الفرنسي في بوركينا فاسو إلى القوات الخاصة "فرقة صابر"، وبحكم طبيعتها السرّية، تُستخدم هذه القوة المكوَّنة من حوالي 350 جنديًّا لمطاردة وضرب الجهاديين.

كما يمكنها أن تشارك في السياسة الداخلية، كما فعلت في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، عندما تسللت إلى الرئيس المخلوع بليز كومباوري لتهريبه إلى برّ الأمان نحو ساحل العاج، لكن في انقلاب يناير/ كانون الثاني لم يتم استخدام هذه الفرقة لحماية الرئيس المخلوع كريستيان كابوري، ما يعني أن باريس لم يعد لديها مصلحة أو وسيلة في أن تلعب دور الشرطي في أفريقيا.

عرّابة الإرهاب

على العموم، تصاعدت في منطقة الساحل المشاعر المعادية ضد القوة الاستعمارية، من خلال الرسائل المناهضة التي يبثّها المجلس العسكري الحاكم في مالي، والتظاهرات العنيفة التي حاولت منع مرور قوافل لقوة برخان في بوركينا فاسو والنيجر، في إشارة واضحة إلى رفض التعاون العسكري الفرنسي لمحاربة الجهاديين الذين يعيثون فسادًا في منطقة الساحل، وفرنسا ليست متّهمة بالفشل في محاربتهم فحسب، بل بالتواطؤ معهم.

رغم أنها أجهضت إقامة إمارات للقاعدة و"داعش" في شمال مالي، إلا أن التدخل العسكري الفرنسي لم يؤدِّ سوى إلى انتشار الجماعات الإرهابية على نطاق واسع في وسط أفريقيا وغربها، لتجد فرنسا ذريعة للبقاء والتوسُّع في منطقة الساحل وغرب أفريقيا بعد طردها من مالي، بينما غايتها لا تكمن فقط في منع تمدُّد الجماعات المسلحة بالمنطقة، بل محاصرة النفوذ الروسي كذلك.

مع هذا الانقلاب الجديد، كيف يمكن لباريس أن تفكر بإبقاء قواتها في الساحل وغرب أفريقيا؟ وكم عدد جنودها الذين سيموتون جرّاء تدهور الأوضاع الأمنية في كل مكان؟ خاصة أن الانقلاب السابق أدّى إلى إضعاف قوة تاكوبا الأوروبية، التي تشكّلت من جنود من 14 دولة أوروبية، بلغ عددهم ما بين 800 و900 من القوات الخاصة، نصفهم فرنسيون.

لم يعد هذا التواجد العسكري الفرنسي موضع ترحيب من طرف شعوب المنطقة، خاصة بعدما اندلعت احتجاجات عديدة في تشاد والنيجر تطالب برحيل القوات الفرنسية نهائيًّا، بعدما كانت باريس تخطط للتوسع نحو خليج غينيا وبحيرة تشاد.

صيف هذا العام، اندلعت احتجاجات قوية مناهضة للوجود الفرنسي في بوركينا فاسو، وكان المتظاهرون يرفعون لافتات كُتب عليها "فرنسا، عرّابة الإرهاب، اخرجي"، "فرنسا إمبريالية، طاغية، طفيلية، اخرجي"، "كلنا من أجل تحرير بوركينا فاسو".

دائمًا كان هناك شعور معادٍ لفرنسا بسبب تعاليها وغطرسة سياستها التي لم تشهد تغييرًا منذ نهاية الاستعمار في أفريقيا، كما أن القوة الاستعمارية السابقة متّهمة بصنع الحكومات في أفريقيا وإفشالها، وإبقاء البلدان تحت وصايتها الاقتصادية من خلال الفرنك الأفريقي، الذي تتداوله بوركينا فاسو و13 دولة أخرى.

فكّ الارتباط

تظل اقتصادات دول غرب ووسط أفريقيا في تبعية دائمة بحكم استمرارها في تداول الفرنك الأفريقي، الذي كان مربوطًا بالفرنك الفرنسي قبل أن يصبح مربوطًا باليورو، فيما ينصح الخبراء الاقتصاديون بفكّ هذا الارتباط، واستبدال العملة الأفريقية بسلّة عملات أخرى بما في ذلك الدولار والين الياباني، من أجل تحقيق أقصى درجات المرونة، ما سينعكس إيجابًا على المبادلات التجارية الخارجية لصالح دول المنطقة.

إلى اليوم لا تزال بوركينا فاسو تعاني من آثار التبعية الاقتصادية والسياسية لفرنسا، التي ينظَر إليها على أنها وجه آخر من أوجه الاستعمار الجديد لهذا البلد، الذي لم ينسَ شعبه ما ارتكبته فرنسا من جرائم فضيعة تركت وراءها مآسي وأزمات عميقة.

إذ يتعايش الفقر في بوركينا فاسو جنبًا إلى جنب مع ثروة ذهبية، التي لم تكن بمنأى عن أطماع الفرنسيين والإرهابيين على حد سواء، فرغم ثروة الذهب الذي يشكّل أزيد من 13% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، إلا أن تقديرات النمو الاقتصادي يطغى عليها التشاؤم، إذ يعدّ هذا البلد من أفقر دول العالم، وهو معرّض الآن لخطر المجاعة، بعدما تضاعف عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى أزيد من 3 ملايين شخص، من أصل 20 مليون بوركيني.