يحتفي الإعلام المصري هذه الأيام بقرب انطلاق قناة "القاهرة" الإخبارية الجديدة، المملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المزمع أن يتزامن ميلادها الرسمي مع مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب 27)، الذي تستضيفه مدينة شرم الشيخ بين 7 و18 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

القناة بحسب رئيسها الصحفي أحمد الطاهري الذي اختارته "المتحدة للخدمات الإعلامية" (وهي الشركة المملوكة للمخابرات المصرية وفق ما ذكرته العديد من المصادر)، تهدف لأن تكون صوت مصر الرسمي خارجيًا، على أمل منافسة القنوات الإخبارية الإقليمية والعالمية وفي المقدمة منها "الجزيرة" و"العربية".

ومع الساعات الأولى للإعلان عن تلك القناة تباينت ردود الفعل بشأن قدرتها على التحدي، فضلًا عن الاستمرارية، فهي ليست التجربة الأولى للشركة المخابراتية هذا بجانب الشكوك التي ساورت البعض بشأن إرهاصات التأميم الكامل للإعلام المصري، فيما يبقى السؤال الأكثر جدلًا لدى قطاع كبير من المصريين: أين ماسبيرو (المبنى الذي يضم التليفزيون والإذاعة الرسمية للدولة) مما يحدث؟ ولماذا تتجاهل السلطات هذا الكيان الإعلامي التراثي الضخم رغم امتلاكه الأدوات الجبارة التي تؤهله للمنافسة؟

الجزيرة المصرية

يراهن القائمون على أمور الشركة المتحدة أن تكون القناة الجديدة منافسًا قويًا للقنوات الإخبارية ذات التأثير الإعلامي الواضح والانتشار الجماهيري الكبير التي نجحت خلال الأعوام الماضية في سحب بساط المشاهدة والجاذبية والمصداقية من تحت أقدام الإعلام المصري الذي يعاني من أزمة في الشكل والمضمون معًا.

تتحفظ السلطات المصرية كثيرًا على المحتوى الذي تقدمه القنوات الإخبارية العربية فيما يتعلق بالتعاطي مع الشأن المصري، فترى أن أي انتقاد للشأن الداخلي أيًا كان فحواه هو تهديد لأمن البلاد القومي، إذ يُفتح عين المواطن على كثير من المسائل التي وضع الإعلام المصري بينها وبين الشارع ستارًا حديديًا ذا نافذة واحدة، يقدم من خلالها ما يراه النظام الحاليّ وما يساعده في ترسيخ أركانه وتجميل صورته رغم المعاناة التي يعانيها رجل الشارع ليل نهار التي غابت عن خريطة الإعلام المحلي، ما دفع شريحة كبيرة من المواطنين للبحث عن نوافذ إعلامية خارجية.

وعليه جاء التفكير في تدشين قناة جديدة بأبجديات مغايرة ربما تنافس القنوات الإخبارية الموجودة في "كعكة المشاهد المصري"، ومن ثم وضعت الشركة المتحدة خطة بميزانية مفتوحة لأجل هذا الغرض، فيما يرى البعض أن الكثير من المؤشرات تذهب باتجاه أن "القاهرة" الإخبارية ستحدث طفرة وستكون رقمًا صعبًا على الساحة.

وبالفعل بدأت الشركة في تدشين مجموعة من المكاتب الخاصة بها في الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، إلى جانب عدد كبير من الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، مع وضع اللمسات الديكورية العصرية لمواكبة التطورات التي شهدها الإعلام خلال الآونة الأخيرة.

وعلى مدار الأسابيع الماضية عقد رئيس القناة أحمد الطاهري لقاءات مكثفة مع مئات الإعلاميين والمذيعين المتقدمين للعمل في النافذة الإعلامية الوليدة، ووفق شهود عيان لـ"نون بوست" كانت هناك تعليمات مشددة بشأن عملية الاختيار التي تم الحرص خلالها على تقديم وجوه شابه يكون ولاؤها التام للقناة الجديدة، وسياستها التحريرية المعروفة مسبقًا، مع الوضع في الاعتبار البعد الأمني، إذ يتم استبعاد كل من لهم ميول أو أنشطة سياسية سابقة، فيما لفت البعض إلى أن كثيرًا من المختارين أعضاء بحزب "مستقبل وطن" صاحب الأغلبية البرلمانية الذي يصنف نفسه "الحزب الحاكم".

