تنافس حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين لحسم معركة التجديد النصفي (أرشيفية)

يتوجه الناخبون الأمريكيون صوب صناديق الاقتراع في 8 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل للمشاركة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فينتخبون ثلث أعضاء مجلس الشيوخ الذين يتم انتخابهم كل ست سنوات، وجميع أعضاء النواب الذين يجري انتخابهم كل عامين.

تعود أهمية تلك الانتخابات إلى أن من يسيطر على الكونغرس سيهيمن على صناعة القرار ومسار تمرير القوانين في الولايات المتحدة، أي أن نتائجها وما تحدثه من تغييرات في تشكيلة البرلمان النهائية سترسم بشكل كبير ملامح العامين المتبقيين في فترة الولاية الأولى للرئيس جو بايدن.

يأتي هذا المارثون في وقت تشهد فيه الساحة الدولية حزمة متغيرات لا شك أنها ستلقي بظلالها على المشهد الأمريكي الداخلي، ما قد ينعكس على قرار الناخبين داخل صناديق الاقتراع، حيث الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الكارثية على الاقتصاد والطاقة، هذا بخلاف الملف الإيراني الذي يعاني من انقسام حاد لدى الشارع الأمريكي.. فماذا نعرف عن تلك الانتخابات الأمريكية؟

ماذا يعني بانتخابات التجديد النصفي؟

بداية سميت تلك الانتخابات بهذا المسمى لأنها تأتي في منتصف فترة ولاية الرئيس الأمريكي، ولا تختلف كثيرًا عن بقية الانتخابات الأخرى، فالاختلاف الوحيد يتمثل في عدد المقاعد التي يتسابق عليها المرشحون وعدد حكام الولايات، فلن يتم التصويت عليهم جميعًا.

في تلك الانتخابات يصوت الناخبون على 35 مقعدًا من أصل 100 مقعد داخل مجلس الشيوخ، وعلى كل مقاعد مجلس النواب البالغة 435 مقعدًا، كذلك التصويت لاختيار حكام 36 ولاية من أصل 50 ولاية، ويعود السبب في عدم الاقتراع على المقاعد كافة مرة واحدة إلى اختلاف نظام الانتخابات ومدد الولاية لهذه المناصب.

ففي مجلس الشيوخ يُنتخب الأعضاء لولاية تستمر 6 سنوات، ويقسم أعضاء المجلس المئة إلى 3 مجموعات: مجموعتان بكل منهما 33 سيناتورًا، ومجموعة ثالثة تضم 34 سيناتورًا، ويتم انتخاب أعضاء إحدى هذه المجموعات كل عامين، وفي غضون السنوات الستة - مدة الولاية - تكون المجموعات الثلاثة خضعت للانتخاب.

أما في مجلس النواب فالوضع أكثر يسرًا نسبيًا، إذ يُنتخب كل الأعضاء لولاية تستمر عامين فقط، وتجري الانتخابات على المقاعد كافة مرة واحدة، أما انتخابات حكام الولايات الخمسين فتحمل عددًا من الاستثناءات، الحكام ينتخبون لولاية مدتها 4 سنوات، باستثناء ولايتي فيرمونت ونيوهامبشير، فولاية الحاكم هناك تقتصر على عامين فقط، ويكون انتخابات الحكام في السنوات الزوجية، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية أو الانتخابات النصفية، ويستثنى من ذلك 5 ولايات هي: كنتاكي ولويزيانا وميسيسيبي ونيوجيرسي وفرجينيا، هذه الولايات اختارت إجراء انتخابات الحاكم في أعوام فردية للابتعاد عن أثر الانتخابات العامة على تصويت الناخبين.

ظرف استثنائي

بعيدًا عن الأهمية التقليدية لهذا المارثون، فإنه يأتي هذه المرة في ظرف استثنائي يضفي مزيدًا من الأهمية بشأن نتائجه المرتقبة، هذا الظرف ينسحب بطبيعة الحال على الطرفين المتنافسين، إذ يأتي في وقت يعاني فيه بايدن والديمقراطيون من مأزق حساس، سياسيًا واقتصاديًا.

