ترجمة وتحرير نون بوست

صادق البرلمان العراقي هذا العام على حكومة توافقية جديدة يقودها حيدر العبادي، وهي خطوة كان من المُفتَرَض أن تدفع العراق قدمًا إلى التوافق السياسي. بيد أنه، ولمدة أسبوعين، ظلت حقيبتان وزاريّتان خاليتين، هما وزارتا الدفاع والداخلية الأكثر أهمية وحساسية، بينما بقيت الأنفاس محبوسة في انتظار ماهية من سيوتلّاهما، شيعة أم سنة أم أكراد، وهل بالإمكان التوصّل إلى تنازلات مناسبة حيال هذين المنصبين.

أتت التعيينات أخيرًا في أكتوبر، لتمثل محاولة لتوسيع دائرة المنتمين للسلطة في بغداد. فقد تم اختيار محمد الغبّان، المنتمي لمنظمة بدر، كوزير للداخلية، كنوع من احتواء المتطرفين، وخالد العبيدي وزيرًا للدفاع، وهو المستشار السابق لمحافظ نينوى، والذي دعا إلى تعزيز الحكم الذاتي لمحافظات العراق السنية، بل وتشكيل جيش سني عربي منفصل.

مع ذلك، يبدو أن هذه التعيينات محاولة متأخرة عن وقتها لاحتواء الأزمة، خاصة والعنف يتزايد، وكذلك سلطان القوى المتطرفة على الناحيتين. إذا ما بقيت محاولات بغداد محصورة في مشاركة السلطة في إطار المناصب العليا للدولة فقط، لن يؤدي ذلك إلا إلى تأجيج الحرب الأهلية الجارية، وبنهاية المطاف، تقسيم العراق على أسس عرقية ومذهبية.

قد يبدو لأول وهلة أن التقسيم أفضل من استمرار الصراع الدائر، وقد انجذب بالفعل صناع القرار الأمريكيون إلى الفكر في ذروة الحرب الأهلية عام 2006، حين قدم جوزيف بايدن، عضو مجلس الشيوخ آنذاك، وليزلي جِلب، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، خطة لـ”تقسيم ناعم” للعراق. في 2006 أيضًا، قال كايم كاوفمان، أستاذ مرموق في العلاقات الدولية، في حلقة نقاش لدورية فورين أفيرز، بأن العنف لن يتوقف إلا بفصل العراقيين عن بعضهم البعض.

يبدو أن ما جرى هذا الصيف قد أعاد الفكرة إلى الواجهة، حيث كتب فريد زكريا في عاموده بصحيفة الواشنطن بوست أنه على الولايات المتحدة أن تتكيّف مع واقع العراق المذهبي المنقسم بالفعل، في حين ألمح ستيفن كوك، عضو مجلس العلاقات الخارجية، أنه على الولايات المتحدة أن تتصالح مع فكرة التقسيم الكامل للعراق، مهما كانت دموية تلك العملية، ومدتها الزمنية.

عززت الأحداث الجارية في سوريا أيضًا هذا النقاش حول التقسيم، إذ تفرض داعش قبضتها على جزء كبير من الأراضي السورية في وجه الحملة العسكرية الجوية الأمريكية، وفي وجه القوات الموالية لنظام الأسد، وهو ما دفع البعض إلى اقتراح التقسيم في الحالة السورية كذلك، وأبرزهم جوشوا لانديس، خبير الشؤون السورية، الذي ظهر في برنامج فريد زكريا على قناة سي إن إن، وقال بأن التقسيم سيكون إقرارًا بواقع وجود دولة سنية ممتدة على أراض عراقية وسورية، وسيخلق مجالًا أكثر استقرارًا، وسيعكس الحقائق الديمغرافية على الأرض.

تذهب الحجج الخاصة بالتقسيم إلى أن الانزلاق إلى القتال العرقي أو المذهبي المفتوح سيشعل نارًا لا يمكن إطفاؤها، وسيدمّر المنطقة إلى غير رجعة، وبما أن الحروب عادة ما تسلط الضوء على خطوط معيبة في الخريطة الاجتماعية لبلد ما، فما من حل سوى إعادة رسم الحدود للخروج من تلك الحلقة المُفرغة من الصراعات الدموية القائمة على الهوية.

تبدو الحجة قوية، ولكنها تستند لافتراض خاطئ، إذ أنها تتجاهل حقيقة أن السياسة — وليس الهويات بحد ذاتها — هي التي وضعت الشيعة والسنة في مواجهة بعضهما البعض إبان غزو العراق عام 2003، وأن التقسيم في الواقع لن يحل الأزمة بقدر ما سيعزز من تلك الخطوط المعيبة. ليقل لنا هؤلاء ماذا فعل قيام دولة جديدة في جنوب السودان؟ لقد أشعل الصراع بين المجموعات المتحالفة سابقًا بوجه الخرطوم، وهو ما أدى إلى نزاع أهلي في البلد الوليد منذ ولادته (!) بين حركة تحرير جنوب السودان وحركة جنوب السودان الديمقراطية، وأدى أيضًا إلى صراعات حيال كيفية تقسيم السلطة الجديدة.

