أصدرت شركة التدقيق والاستشارات الاقتصادية "إرنست أند يونج" تقريرًا اقتصاديًا صُنفت فيه مصر كإحدى أكثر دول العالم فسادًا في قطاع الأعمال الخاص من أصل 59 دولة ضمن هذا التنصيف.

أكدت الشركة في تقريرها أن أكثر من 44% من رؤوساء شركات القطاع الخاص في مصر يمارسون نوعًا من أنواع الفساد داخل مؤسساتهم يتعلق بأنشطة خارجية لها علاقة بشركات أخرى، أبرزها الرشاوى المقدمة للحصول على امتيازات بعينها.

هذه الشركة التي تُصنف كأحد أكبر شركات الاستشارات الاقتصادية في العالم والتي تضم أكثر من 87 فرعًا حول العالم موزعين على القارات، حينما تُصدر تقريرًا بهذه الخطورة فإنه من الخطورة بمكان لإعطائه صورة سلبية لدى المستثمرين في العالم عن تردي الحالة الاقتصادية المصرية في ظل بحث الدولة عن مخرج من أزمتها الاقتصادية الطاحنة حاليًا.

هذا التقرير لم يكن الأول الذي يصنف مصر في مقدمة الدول الأكثر فسادًا في العالم، حيث جاءت تقارير منظمة الشفافية الدولية المعنية بمحاربة الفساد لتؤكد أن مصر تتقدم مصاف الدول التي يوجد بها إساءة استغلال للسلطة وتعاملات اقتصادية غير مشروعة، حيث عبرت عن ذلك الأرقام في تقارير صادرة عن المنظمة، بحيث تراجعت مصر ستة مراكز عام 2012 لتصبح في المركز الـ 118 من أصل 176 دولة من حيث نسب الفساد، بينما تراجعت مصر للمركز 144 في العام 2013 ما يدل على تردي حالة الدولة المصرية في عملية مكافحة الفساد.

"نعلم أن مشاعر الإحباط من الفساد هي التي جعلت الناس تخرج إلى الشوارع في دول الربيع العربي"، هكذا صرح "كريستوف فيلكه" مدير منظمة الشفافية الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا عقب ثورات الربيع العربي في تونس ومصر، وهكذا كانت رؤية المنظمات الدولية لمكافحة الفساد لدول مثل مصر والتي أكدت تقاريرها أن مصر أمامها طريق طويل في تحقيق ما يعرف بـ "محاربة الفساد".

فالقطاع الخاص في مصر الذي اتجهت الدولة المصرية للشراكة الاقتصادية معه في آخر عقد زمني لم يكن بالكفاءة المطلوبة لرفع الحالة العامة للاقتصاد المصري بعد حالات تدهور القطاع العام المصري والذي شكك البعض بأن حالات انهياره المتتالية كانت متعمدة وبفعل فاعل بعمليات فساد خاصة لصالح مؤسسات اقتصادية خاصة يملكها رجال من الحزب الحاكم في مصر منذ بداية ما عرف بعملية "الخصخصة" لشركات القطاع العمال في عهد رئيس الوزراء المصري "عاطف عبيد" الذي اُتهم شخصيًا في قضايا فساد عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير.

كما أكد ذلك البنك الدولي في تقرير صادر له في سبتمبر الماضي يقول إن الجدوى الاقتصادية للقطاع الخاص المصري قد وصلت لأدنى مستوياتها بسبب سياساته الفاسدة القائمة على منح امتيازات احتكارية لشركات بعينها دون أخرى؛ ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص في السوق بين شركات القطاع الخاص.

يرجع خبراء اقتصاديون هذا الأمر في مصر لعدة عوامل أهمها: الثغرات التشريعية الموجودة بالقوانين المصرية؛ ما يسهل على الشركات والأشخاص الضلوع في عمليات فساد بطرق مقنعة، كذلك غياب القوانين الواضحة التي تقوم بمكافحة الفساد بصورة جدية كقانون الجهاز المركزي للمحاسبات الذي يحتاج إلى تعديلات كثيرة حتى يصبح ذا فاعلية حقيقية، كذلك قوانين الرقابة الإدارية وتداول المعلومات والكسب غير المشروع وقوانين تضارب المصالح كلها إما غائبة أو تحتاج إلى تعديلات جذرية.

كما ذكر البعض أنه ليست هناك إرادة سياسية في مصر لتفعيل تلك القوانين لأن ثمة جماعات مصالح صاحبة أبعاد سياسية داخل مراكز الحكم في مصر تقف حائلاً بين صدور قوانين جديدة أو تعديلات على القوانين الموجودة بالفعل بحيث تُفعل أمر محاربة الفساد، حتي وإن وجدت إرادة سياسية كالتي أرادات إصدار قانون منع الاحتكار في البرلمان المنحل بعام 2012 فإن لوبيات الضغط من رجال الأعمال لم تسمح بذلك حتى تم حل المجلس.

وما تزال مصر تدور في رحى تقارير اقتصادية تؤكد أن الفساد مستشر في جسد الاقتصاد المصري الحكومي منه والخاص دون تدخل للإدارة السياسية الحالية في البلاد؛ ما يطرح تساؤلات عدة عن مدى قبول النظام السياسي الحالي في مصر لهذا الوضع؟ وما الخطوات الجدية التي اتخذها لوقف هذا النزيف الحاد بسبب الفساد؟ في ظل شكوى دائمة من تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد.