هي ذكرى مغايرة لتشرين في العراق، المئات من المحتجّين أحيوا الذكرى الثالثة لاحتجاجات أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حضرت أمهات الشهداء وهنّ يحملن صور أبنائهن الذين وقعوا ضحايا العنف والقتل الذي مورس ضد أكبر احتجاجات عفوية شهدها العراق خلال السنوات الماضية.

هكذا كان المشهد باختصار في ساحتَي التحرير ببغداد والحبوبي بمدينة الناصرية جنوبي العراق في 25 أكتوبر/ تشرين الأول، أعداد قليلة من المحتجين مقارنة بمن حضروا في الذكرى الأولى والثانية، وحتى بمن تظاهروا في الاحتجاجات نفسها قبل 4 سنوات، العديد من الأسباب أسهمت بشكل كبير في تقليص أعداد المتظاهرين، وأهمّها آلة القتل التي حصدت العديد من قيادات الحراك ورموزه.

في مشهد نهاري قد يعكس حجم الخوف في أوساط النخب الحاكمة، كانت أعداد قوات الأمن تزيد عن عدد المتظاهرين في ساحة التحرير خلال إحياء الذكرى الثالثة، كان مشهدًا معنويًّا يختزل الأثر الذي خلفه الاحتجاج الشعبي غير المسبوق على مدار السنوات الماضية، ومشهدًا حذرًا من شريحة كبيرة ناقمة من العراقيين على النظام السياسي والأحزاب الحاكمة، تحول فيما بعد إلى سلوك اجتماعي سلمي يريد تغيير ما أفسدته أحزاب السلطة.

قليلًا إلى الوراء.. جاءت قوة تشرين من عفوية حراك شعبي كان عابرًا للتخندق الحزبي والسياسي والأيديولوجي، وانطلقت شرارته الأولى من فئات عمرية مهمَّشة ومظلومة، استمرَّ احتجاجهم حتى تحول إلى شغف عراقي غيّر الكثير على الصعيد السياسي، وبفضله نُظِّمت أول انتخابات مبكرة، وبإرادته سقطت واستقالت حكومة عادل عبد المهدي المتهمة بقتل المتظاهرين، والتي حلّت بديلًا عنها حكومة برئاسة مصطفى الكاظمي، يصفها كثير من الناشطين بأنها أيضًا كانت خيارًا جاءت به القوى التقليدية.

على مدار السنوات الماضية لم يتحقق كثير ممّا طالبت به تشرين، لكنها في المجمل حرّكت الساكن وأنذرت بردّ فعل لم يكن لأحد أن يتوقعه، ولولا المتربصون الذين وضعوا السلاح بوجه كل من يريد وطنًا حتى يتمكنوا من الإبقاء على منافعهم الشخصية والحزبية الضيقة، لغيّرت تشرين الحال ووفّرت حياة كريمة للشعب، لكن المطالب والأحداث الكثيرة تقول لنا إن في عراق ما بعد 2003 يحتج كل من يهمَّش ويظلَم ويطالب بحقه.

المطلب نفسه.. "نريد وطنًا"

العديد من الشخصيات والناشطين برزوا خلال احتجاجات تشرين، كما العديد من العبارات والمطالب التي لا تزال عالقة في أذهان العراقيين، وعلى رأسها "نريد وطنًا"، من أجل هذا الشعار خرجت أعداد كبيرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 في محاولة أخيرة لإصلاح البلد وإبعاده عن الفاسدين، وحتى اليوم يتجدد هذا المطلب في كل احتجاجات تستذكر سنوية تشرين، ثم ألحقت بها العديد من المطالب، مثل تغيير نظام الحكم ومنع الأحزاب المسلحة من المشاركة في الانتخابات، وكذلك محاسبة قتلة المحتجين.

هل ضعفت تشرين؟ يقودنا الجواب عن هذا السؤال إلى عوامل داخلية تتعلق بالحراك الشعبي، وما يعانيه من مشاكل وانقسامات وتأثيرات حزبية حاولت طوال السنوات الماضية التأثير على قرار الشارع عبر استمالة عدد من الناشطين، لكن تشرين مثلها مثل أي حراك عفوي يعبّر عن نبض الشعب، تسير قياداته بحذر في هذا التوقيت الذي يشهد العراق خلاله أزمة سياسية تمتد جذورها الأولى إلى مطالب احتجاجات عام 2019، ويخشى الناشطون أيضًا من السقوط في فخ صراع الصدريين مع خصومهم في الإطار التنسيقي الذي بلغت ذروته عقب انتخابات العام الماضي.

يرتبط معيار الضعف والقوة بما حققته احتجاجات تشرين على الأرض، فهي عرّت النظام السياسي أمام الرأي العام، وحفّزت العديد من الشخصيات المجتمعية إلى خلق بديل سياسي للأحزاب التقليدية، والأهم نجحت تشرين في خلق فهم شبابي للواقع السياسي، فبعد 3 سنوات قلَّ زخم التظاهرات تحت وطأة القمع الذي تسبّب في مقتل المئات وإصابة الآلاف، إلا أن النَّفَس الاحتجاجي موجود وباقٍ في كل صدر عراقي.

هل لا يزال الشارع ناقمًا؟

هذا تساؤل آخر تأخذنا الإجابة عنه إلى جذر المشكلة، وحالة الاغتراب التي تعيشها الأحزاب مع شريحة كبيرة جدًّا من العراقيين الناقمين عليهم، لكن أحزاب السلطة تحاول عبور مطالب تشرين الثابتة، وتستبعدها من قائمة أولويتها، وتأخذ صورة ضيقة تظهر نهاية احتجاجات تشرين وجعلتها قاعدة لتصرفاتها مع ردة الفعل الشعبية، لكن في الحقيقة لا يزال الشارع ناقمًا ضد النظام السياسي الذي يشهد ولادة عسيرة لحكومة جديدة مشكّلة من القوى التقليدية.

قد تغيِّر الأيام المقبلة رأي الشارع عندما تستقر الأمور سياسيًّا، وتظهر الحكومة المشكّلة برعاية الإطار التنسيقي ردّة فعل مشابهة لما حصل عندما تسلّم الحكم عادل عبد المهدي، والثابت في هذه المعادلة المتغيرة أن الاحتقان والغضب كامنان في صدور العراقيين ويحتاجان إلى مناسبة فقط لكشفهما، خصوصًا إذا ما أخدنا بالحسبان أن الحكومة الجديدة محكومة بالنتائج نفسها، وذلك واضح جدًّا من طبيعة تشكيلها التي خضعت لعملية تقاسم بين الأحزاب المتنفذة، وقد يكون المشهد الأخير في نظام سياسي مبني على المحاصصة.

في المحصلة، جاءت ذكرى إحياء احتجاجات تشرين بمثابة إثبات وجود في وقت تعصف بالبلاد أزمة سياسية، لكن في الحقيقة أن الحديث عن كيان موحد لتشرين هو الآخر حديث صعب أيضًا، خصوصًا بعد التأثيرات الكبيرة التي مارستها أحزاب السلطة عبر نفوذها ومالها وسلاحها على محتجّين عُزل، وسقوط القناع عن كثير من الشخصيات التي تسلّقت إلى سدّة الحكم بوصفها شخصيات مستقلة أو قريبة من الحراك الشعبي، حيث انكشف وجهها الحقيقي لاحقًا بمجرد الحصول على مقعد نيابي أو منصب معيّن، تشرين هي فكرة عفوية جاءت نتيجة حاجة ومطلب أساسيَّين، وعودتها مرة أخرى بالزخم السابق نفسه مرهون بالدرجة الأساس بمطالب لا تزال معلقة على جدران ساحة التحرير وساحات الاحتجاج في المدن العراقية.