ماذا فعل التقسيم في القرن العشرين؟

لعل الدراسة المتأنية لتاريخ تقسيم البلدان والحروب الأهلية تبيّن لنا أن التقسيم لم يُرسي السلام أبدًا، بل في بعض الحالات زاد الطين بلة، فمنذ عام 1945، أنتجت 180 حربًا أهلية (أكثر من نصفها عرقية أو مذهبية) حوالي 14 إلى 24 تقسيمًا (بحسب نظرتك لماهية التقسيم)، وتتراوح تلك الحالات من فقدان الدول المركزية لسيادتها على جيوب محدودة على الأرض، كما في قبرص عام 1964 أو صوماليلاند عام 1991، إلى إعلانات الاستقلال الكاملة والمُعتَرَف بها دوليًا، مثل إريتريا وكرواتيا عام 1991، وعند مقارنة هذه الحالات بالصراعات التي لم يُنهِها التقسيم، لا تعطينا البيانات دليلًا أن التقسيم كان ناجعًا في منع تكرر الصراع.

أولًا، لا يبدو أن الصراعات تهدأ في حالات التقسيم الناعم — الحصول على مساحات ذاتية الحُكم فعليًا — ففي قبرص، وبعد صراع أهلي قصير، كثف القبارصة الأتراك وجودهم في مساحات يمكنهم الدفاع عنها بسهولة، ودشنوا بنية إدارية خاصة بهم في تلك المناطق، وجلبوا السلاح والمقاتلين من تركيا بشكل واضح ليُرسوا أساس التقسيم القائم اليوم، وهو ما جعل المصالحة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، بل وأعطى تركيا مساحة أمكنها استخدامها لاحقًا لاجتياح قبرص عام 1974 وتقسيم الجزيرة فعليًا.

في حالات التقسيم الأكثر وضوحًا، آلت الأمور إلى وضع مشابه، حيث تنازعت في بعض الحالات الأحزاب المختلفة إبان التقسيم، كما حدث في كرواتيا بعد انفصالها عن يوغوسلافيا، وهو انفصال تبعته حرب انفصالية بين عامي 1992 و1995 حاول فيها الصرب داخل كرواتيا الانفصال والاتحاد مع صربيا. أيضًا، في عام 1999، بدأت حرب ثانية بين روسيا والمتمردين الانفصاليين في الشيشان بعد نهاية الحرب الأولى قبل ثلاثة سنوات إثر اعتراف ضمني بالشيشان لا يبدو أنه ساعد كثيرًا، كما انفصلت فعليًا بونتلاند وأرض الصومال عن بقية الصومال أثناء الحرب الأهلية في التسعينيات وشهدتا فترة استقرار نسبي لا شك، ولكن هذا التقسيم لم يحل أزمة الصومال ككل.

في الحالات التي شهدت استقرارًا بعد الاستقلال أو الحُكم الذاتي، كانت هناك أحيانًا دولة كبيرة تحفظ هذا الاستقرار، كما تفعل روسيا اليوم مع أبخازيا (المنفصلة عن جيورجيا) وترانسنيستريا (إقليم حكم ذاتي بمولدوفا)، وكما تفعل الهند — على الأقل بموقعها الجغرافي — مع بنغلادش (المنفصلة عن باكستان عام 1971).

ماهية التقسيم

هل تملك الولايات المتحدة إذن القدرة والرغبة لضمان السلام في العراق بعد تقسيمه كما يفعل هؤلاء — مع الأخذ في الاعتبار أنهم يفعلون ذلك في نطاقهم الإقليمي، في حين يقع العراق على بعد آلاف الأميال منها؟ الصراع بين الدول المولودة من رحم العراق ليس هو الخطر الوحيد، بل الصراع الداخلي في كل من هذه البلدان حيث توجد مدن ومساحات مختلطة ديمغرافيًا، على سبيل المثال، مدينة كركوك التي سيطر عليها الأكراد موخرًا، والتي تضم التركمن وأقلية عربية ليست هيّنة.

بافتراض نجاح دولة مثل كردستان في خلق مساحة متجانسة عرقيًا ومذهبيًا — وهو أمر مستحيل على أي حال بدون تطهير عرقي في بعض المناطق — فإنها ستسقط بسهولة في قبضة الصراع بين الفصائل الكردية المختلفة المتنازعة بالفعل على السلطة السياسية، والمثل سيحدث لأي كيان شيعي جديد، حيث توجد انقسامات حادة بين الأحزاب والميليشيات الشيعية المختلفة، بالتحديد فيما يخص التحالف مع إيران.

