تصوب الدولة المصرية عينيها في الآونة الأخيرة تجاه أبنائها العاملين بالخارج، بعدما باتوا الورقة الرابحة التي تأمل السلطات الحاليّة في أن تكون قشة الإنقاذ من المأزق الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد خلال السنوات الماضية، حيث بلغت معدلات العجز والديون مستويات قياسية.

وبعد موجات مد وجزر عاتية شهدتها العلاقة بين الطرفين، المغتربين والحكومة، جراء الإفراط في الرسوم والضرائب المقررة على المسافرين والمقيمين في الخارج، تطوي القاهرة صفحات الخلاف وتعلن نيتها فتح صفحة جديدة تقوم على أساس المصالح المشتركة، حيث تقدم الدولة للمغترب العديد من المغريات الخاصة بالاستثمارات والتسهيلات في الخدمات على أمل أن تتدفق الدولارات في خزينة الدولة.

وفي ظل العجز الواضح في مصادر العملات الأجنبية جراء الأزمة الاقتصادية العالية في أعقاب جائحة كورونا وما تلاها من حرب روسية أوكرانية لا يعلم أحد مداها، إضافة إلى الأعباء التي أثقلت كاهل الدولة المصرية نتيجة سياسات اقتصادية ونقدية محل شك وريبة، لم يعد أمام الحكومة المصرية سوى العاملين بالخارج.. فهل يكونون فرس الرهان؟

يذكر أن نحو 10 ملايين مصري يعيشون ويعملون خارج مصر (65% منهم في الدول العربية) يمثلون قرابة 10% من عدد السكان البالغ عددهم أكثر من 100 مليون نسمة؛ النسبة الكبرى منهم يعملون في الخليج، فهناك 3 ملايين مصري في السعودية، و1.1 مليون في الأردن، و765 ألف في الإمارات، و500 ألف في الكويت والسودان وقرابة 230 ألف في قطر، أما في أوروبا فهناك 1.2 مليون مصري يمثلون 13.2% من إجمالي المصريين بالخارج، و1.6 مليون في الأمريكيتين، يمثلون 16.7% من الإجمالي، بجانب 340 ألف في أستراليا بنسبة 3.6% من حجم العمالة المصرية الخارجية.

التحويلات الخارجية.. عنصر الأمان الأكبر

تعد التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون لذويهم في مصر أحد أهم مصادر توفير العملة الأجنبية، إذ تتجاوز في قيمتها ضعف دخل قناة السويس والسياحة (5 مليارات دولار في المتوسط الدخل السنوي لقناة السويس ومثله للسياحة) حيث بلغت خلال السنة المالية 2021-2022 نحو 31.9 مليار دولار وفق بيانات البنك المركزي.

غير أن حجم التحويلات تراجع خلال شهر يوليو/تموز الماضي بنسبة 14.7%، لتصل إلى 2.38 مليار دولار، مقابل 2.79 مليار في نفس الشهر من 2021، و2.8 مليار دولار في يونيو/حزيران الماضي، فيما سجلت خلال الأشهر السبع الأولى من هذا العام 18.7 مليار دولار.

وأرجع خبراء هذا التراجع إلى عدة أسباب، منها الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الاقتصادية حيث ارتفاع كلفة المعيشة وزيادة الأسعار بشكل جنوني، وهو ما انعكس على نفقات المصريين بالخارج، ما أدى في النهاية إلى انخفاض المبلغ المحول، فيما أرجع آخرون الأمر إلى احتفاظ المصريين بالدولار نظرًا لقيمته الأعلى في السوق السوداء مقارنة بالبنوك الرسمية، وهو ما دفعهم لعدم تحويله عبر المنافذ الرسمية كالعادة، آملين في الحصول على فروق السعر من السوق السوداء حيث يتراوح سعر الدولار ما بين 22 - 25 جنيهًا بينما في البنوك لا يتعدى حاجز الـ19.65 جنيه.

