صرح الرئيس السوداني "عمر البشير" لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية في شهر أكتوبر الماضي بتصريحات مفادها أحقية بلاده بمثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه مع القاهرة؛ ما أثار غضب الحكومة المصرية.

سبق ذلك تأكيدات من رئيس اللجنة العليا للانتخابات بولاية البحر الأحمر السودانية على استمرار العمل في ترسيم الدوائر الانتخابية وفقًا لقانون جديد، مشيرًا إلى بقاء مثلث حلايب على وضعه القديم كدائرة انتخابية تابعة لولاية البحر الأحمر السودانية في انتخابات 2010 كذلك الوضع في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع عقدها في عام 2015.

الوضع نفسه كان مسيطرًا على القاهرة بعد إعلانها أن اعتبار السودان مثلث حلايب وشلاتين دائرة انتخابية هو مخالفة صريحة للقانون الدولي في ظل استعداد السلطات المصرية لإقامة انتخابات برلمانية وشيكة معتمدة فيها حلايب كدائرة انتخابية أيضًا؛ وهو الأمر الذي يجعل المثلث محل النزاع دائرة انتخابية في البلدين في سابقة هي الأولى من نوعها.

سياق تاريخي

مع تعيين الخط الحدودي الفاصل بين مصر والسودان في عهد الاحتلال الإنجليزي للبلدين أثناء معاهدة 1899 التي وقعها "بطرس غالي" وزير خارجية مصر في ذلك الحين مع اللورد "كرومر" المعتمد الإنجليزي لدى مصر الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين أن الخط الحدودي الفاصل للبلدين هو خط العرض 22 شمالاً.

وفي عام 1902 أدخل وزير الداخلية المصري تعديلات إدارية على الخريطة الإدارية لمصر؛ أدى إلى تفويض السلطات المصرية الحاكمة في السودان لإدارة منطقة حلايب المتنازع عليها حاليًا ولم يكن هناك أي مشكلات آنذاك إذ كانت السودان تخضع لحكم الولاية المصرية التابعة للباب العالي "السلطان العثماني".

بعد انفصال السودان عن مصر عام 1956 بموجب اتفاق مع الحكومة الإنجليزية يعطي السودان الاستقلال التام عن مصر، ظلت الحكومة السودانية متمسكة بدائرة حلايب الانتخابية بينما قدمت مصر مذكرة للحكومة السودانية في الخرطوم تخطرها بأن منطقة حلايب منطقة مصرية سيتم إداراجها في الدوائر الإدارية المصرية؛ ومن هنا برز الخلاف بين البلدين فكل بلد تتمسك برواية تاريخية تثبت أحقيتها في المنطقة.

فالطرف المصري متمسك بالتقسيم الذي نتج عن معاهدة 1899، بينما تتمسك السودان بالقرار الإداري لوزير الداخلية المصري الذي صدر عام 1902 الذي يقضي بتبعية المنطقة إداريًا للحكومة المصرية والإدارة الإنجليزية في الخرطوم ما يعني تبعيتها للخرطوم قبيل الانفصال عن مصر.

الأمر الذي ردت عليه مصر بأن القرار الإداري لا يلغي معاهدة دولية بأي حال من الاحوال في تمسك واضح من البلدين بموقفهما من النزاع.

لجأت السودان إلى الأمم المتحدة بشأن قضية حلايب مرتين مع كل تحرك مصري عسكري على الحدود، ففي عام 1958 تقدمت السودان بشكوى إلى الأمم المتحدة بسبب تحرك قوات عسكرية مصرية في الشريط الحدودي بمثلث حلايب، كذلك في العام 1992 تكررت الشكوى من السودان لمجلس الأمن لنفس السبب وهو تحرك آليات عسكرية مصرية في منطقة حلايب.

سياق سياسي

دائمًا ما تخرج التصريحات الرسمية السودانية التي تؤكد على أحقية السودان السيادية على هذه المنطقة ودائمًا ما يستدعي النظام الحشد الشعبوي تجاه هذه القضية باعتبارها قضية وطنية مهمة على الأجندة السودانية، بينما لا تظهر هذه القضية في الحقيقة إلا في الأزمات السياسية الداخلية السودانية كأحد سبل لم الشمل داخل النظام كذلك في أحوال التوتر السياسي مع القاهرة تطفو مشكلة حلايب على السطح كورقة ضغط سودانية على الحكومة المصرية ولطالما عقدت مؤتمرات ولقاءات مشتركة بين البلدين وكذلك عُقدت اتفاقيات بهذا الشأن إلا أن شيئًا دائمًا ما يحول دون تنفيذها، إذ يمكن القول بأنه لا إرادة لدى الجانبين لحل النزاع نهائيًا.