وبجانب الوجوه الشابة وقع الاختيار على بعض الإعلاميين أصحاب الخبرات الكبيرة منهم الكاتب الصحفي عادل حمودة، رئيس مجلس تحرير صحيفة "الفجر"، والمذيع السابق في قناة "أوربت" جمال عنايت، ومذيع نشرة الأخبار في التليفزيون المصري سابقًا خيري حسن بجانب حساني بشير وكمال ماضي ومحمد عبد الرحمن وهمام مجاهد.

ليست التجربة الأولى

الحديث عن قناة إخبارية لتكون صوت مصر الخارجي وتنافس الجزيرة والعربية وتسحب البساط من تحتهما وتعيد المتلقي المصري لإعلامه المحلي ليس حديثًا جديدًا، فهذا الملف واحد من أكثر الملفات حساسية لدى السلطات الحاليّة ويتصدر قائمة الاهتمامات منذ 2013 وحتى اليوم.

في سبتمبر/أيلول 2016 كانت هناك حالة احتفاء مشابهة لتلك التي يحياها الإعلام المصري حاليًّا، حين تم الكشف عن إنشاء مجموعة قنوات جديدة تحت عنوان "DMC" تابعة لجهاز المخابرات وإن كانت ملكيتها الظاهرية تعود إلى رجلي الأعمال أحمد أبو هشيمة وطارق إسماعيل.

التسريبات الأولى المصاحبة لهذا الخبر تطرقت إلى أن الهدف من إنشاء تلك المجموعة خلق "جزيرة مصرية" في إشارة إلى الجزيرة القطرية، وكانت البداية بسبع قنوات كمرحلة أولية هي: قناة إخبارية على مدار الساعة وقناة رياضية وقناة منوعات وقناة أطفال وقناة دراما وقناة سينما، وأخيرًا قناة عامة.

وبحسب الصحفي بالأهرام أحمد حافظ، فإن تلك المجموعة يراد لها أن تكون صوت الدولة الرسمي وحائط الصد ضد أي وسائل إعلام خارجية (عربية أو دولية) تهاجم مصر، مشبهًا إياها بـ"قناة الجزيرة المصرية"، لا سيما أن الإعلام المصري الحاليّ محلي جدًا وفشل في مخاطبة الخارج طيلة السنوات الماضية، موضحًا أن الميزانية الأولية لإنشائها تجاوزت مليار جنيه مصري (120مليون دولار في ذلك الوقت).

وبعد مرور 8 سنوات على إنشاء تلك القنوات لم يتغير شيء، ورغم الإنفاق الشديد والدقة في اختيار العاملين بها، فإنها لم تختلف كثيرًا عن تلك الموجودة منذ سنوات، كما أنها فشلت في تحقيق الجماهيرية المطلوبة إذ ظلت أسيرة خطاب إعلامي مسيس غير مقنع للمتلقي، لتتحول تلك المجموعة إلى مجرد رقم في خريطة القنوات المصرية الغائبة تمامًا عن أولويات واهتمامات المشاهد.

وكانت المخابرات المصرية عبر عدد من شركاتها قد هيمنت على معظم أضلاع المشهد الإعلامي والفني والدرامي من خلال تأميم المسارات الثلاث بشكل كامل، حيث شراء الوسائل الإعلامية الموجودة بالفعل وتدشين أخرى جديدة، مع التحكم في خيوط الساحة الإعلامية من خلال أدوات رقابية مشددة تحولت كـ"سوط" على ظهر كل من يغرد خارج السرب.

أين ماسبيرو؟

في 2019  كانت قد أعلنت مجموعة إعلام المصريين (أحد الشركات التابعة لجهاز المخابرات التي انضويت لاحقًا تحت عباءة المتحدة للإعلام) عن توقيعها خطة تطوير شاملة مع "الهيئة الوطنية للإعلام" لمدة خمسة أعوام تستهدف تطوير ماسبيرو وإعادته للحياة مرة أخرى بعد حالة الموت الإكلينيكي التي يحيا فيها منذ سنوات.