عامل آخر وراء تراجع تحويلات المصريين بالخارج خلال الأشهر الأخيرة بحسب الخبراء يتمثل في تقليص حجم المغريات البنكية، حيث إلغاء شهادات الاستثمار البنكية ذات العائد المرتفع التي وصلت إلى نسبة 18%، التي كان قد طرحها بنكا مصر والأهلي لمدة عام لكنهما أوقفا التعامل بها لاحقًا لما تكبده من ميزانيات ضخمة، ما دفع المصريين للبحث عن عوامل جذب جديدة غير البنوك.

وينظر لتلك التحويلات على أنها الضمانة الأكثر استمرارية للحكومة المصرية في الوفاء بالتزاماتها الخاصة بالصادرات والواردات، كما أنها تعتبر أحد أبرز الأدوات لتقليص أزمة العملات الأجنبية خاصة في الوقت الحاليّ حيث الحرب الأوكرانية وتداعياتها الكارثية والأزمات النقدية الدولية والارتفاع المستمر على أسعار الفائدة.

فرص استثمارية واعدة.. مغازلة المغتربين

وفي محاولة لجذب المغتربين وحثهم على زيادة معدلات تحويلاتهم من العملات الأجنبية للبنوك الوطنية المصرية اتخذت الحكومة حزمة من الإجراءات والتسهيلات لمغازلة المصريين بالخارج، وهي التسهيلات التي طالما نادى بها المغتربون طيلة السنوات الماضية لكن دون استجابة من الدولة.

ومن بين تلك الإجراءات تقديم الفرص الاستثمارية بتسهيلات كبيرة للمصريين المقيمين خارج البلاد، فقد وقعت وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين في الخارج وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة بروتوكول تعاون بهدف إعداد خطة مكتملة عن مشروعات استثمارية تنفذ بأموال المصريين بالخارج.

ووفق بروتوكول هذا التعاون عرضت الحكومة إتاحة الأراضي الصناعية للمصريين وتقديم دراسات الجدوى لهم التي أعدها جهاز المشروعات الصغيرة بشأن الفرص الواعدة استثماريًا، هذا بجانب مغريات أخرى كتخصيص وحدات سكنية لهم في أماكن راقية، ومنحهم مرونة في السداد.

من جانبه يرى رئيس اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية، فؤاد ثابت، أن جذب استثمارات المصريين في الخارج إلى بلادهم مرهون ببعض المغريات والتسهيلات مثل سهولة منح الأراضي الصناعية كاملة المرافق وبأسعار جاذبة وعلى فترات سداد طويلة، محذرًا من استمرار سياسة "السمسار" التي تتبعها الحكومة مع هذه الفئة بهدف تحقيق أكبر ربح ممكن، مضيفًا في تصريحات له إن أسعار الأراضي في المجمعات الصناعية غالية جدًا مقارنة بنظيرتها في البلدان الأخرى، إذ يصل سعر المتر بها نحو 245 دولارًا، وعليه فإن مشروع بناء مصنع صغير مساحته لا تتجاوز 700 متر تبلغ كلفته 170 ألف دولار سعر الأرض فقط، خلافًا لكلفة المعدات والمرافق الباهظة، وهو ما يثني الكثير من المصريين بالخارج عن الاستثمار في بلادهم.

إعفاء السيارات.. محاولة سريعة للخروج من المأزق

يبدو أن إستراتيجية الفرص الاستثمارية ستحتاج إلى وقت ليس بالقصير، كما أنها ليست مضمونة في ظل حالة فقدان الثقة التي تنتاب في كثير من الأحيان العلاقة بين العاملين بالخارج والحكومة على مدار عقود طويلة مضت، وفي الوقت ذاته الدولة تواجه أزمة نقدية خانقة تتمثل بانخفاض واضح للعملة المحلية وتراجع لافت للعملات الأجنبية في البنوك، وهو ما دفع إلى اتخاذ قرار تقييد استخدام بطاقات الائتمان المملوكة للمصريين لدى وجودهم بالخارج، بخفض حد السحب النقدي الشهري إلى 250 دولارًا، وعليه كان البحث عن حل عاجل للخروج من هذا المأزق، ومع تأخر قرض صندوق النقد الدولي وعدم قدرته على الوفاء بكل الالتزامات، كان العاملون بالخارج هم الهدف الرئيسي وبطل المرحلة الحاليّة.

على مدار سنوات طويلة مضت بُحت أصوات العاملين بالخارج من أجل تسهيلات تسمح لهم باستيراد سيارات لهم بمعدلات جمركية مقبولة وليست باهظة كما هي عليه الآن، لكن دون أي استجابة في ظل هيمنة أباطرة تجارة السيارات في مصر على المشهد ونفوذهم الغائر في دوائر صنع القرار.

لكن الأيام الماضية فوجئ الجميع بإعلان مجلس الوزراء عن إعفاء سيارات المغتربين المصريين بالخارج من الجمارك والرسوم الضريبية، شريطة إيداع قيمة الرسوم الضريبية بالدولار في أحد البنوك المصرية على أن يستردها صاحبها بعد 5 سنوات بالعملة المحلية دون فوائد وبسعر الصرف حينذاك.

في حال تحققت تقديرات وزير المالية بإدخال نصف مليون سيارة، فإن جماركها ستصل إلى نحو 2.5 مليار دولار على حد قوله، وهو الرقم الذي لن يحل الأزمة الواقعة بالفعل، فنسبة العجز السنوي تجاوزت 20 مليار دولار

الإعلان أثار ضجة كبيرة لا سيما لدى شريحة المصريين العاملين خارج بلادهم، وتباينت ردود الفعل إزاء هذا القرار الذي جاء بعد معاناة استمرت سنوات عديدة، ورغم التحفظات بشأن عدم وجود فوائد على المبلغ المودع في البنوك وتحصيله بالعملة المحلية، فإن القرار في مجمله لاقى رضا كبيرًا لدى الشارع لما يلبيه من مطالب قديمة للعاملين بالخارج من جانب وما يعطيه من متنفس لسوق السيارات المجمد داخليًا بسبب توقف الاستيراد من جانب آخر.

الخبير الاقتصادي ممدوح الولي يرى أن هذه الخطوة لن تحل الأزمة كما يتوقع البعض، لافتًا إلى أن هناك توقعات تفاؤلية بأن عدد السيارات التي ستعفى من الجمارك سيبلغ مليوني سيارة، فيما توقع وزير المالية بلوغها نصف مليون سيارة، منوهًا أنه من الصعب حصر عدد السيارات التي ستدخل البلاد بالفعل، في ظل عدم وجود بيانات عن الشرائح الاقتصادية للمصريين العاملين بالخارج إذ إن أغلبهم من العمالة الحرفية البسيطة التي لا تتناسب مستوياتهم واستيراد سيارة من الخارج، هذا بجانب أن العزف على وتر 10 ملايين مصري عامل بالخارج عزف مضلل، فالسواد الأعظم من هذا العدد هو عوائل العاملين، الزوجات والأبناء، ومن ثم لا يمكن التعويل عليهم في هذا الملف.

ويشير الولي إلى أنه في حال تحققت تقديرات وزير المالية بإدخال نصف مليون سيارة، فإن جماركها ستصل إلى نحو 2.5 مليار دولار على حد قوله، وهو الرقم الذي لن يحل الأزمة الواقعة بالفعل، فنسبة العجز السنوي تجاوزت 20 مليار دولار  مع الوضع في الاعتبار أن الجزء الأكبر من تلك السيارات ستكون بهدف التجارة وبيعها لآخرين في مصر مع إضافة فروق أسعار، وهو ما سيكون له تداعيات سلبية أخرى على حالة الزحام المروري المرهق لبنية الطرق الموجودة، فضلًا عن زيادة فاتورة الاستهلاك من البنزين والوقود، وارتفاع نسب تلوث البيئة، كل هذا سيكون له كلفة اقتصادية كبيرة من ناحية مقابلة.

هل تكون قشة الإنقاذ؟

أحدثت تلك الإجراءات انقسامًا في الآراء في الشارع المصري حيث يرى البعض أنها خطوة جيدة من الدولة تجاه أبنائها المغتربين، حتى لو جاءت متأخرة، وحتى لو كان الهدف واضح وهو إنعاش خزانة الدولة بالعملة الصعبة، لكنه هدف مزدوج يحق مصالح الطرفين.

من جانبه يعتبر عثمان (45 عامًا) الذي يعمل محاسبًا في الإمارات أن واجب المصريين تجاه دولتهم دعمها في مثل تلك الأوقات، مضيفًا "إحنا زمان كنا بنتمنى قرارات زي دي، دخول سيارات بدون جمارك، شقق مناسبة وبمستويات جيدة، فرص استثمارية.. ودلوقت الأمر أتحقق حتى لو كان مكلف ماديًا شوية لكنه تحقق".

وأوضح في تصريحاته لـ"نون بوست" أن شريحة كبيرة من المصريين سعداء بتلك الخطوات غير أن الأكثرية يتحفظون بشأنها بسبب رواسب سابقة تتعلق بالأعباء التي فرضتها الحكومة على العاملين بالخارج خلال السنوات الماضية، التي لافت ردود فعل سلبية لدى البعض.

العاملون بالخارج ثروة قومية قادرة على إحداث التوازن وسد أي عجز يمكن أن تواجهه الدولة في سياستها النقدية، لكن هذا الأمر يتوقف على طريقة تعاملها مع هذه الفئة

وفي المقابل تخوف "محمود" (38 عامًا) المقيم بالرياض بالمملكة العربية السعودية من تلك الإجراءات، منوهًا أنها غير مضمونة على حد قوله، لافتًا أن تجارب المصريين بالخارج مع الدولة تجارب غير مبشرة، إذ تتعامل الحكومة مع هذه الفئة على أنها "سبوبة" لا بد أن تُستنزف للحصول على أكبر قدر من المكاسب منها، مستندًا في ذلك إلى الرسوم الخيالية التي أضيفت على الخدمات المقدمة، لافتًا في حديثه لـ"نون بوست" أن رسوم جواز السفر ارتفعت في السنوات العشرة الأخيرة بنسب تزيد على 150% الأمر كذلك في نسب الضرائب وأذون السفر والفيش والتشبيه، فضلًا عن الأوراق الثبوتية وبطاقات الرقم القومي وشهادات الميلاد المميكنة وغيرها.

وأبدى الشاب المصري تخوفه من عدم وجود ضمانات من الدولة على المبالغ المفترض إيداعها لدى وزارة المالية المصرية، بجانب تخوفه من فرض إجراءات وشروط جديدة على السيارات تضاعف من الرسوم المفروضة عليها مقارنة بما لو دخلت بالشكل التقليدي المعتاد، في ظل حالة الضبابية التي تخيم على المقترح المقدم من رئاسة الوزراء.

ويرى محمود أن الشواهد من داخل مصر غير مبشرة في ظل غياب القانون وانتفاء العدالة، فهذا يستولى على منزله بدعوى المنفعة العامة وتوسعة الطرق وبناء الكباري، وهذا يهدم بيته بسبب قانون التصالح، وثالث يزج به في السجن لمجرد رأي عبر عنه على منصات التواصل الاجتماعي، ورابع تُجمد أرصدته لخلاف بينه وبين الحكومة، وتابع "الأنظمة صاحبة السجلات الحقوقية المشينة لايمكن ائتمانها على أموال أبنائها" وفق تعبيره.

وأوضح كثير من الخبراء أن العاملين بالخارج ثروة قومية قادرة على إحداث التوازن وسد أي عجز يمكن أن تواجهه الدولة في سياستها النقدية، لكن هذا الأمر يتوقف على طريقة تعاملها مع هذه الفئة، إذ إن الإصرار على اعتبارهم "بقرة حلوب" يستوجب تجفيف ضروعها سيعمق الفجوة بين الطرفين، فهل تدفع الظروف الحاليّة القاهرة لإعادة النظر في سياساتها المتبعة إزاء أبنائها خارج الوطن؟