فعلى المستوى الاقتصادي وهو الأكثر أهمية للناخب الأمريكي، فهناك ارتفاع أسعار النفط والوقود وزيادة معدلات البطالة والتضخم، جراء الحرب الدائرة في أوكرانيا، وهي الحرب ذاتها التي ربما تمس الإدارة الأمريكية سياسيًا بعدما تحولت واشنطن إلى طرف أساسي في تلك المواجهة وإن لم تتدخل بشكل مباشر، وما لذلك من تداعيات على شعبية بايدن التي تراجعت بشكل لم يشهده رئيس أمريكي سابق خلال السنوات الخمسين الأخيرة.

في المقابل يواجه الجمهوريون مأزقًا من نوع آخر، يتعلق بقضية الإجهاض وهي قضية يعتبرها الأمريكيون حساسة للغاية وتعديًا على حقوق المرأة، وذلك بعد تجاوز المحكمة العليا - التي عين فيها الرئيس السابق دونالد ترامب قضاة محافظين - لما يراه الشارع الأمريكي خطًا أحمر، إذ ألغت قرارًا سابقًا للمحكمة يسمح بالإجهاض ويعتبره حقًا دستوريًا، وهو ما جاء بمثابة الصدمة للأمريكيين.

بجانب أن تلك الانتخابات تأتي بعد 3 أشهر فقط من مداهمة عناصر الـ"إف بي آي" منزل ترامب، واتهامه بنقل وثائق سرية من البيت الأبيض إلى منزله، أيضًا تأتي بعد مرور أقل من عامين على هجوم أنصاره على مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021، وما لذلك من آثار واضحة على صورة الجمهوريين.

هذا الموقف الحرج الذي يعاني منه الحزبان انعكس بطبيعة الحال على نتائج استطلاعات الرأي التي جرت سبتمبر/أيلول الماضي بشأن فرص كل منهما في الفوز بأكبر قدر من المقاعد، إذ تقاسم الديمقراطيون والجمهوريون أصوات من شملهم استطلاع الرأي، ما يعني أن الشارع لم يحسم موقفه بعد وربما تشهد الأيام القادمة تحولات تُميل الكفة نحو طرف من الطرفين.

وفق العديد من استطلاعات الرأي فإنه من الصعب التكهن بمن سيحسم المعركة، وإن جرت العادة أن الحزب الحاكم يخسر أغلبيته في مجلس النواب، ولم يشذ عن ذلك إلا في فترة الرئيس جورج بوش الابن حين فاز الجمهوريون بالأغلبية داخل المجلس، ومع ذلك فإن الأجواء العامة حتى كتابة تلك السطور تشير إلى تقاسم الحزبين فرص الفوز في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الانتخابات.

التصويت على شعبية بايدن وترامب

تعد تلك الانتخابات تصويتًا غير مباشر على شعبية بايدن الذي يعاني من تراجع واضح في جماهيريته خلال الآونة الأخيرة، فنجاح الديمقراطيين في الحصول على أكبر قدر من المقاعد يعني استعادته جزءًا من تلك الشعبية المفقودة وهو ما يساعده في تحقيق العديد من الإنجازات خلال المدة المتبقية من ولايته الأولى وربما تكون تصويتًا ضمنيًا لترشحه بأريحية لولاية ثانية.

وأمام بايدن العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة التي يرغب في تمريرها داخل الكونغرس قبل الاستحقاق الرئاسي المقبل، تلبية لطموحات المواطن الأمريكي، وبما يعزز شعبيته مستقبلًا، وعليه فإن نجاح حزبه في تلك الانتخابات سيمهد الطريق نحو ذلك، والعكس هو الصحيح.

وقد بلغت نسبة الرضا عن أداء بايدن خلال استطلاع الرأي الذي أجرته رويترز/إبسوس في 29-30 أغسطس/آب الماضي، نحو 38%، أي أقل من النصف، في مقابل 69% قالوا إن البلاد تسير في المسار الخاطئ، مقارنة بـ21% فقط قالوا إنها تسير على الطريق الصحيح، وهي النتيجة التي لم تحدث مع أي رئيس منذ الحرب العالمية الثانية.

