تعدّ إيران إحدى أبرز خزائن المعرفة في العالم الإسلامي، إذ تقتني مكتباتها المنتشرة في معظم مدنها على أكثر من 200 ألف مخطوطة عربية وإسلامية، هذا بخلاف الوثائق التاريخية النادرة والدرر النفيسة التي تزخر بها أرفف تلك المكتبات، خاصة المكتبة الوطنية.

وينظر المؤرخون إلى إيران على أنها واحدة من البلدان ذات التنوع الثقافي، نظرًا إلى تعدد الأعراق وتبايُن الحقب التاريخية على حكمها، فعلى مدار أكثر من 3 آلاف عام تقلّبت على الإيرانيين عشرات الأنظمة الحاكمة على رأسها الإمبراطورية الساسانية (224- 651م).

وهناك مسألة تاريخية كانت مثار جدل بين المؤرّخين تتعلق بهوية ونقاء الثقافة الإيرانية، فبينما يعرف الصفويون أنفسهم على أنهم أصحاب ثقافة نقية لا شوائب بها، يؤكّد باحثون أن تلك الثقافة هي خليط ومزيج من عدة ثقافات البلدان المجاورة لها، والتي كانت في يوم من الأيام خاضعة لسيطرتها، مثل أوزبكستان وأفغانستان وباكستان وطاجيكستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا وتركيا وإقليم كردستان العراق.

وبعيدًا عن التراث الإيراني الضارب في جذور التاريخ، فإن الجانب الأكبر في تلك الثروة المخطوطية يعود إلى هيمنتها على المكتبات في البلدان التي احتلتها، أو التي تعمل فيها إحدى أذرعها المسلحة، وهذا الاستنتاج يمكن التأكّد منه من خلال نوعية المخطوطات التي تملكها، إذ إن معظمها مخطوطات عربية كانت متواجدة في مكتبات تابعة لبلدان عربية مثل سوريا والعراق واليمن ولبنان والسعودية.

التراث.. أهمية فائقة

تتعامل الحكومات الإيرانية مع التراث من باب "الوجاهة والتفاخر" بين الحضارات والأمم، حتى يقال إن هذا النظام يولي الثقافة والعلم أهمية فائقة، خاصة أن الشعب الإيراني من الشعوب المولعة بالثقافة بصفة عامة وتقدّر علماءها ومفكريها.

وفي الوقت الذي تعاني فيه إيران من أزمات اقتصادية طاحنة، تجدها تفتح خزائنها لتطوير مكتباتها وتنقيح تراثها والحفاظ على مخطوطاتها، إذ يتجاوز الرقم المرصود لتطوير وصيانة المكتبة الوطنية فقط 20 مليون دولار سنويًّا، وهو الرقم الذي ليس له مثيل في أي مكتبة في العالم الإسلامي بحسب نائب المدير العام للمكتبة، فريبرز خوسري، خلال تصريحاته لصحيفة "السفير" اللبنانية.

ويستشهد خوسري في تفسيره للقيمة الكبيرة التي توليها بلاده للمكتبات والمخطوطات والثقافة بوجه عام، بمقولة للخطيب والسياسي والأديب الروماني المعروف شيشرون: "من يمتلك مكتبة وحديقة لا يحتاج إلى أي شيء آخر في العالم"، مؤكدًا على أن الثقافة والمحافظة على التراث إحدى أهم الركائز لدى النظام الإيراني.

لم تكن المخطوطات العربية والإسلامية هي الكنز الوحيد الذي تمتلكه إيران، إذ يمتلك التراث المسيحي أيضًا مكانة كبيرة بين تلك المخطوطات التراثية، ومن أبرز تلك المخطوطات المسيحية أقدم إنجيل باللغة الأرمينية، بجانب مخطوطات لحضارات أخرى مثل الحضارة الزرادشتية وغيرها.

نفائس المخطوطات العربية

تحتل المخطوطات العربية قائمة المخطوطات التراثية في الخزائن المعرفية الإيرانية، وكثيرًا ما كتب باحثون وأشاروا إلى أن المكتبات الإيرانية، لا سيما الموجودة في طهران والبالغ عددها 35 مكتبة، تكتظّ بالمخطوطات العربية النفيسة، بل إن بعضها نسخ أصلية فريدة، متسائلين عن كيفية وصولها إلى إيران.

في ورقة بحثية، استعرض الباحث في المخطوطات العربية، إياد الطباع، أبرز المخطوطات الموجودة في المكتبات الإيرانية، والتي أحصاها تقديريًّا بقرابة 1500 مجلد مخطوطات عربية، لتأتي في المرتبة الثانية مناصفة مع الهند بعد تركيا، وذلك وفق ما اطّلع عليه بنفسه خلال زيارته للمكتبات الإيرانية أكثر من مرة.

وينقل الباحث عن المؤرّخ صلاح الدين المنجد حين رأسَ بعثة معهد المخطوطات العربية لزيارة إيران، قوله: "لا تزال إيران تحفظ في مكتباتها العامة والخاصة العدد الكبير من المخطوطات العربية النادرة وقد دُهشتُ جدًّا عندما رأيتُ هذه الوفرة، وثمة أمرٌ يدعو إلى الدهشة هو أن هذه المخطوطات فيها الكثير ممّا يرجع تاريخه إلى زمن بعيد جدًّا، وعلى الأخص من القرن الثالث حتى السادس، أما ما كُتب بعد القرن السادس فكثير".

الرأي ذاته أكّده الباحث الأثري حسين علي محفوظ خلال بحثه المعنوَن بـ"نفائس المخطوطات العربية في إيران"، حين أوضح أنه وبعد زيارة 30 مكتبة إيرانية في 6 مدن، هي طهران وتبريز وأصفهان وزنجان وقم ومشهد، اكتشف أن المقتنيات العربية تستحوذ على نصيب الأسد بين المخطوطات، وأن بعضها كُتب بخطوط مؤلفيها ويعود لقرون متقدمة.

ومن أبرز النفائس العربية التي عثرَ عليها الطباع خلال زيارته لإيران ما عاينه بنفسه في خزانة حاج حسين ملك التمار في طهران، وعلى رأسها "ديوان الأدب" للفارابي نُسخ عام 419هـ، كتاب "شرح الثمرة لبطليموس" لأحمد بن يوسف المصري المهندس كاتب آل طولون نُسخ عام 371هـ، "الوجيز" للغزالي نُسخ عام 584هـ، "الشفاء" لابن سينا نُسخ عام 509هـ و"القانون في الطب" نُسخ عام 591هـ.

أما في دار الكتب الرضوية في العاصمة، ففيها "نثر الدر" للآبي نُسخ عام 565هـ، "ديوان المتنبي" نُسخ عام 597هـ، "معاني القرآن" للأخفش الأوسط نُسخ عام 511هـ، "حقائق التأويل" للشريف الرضي نُسخ عام 522هـ، "زاد المسير في التفسير" لابن الجوزي نُسخ عام 634هـ و"نهج البلاغة" بخطّ ياقوت المستعصمي نُسخ عام 701هـ.

بينما وجد دررًا وكنوزًا نفيسة في دار الكتب الوطنية، بعضها لا يوجد لها مثيل في الخزائن العربية، منها "حاشية تفسير البيضاوي" لأسد بن معين الدين بخطه عام 993هـ، "الوشي المرقوم في حل المنظوم" لضياء الدين بن الأثير بخطه، "الوسيط في المذهب" للغزالي نُسخ عام 752هـ، "الطبقات" لابن سعد نُسخ عام 679هـ، "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لابن إياس بخط المؤلف، "شرح الحكم العطائية" لابن عبّاد الرندي نُسخ عام 705هـ و"المغرب في اللغة" للمطرزي نُسخ عام 646هـ.

المكتبة الوطنية

تعدّ المكتبة الوطنية (بالفارسية: کتابخانه ملی ایران) الواقعة في منطقة حقاني شمال طهران، قلعة إيران التراثية وعنوانها الأبرز أمام حضارات العالم المختلفة، إذ يحتوي هذا البنيان، المؤسَّس عام 1937 على مساحة 98 ألف متر، على أمّهات المؤلفات والوثائق التي توثّق عشرات الحقب التاريخية والحضارات القديمة والحديثة، كما أنها تتميز بنمط طرازي معماري أشبه بالمكتبة البريطانية والكونغرس ومكتبة الإسكندرية.

ويعتبر الباحثون أن المكتبة الوطنية هي امتداد لمكتبة معهد دار الفنون الذي تأسّس عام 1851، كذلك مكتبة الوطن التي أُنشئت في طهران عام 1899 لكنها لم تكن على هذه الشاكلة المعمارية ولا تمتلك هذا الزخم التراثي، إضافة إلى أنها لم تَنَل هذا القدر الكبير لدى السلطة والحكومة.

وحين تأسّست المكتبة تمَّ تخصيص قسم للمخطوطات، وكان يحتوي بداية الأمر على 3 آلاف مخطوطة خاصة بمكتبة العلوم السلطانية، غير أنه وبعد الثورة الإسلامية تمَّ إنعاش القسم بمحتويات المكتبة البلهوية، بجانب مجموعات نفيسة كانت بمكتبة آل الشيخ جعفر شوشتري ومكتبة آل ملا محسن قزويني.

وتتراوح التقديرات بشأن عدد المخطوطات الموجودة بالمكتبة، فهناك من يرى أنها 18 ألف مخطوط وآخرون يذهبون إلى أن الرقم يتجاوز 37 ألفًا و500 مخطوط، إلا أنه وبحسب إحصاء عام 2004 كان عدد المخطوطات 18 ألف مخطوط بجانب مئات الآلاف من النسخ المصوّرة لمخطوطات نادرة في مكتبات إسطنبول وأوروبا.

وتزخر المكتبة بالمخطوطات النادرة والنفيسة، حيث يقول عنها حسن توكلي، حافظ المخطوطات الذي يعمل بها منذ 13 عامًا: "هنا أقدم مخطوطة تعود إلى العام 1030 ميلادية وتحوي 7 رسائل، وهنا ثاني أقدم مخطوطة بعنوان "كتاب الخلاص" وتعود إلى 960 عامًا، وهنا أول معجم فارسي عربي من تأليف إيراني، وهنا أجمل نسخ القرآن الكريم وأقدمها، وتعود إلى 215 عامًا وقد صنعها 35 فنانًا إيرانيًّا، في مقدمتهم الخطاط زين العابدين المحدّث، وتطلبت هذه النسخة 10 أعوام لإنجازها".

وتبذل طهران جهودًا حثيثة للحفاظ على هذا الكنز التراثي، وتخصّص لذلك عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا، حيث تستخدم أحدث طرق الحفظ والعناية، بجانب أنه يتمّ حفظ المخطوطات على درجة حرارة لا تتعدّى 17 درجة، وهي النسبة العلمية المثلى للحفاظ على المخطوطات، كما أنها مجهّزة بأنظمة إنذار للحرائق متطورة، بجانب نظام إطفاء متطوّر مصنوع من غاز "إف إم 200" قادر على إطفاء أي حريق يشبّ في غضون 7 ثوانٍ فحسب.