الخطة شملت إنشاء قناة فضائية خاصة بالأسرة العربية بجانب تطوير المحتوى المقدم عبر القنوات الأخرى والتشديد على ضرورة بث روح المنافسة بين القنوات لا سيما الإخبارية بما يضعها على تراك المنافسة مع القنوات الإقليمية، خاصة في ظل الريادة المصرية لمنظومة الإعلام على مدار 60 عامًا كاملة.

الاتفاق رغم ما أثير بشأنه من تساؤلات عن هيمنة المخابرات على عملية تطوير ماسبيرو، في الوقت ذاته كان مثار ترحيب وإعجاب من الكثير من المهتمين بالشأن الإعلامي ممن يأملون في إخراج هذا الكيان العملاق من سباته وإزالة خراطيم التنفس الصناعي من فوق نوافذه لتنسم هواء المنافسة والتوهج مجددًا.

وكان التليفزيون المصري قد تعرض لخسائر كبيرة خلال الأعوام الماضية بلغت حتى 2019 قرابة 5.4 مليار جنيه حسبما كشفت الميزانية الأخيرة لماسبيرو، ما دفع بعض رجال الأعمال المهتمين بالإعلام للمطالبة بوقف إهدار مال الشعب على هذا القطاع الذي لا يشاهده أحد كما جاء على لسان رجل الأعمال نجيب ساويرس، مالك قناة "أون تي في" السابق.

ومع الإعلان عن قناة "القاهرة" الإخبارية الجديدة أطلت الكثير من علامات الاستفهام برأسها تبحث عن إجابة: أين ماسبيرو مما يحدث؟ لماذا لم يكن التطوير من داخل التليفزيون الرسمي للدولة؟ ماذا لو أُنفقت الملايين المخصصة لتدشين قناة جديدة على تطوير المبنى التاريخي وإنعاشه خاصة أنه يمتلك نخبة من الإعلاميين المؤهلين في شتى المجالات؟

تساؤلات لم تجد إجابة محددة، إلا أن البعض أشار إلى أن هناك مخططًا واضحًا لإقصاء ماسبيرو عن المشهد بصفة عامة، تمهيدًا لإطلاق رصاصة الرحمة عليه بدعوى الديون المثقلة، وآخرون رجحوا رغبة السلطات الحاليّة في بناء قناة موالية لهم من الألف إلى الياء، حيث اختيار العاملين بها "على الفرازة" وبعناية فائقة، وهو ما لا يمكن السيطرة عليه داخل ماسبيرو حيث الآلاف من العاملين ذوي الاتجاهات والأيديولوجيات المختلفة.

هل تقدم جديدًا؟

المعيار الأبرز لقراءة ما يمكن أن تقدمه القناة الجديدة يتوقف على مساحة الحرية المتاحة، والاستقلالية في صناعة المحتوى المقدم، أما ما يتعلق بالميزانيات المفتوحة فليست الشرط الوحيد للنجاح، وهو ما وثقته تجربة "DMC" التي أنفق عليها عشرات الملايين دون أي نجاح يذكر.

كما أن هيمنة البعد الأمني على خارطة اختيار العاملين حتمًا سيفقد القناة العديد من الكوادر الإعلامية المؤهلة، ما يعني أن شريحة ليست بالقليلة من طاقم العمل ستعبر عبر جسور الوساطة والمحسوبية والترشيحات السياسية وهو ما تلوح إرهاصاته في الأفق في اختيار بعض المنتمين لحزب "مستقبل وطن".

التزام المسار ذاته حتمًا سيقود إلى نتائج متطابقة، ومن ثم فإن تقليص مساحة الحرية المسموح بها والقبضة الأمنية على الهيكل العامل سيحول القناة إلى بوق دعائي ينضم إلى كتيبة الأبواق الأخرى التي لا تحرك ساكنًا في المشهد ولا تنافس على أي حصة كانت في سوق الجماهير الشاسع، وهو ما يجب أن يعيه القائمون على هذا المشروع حتى لا يتحول في النهاية إلى رقم في قائمة مطولة.

على كل حال، من السابق لأوانه استشراف ما يمكن أن تقدمه القناة للمشاهد المصري والعربي، رغم أن الشواهد كلها مثار شك، لكن تبقى التجربة في النهاية هي محك التقييم الحقيقي، فهل تخالف "القاهرة" الإخبارية كل التوقعات وتكون "الجزيرة المصرية" كما يأمل ملاكها والعاملون فيها؟ هذا ما ستكشفه الأيام الأولى من انطلاقها.