وعلى الجانب الآخر، يراهن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، على تلك الانتخابات في الوقوف على حجم شعبيته وتأييد الشارع الأمريكي له، وما إذا كان قويًا بالشكل الذي يدفع الحزب الجمهوري لإعادة ترشيحه مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية القادمة وفق ما ذكر موقع "أكسيوس".

ويشير الموقع إلى أن فوز العدد الأكبر من مرشحي ترامب في انتخابات التجديد النصفي تلك ستكشف أن ما زال لديه القوة للظهور على ساحة المنافسة مرة أخرى، وهو ما يعزز من فرص صعوده مجددًا، مضيفًا "حتى الآن، يبدو أن ترامب يعتبر لاعبًا في الانتخابات، لكنه ليس الشخص الذي يأتي بالقادة إلى السلطة من خلال ممارسة النفوذ السياسي (kingmaker)".

أبرز الملفات التي ستحسم المعركة

هناك العديد من الملفات التي تفرض نفسها على المشهد وستكون لها الكلمة العليا في تحديد اختيارات الناخبين، وهو ما يعزف عليه مرشحو الحزبين منذ وقت مبكر، يتصدرها ملف "التضخم"، حيث شهد ارتفاعًا كبيرًا في معدلاته خلال الآونة الأخيرة، ما انعكس بشكل واضح على المستوى المعيشي للمواطن الأمريكي.

وتشير نتائج استطلاعات لشبكة "إن بي آر" الأمريكية إلى أن 30% من الأمريكيين يعتبرون التضخم أهم مشكلة لديهم، وهو ما يستغله الجمهوريون في معركتهم الانتخابية، لا سيما في ظل أزمة الطاقة التي يحمّل الحزب الجمهوري إدارة بايدن مسؤولية ما وصلت إليه بسبب سياسته الخارجية وإدارته لبعض الملفات.

وتزامنًا مع التضخم يأتي ملف "الهجرة غير الشرعية" كإحدى الثغرات التي يمكن أن يستهدف بها الجمهوريون الناخب الأمريكي، لا سيما بعد تزايد أعداد الهجرة عبر الحدود مع المكسيك خلال الآونة الأخيرة بما يتعارض مع السياسة الحمائية التي كان يتبناها ترامب رغم الانتقادات الحقوقية التي تعرض لها.

ولا يقل ملف "الإجهاض" عن غيره من الملفات الساخنة التي سيكون لها دورها في حسم الماراثون الانتخابي، حيث كشفت الاستطلاعات أن قرابة 22% من الناخبين يعتبرون تلك القضية قضيتهم الأولى، وبالطبع أغلبيتهم من النساء اللائي يعتبرن ذلك حقًا لهن ولا يمكن مزاحمتهن فيه تحت أي دعاوى، وهو ما يرجح أن تذهب أصوات غالبية النساء إلى الديمقراطيين.

كذلك تفرض "العنصرية" نفسها كأحد محددات هوية الفائزين في الانتخابات القادمة، حيث يتبادل الحزبان الاتهامات باستهداف الأمريكيين من أصول ملونة، فيما يعزف مرشحو كل حزب على هذا الوتر لا سيما في الولايات ذات الحضور القوي للأقليات بهدف كسب أصواتهم بعدما بات لهم ثقل كبير داخليًا وكتلة تصويتية لا يستهان بها.

التضخم في أمريكا
يتصدر ملف التضخم قائمة الملفات الأكثر أهمية للمواطن الأمريكي

مخاوف النزاهة والانقسام

هناك عدد من المخاوف تهمين على المراقبين للمشهد الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، على رأسها عدوانية بعض مراقبي الاقتراع التي تصل إلى حد تهديد المشرفين على العملية الانتخابية، كما ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" وهو ما أدى إلى قيام عدد من مجالس الولايات لتشديد القواعد التي تحكم المراقبين كما حدث في ولاية كارولينا الشمالية.