لم يختلف الحال في الجانب المصري الذي يستخدم ملف حلايب كورقة سياسية مصرية، حيث ظهرت عقب توترات بين الجانبين عام 1993-1995 إلى أن اتهمت القاهرة الخرطوم بتدبير محاولة اغتيال للرئيس الأسبق "حسني مبارك" في أديس أبابا، في ذلك الوقت صّعد الجانب المصري الموقف في حلايب مستفزًا الجانب السوداني الذي اتخذ عدة إجراءات من شأنها تحجيم الدور المصري في السودان منها إغلاق فرع جامعة القاهرة بالسودان وضم المدارس التعليمية المصرية لوزارة التعليم السودانية وحشد قواته على الحدود أيضًا.

وما لبث أن عاد الهدوء إلى الجانبين في نهاية التسعينيات واختفت القضية إلى حد كبير إلى أن ظهرت مرة أخرى مع قيام الخرطوم في انتخابات 2010 بالتعامل مع حلايب كدائرة انتخابية سودانية، ثم اختفت وظهرت مرة أخرى عقب ثورة يناير وتولي الرئيس السابق "محمد مرسي" مقاليد الأمور في مصر وما تلى زياراته من أحاديث إعلامية لمعارضيه عن تنازله عن مثلث حلايب للسودان؛ ما يجعل استدعاء الأمر سياسي بحت لدى الطرفين دون البحث عن حل حقيقي.

وهذا ما أكدته "مريم الصادق المهدي" المعارضة السودانية في تصريحات صحفية تؤكد فيها بأن تصعيد نظام البشير للأزمة حاليًا يعود إلى انعكاس أزمة النظام الحالي مع نظام السيسي في مصر عقب الانقلاب العسكري على الرئيس السابق محمد مرسي صاحب الخلفية المشتركة مع النظام السوداني الحالي، حسب قولها.

وهو ما أشار إليه أيضًا سياسي سوداني آخر متهمًا النظامين المصري والسوداني بممارسة الابتزاز السياسي المتكرر على بعضهم البعض.

هل هناك أفق للحل؟

أكد مسؤولون مصريون وسودانيون على أن منطقة حلايب وشلاتين ستكون منطقة تكامل اقتصادي بين البلدين وهو ما سيؤدي إلى حل النزاع بطريقة ودية بين البلدين، لكن هذا الأمر لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن.

أما الأمر المتفق عليه فهو استبعاد الخيار العسكري من الخيارات المطروحة بين البلدين وهو ما أكده الرئيس السوداني "عمر البشير"  كذلك جاءت تصريحات السفير المصري بالخرطوم بنفس الأمر.

أما عن اللجوء للتحكيم الدولي فالأمر لا يتعدى مجرد التلويح بذلك من جانب الطرفين والذي يؤكد ذلك أن القضية موضوعة على جداول مجلس الأمن لكن لا تتحرك أي من البلدين لتفعيل الدعوى لبدء التحكيم.

أما عن حل الاستفتاء الشعبي لأهالي المنطقة فهو مطروح بالفعل لكن في أوساط بحثية وأكاديمية ولا يجد صدى على أرض الواقع بين البلدين.

يتحدث السياسيون في البلدين عن أفق للحل، لكن لا يتم منه أي شيء وتبقى القضية عالقة بين البلدين لتخضع لحالة من الابتزاز السياسي لتنضم لقضية ملف النيل وسد النهضة الإثيوبي الذي تتهم القاهرة السودان فيه بممارسة الابتزاز السياسي عليها بسبب توتر العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة، الأمر الذي يجعل ملفات النزاعات بين البلدين لا يحكمها أي شق سوى الشق السياسي الذي يعاني من التخبط وعدم الاستقرار بين الدولتين.

 ولحين تواجد رغبة حقيقية لحل قضية حلايب بين مصر والسودان تبقى حلايب وشلاتين دون هوية مستقلة محددة حيث من المفترض أن يشارك أهالي  المنطقة في مطلع عام 2015 في استحقاق انتخابي سوداني رئاسي وبرلماني، كذلك في استحقاق انتخابي مصري برلماني في سابقة ستسجل تاريخيًا في تاريخ النزاع على مثلث حلايب وشلاتين الذي لا يعلم له مستقبل حتى الآن.

هذا المقال يُنشر ضمن ملف "السودان من الداخل"