فحيدر العبادي، رئيس الوزراء الجديد، عضو بحزب الدعوة الشيعي الإسلامي، والذي جاء منه أيضًا نوري المالكي، وأنداده الرئيسيون هم حركة الصدر والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وهما في تحالف منذ هيمن الدعوة بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية الماضية، ومن المتوقع في دولة شيعية جديدة، أن ينافس جيش المهدي وفيلق بدر — الموالي للمجلس الأعلى في أغلب الأوقات — قوات الأمن الموالية للدعوة من أجل توسيع نفوذهما، وهو ما سيقوّض سيادة وشرعية الدولة الجديدة، أضف إلى ذلك المجموعات المرتبطة بإيران، مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله (وتلك لها دور على الساحة السورية)، والتي سيكون لها بالقطع كلمة في وضع كهذا.

ما قد يزيد الطين بلة، أن تلك الفصائل التي ستكون موجود حينئذ في بلدان مختلفة، تحالفت في السابق مع بعضها البعض لأسباب سياسية بحتة، كما جرى في السابق بين السنة والأكراد لمواجهة حزب الدعوة، وهو ما يعني أن أي صراع في الدولة الشيعية الجديدة قد يجذب تلك الأطراف السنية والكردية، المتشكلة حديثًا هي الأخرى، إلى الصراع مجددًا لدعم أنصارهم من الشيعة وتقويض الفصائل التي يريدون التخلّص منها لتعزيز وضعهم الإقليمي، وهو ما يعني العودة إلى نقطة الصفر.

ماذا عن الدولة السنية التي ستضم جزءًا من سوريا كما هو مُرجَّح؟ لا يبدو أن الأمور ستكون أفضل حالًا، وقد يعننا هنا ما جرى أيام الصحوات بين عامي 2006 و2007، إذ تحوّلت القبائل التي تحالفت في السابق مع تنظيم القاعدة في العراق لمواجهة الاحتلال الأمريكي والحكومة الشيعية، واتجهت إلى التحالف مع الأمريكيين نظرًا للمشاكل العديدة التي واجهتها مع تنظيم القاعدة.

حاليًا، يبدو أن مصلحة مواجهة بغداد تطغى على أي حسابات أخرى لدى القبائل السنية وشبكات حزب البعث، والتي تتحد الآن بشكل واضح مع داعش، ولكن في حال تم تدشين دولة سنية سيتحول أولئك سريعًا إلى الصراع على السلطة، وستتجه داعش إلى دحر أي قوة عسكرية لتحقيق الهيمنة الكاملة لها على تلك الدولة، وهو أمر ليس ببعيد بالنظر لاغتيال البعثيين السابقين الذي يحدث أحيانًا مع زحف داعش حاليًا.

النسيج الإقليمي

تعكس الانقسامات العرقية والمذهبية في العراق صورة المنطقة ككل، وهي ليست منفصلة عن الكثير مما يدور حولها، مما  يعني بأن التقسيم قد يشعل حربًا إقليمية، لا عراقية قفط، لا سيما ووجود دولة شيعية جديدة سيعزز من المخاوف بشأن المشروع الإيراني، ويجذب أطرافًا سنية عدة — الخليج بالأساس — إلى ساحة الصراع.

في نفس الوقت، وكما هو واضح الآن، وجود جزء من سوريا في الدولة السنية الجديدة سيعني تلقائيًا تمدد نيران هكذا صراع إلى الشام ككل، وسيجرّ تركيا، والتي ستحاول منع قيام دولة كردية، كما سيصل إلى لبنان حيث يجد الصراع السوري صدى بين الشيعة والسنة والدروز اللبنانيين.

الخطر الحقيقي من دولة سنية تسيطر عليها داعش سيكون على الخليج، والذي سيواجه منافسًا متطرفًا يسحب بساطة الشرعية الإسلامية الذي تدعيه، بالإضافة إلى أن دولة كهذه سترعي الجهاديين بشكل واضح لتكون أول مرة تحظى فيها تلك الجماعات بدعم كيان رسمي قومي.

إلى جانب كل ذلك، سيزيد عامل النفط، والموجود في داخل تلك الدول نفسها (كردستان والبصرة) أو في البلدان المجاورة (السعودية، الكويت، إلخ)، من سوء الصراع، ويجعل تداعياته الإقليمية والعالمية أشد وطأة.

***

يقول أنصار التقسيم أن فكرتهم تقف بشجاعة في وجه الحدود المزيّفة التي رسمها الاستعمار الأوربي في المنطقة، وتقرّ بالحقائق الديمغرافية على الأرض، وتعالج دون مواربة آثار الحروب الأهلية، بيد أن التاريخ يحفل بحوادث تقسيم غير مبشّرة تلت حروب أهلية كثيرة، وبالنظر لمنطقة تُعَد فيها مشكلة الانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية مشكلة إقليمية بين الدول، وليست فقط داخلية في بلد واحد، سيكون تعزيز هذا النمط بمثابة تعميق للجرح، ولن يوقف العنف بأي حال بين العراقيين، بل سيجعله ممتدًا في الأغلب من المتوسط إلى الخليج الفارسي، وبتبعات دولية ثقيلة في وقت نشهد فيه أصلًا صراعات في مناطق كثيرة من العالم.

المصدر: فورين آفيرز