ويعتبر مراقبو الاقتراع أحد العناصر الرئيسية في العملية الانتخابية وأحد جدران شفافيتها، فهم عيون الأحزاب المتنافسة وآذانهم التي تنقل لهم كل ما يحدث داخل لجان الانتخاب بشكل دقيق، غير أن مسؤولي الانتخابات وبحسب الوكالة الأمريكية يخشون من "تزايد عدد المؤمنين بنظرية المؤامرة الذين يشتركون في مراقبة الاقتراع هذا العام"، وهو ما قد يشوه في النهاية شفافية الانتخابات ويضعها في مرمى التشكيك والانتقادات.

إذا حافظ الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس فإن ذلك سيمنح بايدن أريحية في استكمال أجندته التشريعية التي حقق منها جزءًا ويتبقى الجزء الأكبر الذي يمثل أهمية كبيرة في تقييم أداء الحزب خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة

ومن المخاوف التي فرضت نفسها مؤخرًا بحسب ما كشفته استطلاعات الرأي قلق الأمريكيين من حدوث انقسام حكومي حال سيطرة حزب واحد على مجلس الشيوخ والآخر على مجلس النواب، إذ عبر 53% من الأمريكيين عن قلقهم من سيطرة الديمقراطيين على الشيوخ والنواب، لافتين أن ذلك ربما يزيد من تأزم الوضع الاقتصادي تحديدًا.

وكشف الاستطلاع أن 50% من النساء ونحو 56% من الأمريكيين السود و54% من ذوي الأصول اللاتينية قد أعربوا عن مخاوفهم من سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي البرلمان، فيما يشعر 57% من الأمريكيين ممن تزيد أعمارهم على 55 عامًا و54% من الأمريكيين البيض بالقلق من استمرار هيمنة الحزب الديمقراطي على المجلسين.

القاعدة التاريخية بين الكسر والاستمرارية

منذ عام 1945 أجريت قرابة 19 انتخابات نصفية في الولايات المتحدة، خسر الحزب الحاكم فيها 17 مرة فيما حقق أرقامًا جيدةً في مرتين فقط، فغالبًا ما يخسر الحزب الذي يهيمن على البيت الأبيض في انتخابات التجديد النصفي لا سيما بشأن مقاعد مجلس الشيوخ مقارنة بمجلس النواب.

ويُرجع السياسيون تلك العادة إلى نمط انتخابات مجلس الشيوخ المتداخل، إذ يواجه ثلث الأعضاء استحقاقًا بدلًا من كل الأعضاء كما هو الحال في مجلس النواب، وعليه إن كانت مقاعد الشيوخ في الولايات التي يقل فيها أداء الرئيس وحزبه فإن فرص خسارته لتلك المقاعد أكبر، مع الوضع في الاعتبار أن المعارضة في الغالب لديها الحافز الأكبر للمشاركة والتغيير عكس أنصار الحزب الحاكم حسبما أشار أستاذ السياسة في كليرمونت، جون بيتني، بجانب الصفات الفردية للمرشح التي تلعب دورًا كبيرًا في حسم المعركة بعيدًا عن الحزب المنتمي إليه.

في ضوء ما سبق.. إذا حافظ الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس فإن ذلك سيمنح بايدن أريحية في استكمال أجندته التشريعية التي حقق منها جزءًا ويتبقى الجزء الأكبر الذي يمثل أهمية كبيرة في تقييم أداء الحزب خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، أما في حال حقق الجمهوريون المفاجأة وسيطروا على غرفتي المجلس فإن ذلك سيكون كافيًا لعرقلة معظم التشريعات التي يسعى الديمقراطيون لتمريرها فضلًا عن المناكفات المتوقعة التي يكون الهدف منها تشويه صورة الحزب المنافس بما يساعد الجمهوريين في الانتخابات العامة القادمة.

ربما تكون فرص الحزبين متساوية في هذا المضمار، فكلاهما في مأزق بسبب عدد من الملفات التي تمنح المنافس الأفضلية، لكن تبقى الكلمة الفاصلة هي صناديق الاقتراع، وبعيدًا عن نتائج الاستطلاعات الأولية التي لا يمكن الاعتداد بها في ظل خضوع كثير منها لحسابات خاصة تفقدها مصداقيتها، تبقى النتائج معلقة حتى اللحظات الأخيرة في ظل حالة الضبابية التي تخيم على المشهد وربما تقلب الوضع رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها.