يتجه الأمريكيون اليوم صوب صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لاختيار أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضوًا، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ المئة، بجانب اختيار 36 حاكم ولاية وعدد من المسؤولين المحليين، وسط حالة من الجدل بشأن موازين القوى في الشارع ومن يستطيع حسم المعركة.

وتكتسب الانتخابات الحاليّة أهمية استثنائية كونها تأتي في ظروف إقليمية ودولية حساسة، وأوضاع معيشية واقتصادية صعبة، حتى على المواطن الأمريكي نفسه، بجانب حدة التنافس بين الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، الذي بلغ حد التراشق والسجال المتبادل.

وبينما يرفع الديمقراطيون شعار "تأكيد التفوق والصدارة" في خوضهم لتلك المعركة، يتمسك الجمهوريون بشعار "الانتقام" واستعادة "الترامبية" بعد الضربة التي تلاقها خلال الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها جو بايدن على دونالد ترامب الذي شكك وحزبه في نتائجها وما زال يتشبث بهذا الادعاء حتى اليوم.

قد يقول البعض إن الناخب الأمريكي لا يعنيه في الغالب إلا شؤونه الداخلية، في ظل تراجع الاهتمام النسبي بالقضايا الدولية وسياسة بلاده الخارجية، غير أن هذه المرة الوضع ربما يكون مختلفًا، فمعاناة المواطن الأمريكي الآن هي نتيجة منطقية لملفات خارجية، ليجد نفسه مجبورًا على متابعتها، ومما زاد الأمر عمقًا الخطاب الشعبوي المستخدم إزاء تلك الملفات خاصة نزاع النفوذ مع روسيا والمعسكر الشرقي بصفة عامة، بما يعزز شعارات "أمريكا العظمى" التي يدندن بها الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا لو فاز الجمهوريون في تلك الانتخابات؟ وما تداعيات ذلك على السياسة الخارجية الأمريكية إزاء ملفات بعينها كانت مثار جدل بين الحزبين الكبيرين، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية والموقف من الاتحاد الأوروبي بصفة عامة، فضلًا عن الموقف من قضايا الشرق الأوسط التي كان لها حضورها الواضح في ساحات التنافس الانتخابي الأمريكي؟

التاريخ ليس في صالح الديمقراطيين

لم يكن التاريخ في صف الديمقراطيين في هذه المرة، فقلما احتفظ حزب الرئيس الحاكم بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، وفي الغالب يكون الانتصار للحزب المنافس، فمنذ عام 1945 أجريت قرابة 19 انتخابات نصفية في الولايات المتحدة، خسر الحزب الحاكم فيها 17 مرةً، فيما حقق أرقامًا جيدةً في مرتين فقط.

وعلى مدار 77 عامًا من الانتخابات النصفية لم يتمكن أي حاكم أمريكي سوى الرئيسين فرانكلين روزفلت (1933-1945)، ومن بعده جورج بوش الابن (2000-2009)، من احتفاظ حزبيهما بكلا المجلسين، إثر الانتخابات النصفية في ولايتيهما الأولى، الأمر الذي يسير باتجاه ترجيح فوز الجمهوريين هذه المرة بحسب استطلاعات الرأي الأولية.

العديد من الخبراء رجحوا أن تلعب 4 ملفات أساسية دورًا كبيرًا في حسم موقف الناخبين، على رأسها الملف الاقتصادي والتضخم الذي يشهد ارتفاعًا كبيرًا في معدلاته، ما انعكس سلبًا على المستوى المعيشي للمواطن الأمريكي، فقد كشفت نتائج استطلاعات لشبكة "إن بي آر" الأمريكية أن 30% من الأمريكيين يعتبرون التضخم أهم مشكلة لديهم.

هناك أيضًا ملف "الهجرة غير الشرعية" كإحدى الثغرات التي يمكن أن يستهدف بها الجمهوريون الناخب الأمريكي، لا سيما بعد تزايد أعداد الهجرة عبر الحدود مع المكسيك خلال الآونة الأخيرة، بجانب ملف "الإجهاض" المثير للجدل، حيث كشفت الاستطلاعات أن قرابة 22% من الناخبين يعتبرون هذه المسألة قضيتهم الأولى، وبالطبع أغلبيتهم من النساء اللائي يعتبرن ذلك حقًا لهن ولا يمكن مزاحمتهن فيه تحت أي دعاوى، وهو ما يرجح أن تذهب أصوات غالبية النساء إلى الديمقراطيين.

فوز الديمقراطيين يعني أن الأمور ستسير على ما هي عليه في معظمها، خاصة الملفات الخارجية، لكن التغيير المحتمل أن يطرأ سيكون مرهونًا بتغير المشهد وفوز الجمهوريين، هنا ربما تنقلب الطاولة رأسًا على عقب

وفي الأخير يأتي ملف "العنصرية"، إذ يتبادل الحزبان الاتهامات باستهداف الأمريكيين من أصول ملونة، فيما يعزف مرشحو كل حزب على هذا الوتر لا سيما في الولايات ذات الحضور القوي للأقليات بهدف كسب أصواتهم بعدما بات لهم ثقل كبير داخليًا وكتلة تصويتية لا يستهان بها.

وفي المجمل يتفق الجميع أن كلمة السر ستكون للاقتصاد، وهو الورقة التي يتلاعب بها الحزبان، كما أشار الباحث عمر نجيب في مقال له، فالديمقراطيون يسلطون الضوء على التعافي في حجم الوظائف وسط الوباء، حيث تم استحداث نحو 261 ألف وظيفة في الولايات المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول، ليصل إجمالي الوظائف الجديدة منذ تولي الرئيس بايدن منصبه إلى أكثر من 10 ملايين، ويعد هذا الرقم أكبر مما شهده عهد أي رئيس أمريكي آخر خلال أول 20 شهرًا من تسلمه السلطة، رغم فقدان الملايين وظائفهم في دول أوروبا والشرق الأوسط وآسيا جراء الجائحة.

غير أن الفشل في التعاطي مع ملف التضخم تحديدًا الذي يتخذه الجمهوريون ذريعة لكسب نقاط دعائية على حساب الديمقراطيين، دفع بعض أنصار بايدن إلى اللعب في ملعب آخر أقل جدلًا، حيث تسليط الضوء على ما يعتبرونه إنجازات الحزب في تمرير الإجراءات التي طال انتظارها بشأن البنية التحتية والمناخ والرعاية الصحية وديون الطلاب.

استفتاء شعبي

بداية لا بد من الإشارة إلى أن انتخابات التجديد النصفي هي "بروفة" للانتخابات الرئاسية المقبلة، ويعتبرها البعض استفتاءً على شعبية بايدن وحزبه المتراجعة لمستويات غير مسبوقة، وإن استعادت بعض عافيتها مؤخرًا، ومن ثم فإنها وإن لم تشهد الزخم المطلوب لكنها ركيزة أساسية في قراءة ما هو قادم على الساحة الأمريكية، داخليًا وخارجيًا.

يؤمن بادين أن فوز الديمقراطيين في تلك الانتخابات - رغم صعوبته - إعلان مباشر وصريح عن الرضا الشعبي عن أدائه خلال العامين الأولين من ولايته، بما يسهل الأداء بشكل كبير خلال العامين المتبقين، ما يساعده في تمرير الملفات المعلقة لزيادة شعبيته بما يمهد الطريق نحو ولاية ثانية.

وفي المقابل فإنه في حال خسارته فإن العامين الأخيرين من حكمه سيكونا غاية في الصعوبة، حيث الصراعات داخل الكونغرس، ووضع العصى أمام تحركات الحكومة، وتعقيد أي مشروعات للديمقراطيين على حساب تمرير نظيرتها الجمهورية، فضلًا عن استغلال هذا التفوق لتقليم أظافر الرئيس وحزبه على هدف استمرار نزيف الشعبية التي بلا شك ستتجه عكسًا إلى الناحية المقابلة.

ورغم أن نسبة كبيرة من نتائج استطلاعات الرأي الأولية تشير إلى احتمالية فوز الجمهوريين، في مقابل أخرى أقل نسبيًا ترجح تصدر الديمقراطيين، فإن السمة الغالبة في تلك الاستطلاعات أن الأرقام متساوية إلى حد كبير، ومن الصعب التنبؤ بمن يحسم المعركة في ظل الثغرات ونقاط الضعف الكبيرة التي يعاني منها جدار الجمهوريين بسبب ممارسات ترامب وشطحاته السياسية.

ماذا لو فاز الجمهوريون؟

فوز الديمقراطيين يعني أن الأمور ستسير على ما هي عليه في معظمها، خاصة الملفات الخارجية، لكن التغيير المحتمل أن يطرأ سيكون مرهونًا بتغير المشهد وفوز الجمهوريين، هنا ربما تنقلب الطاولة رأسًا على عقب، في ظل حالة الانقسام الواضحة إزاء بعض الملفات التي تعتبرها المؤسسات الأمريكية ركيزةً أساسيةً في توجهاتها خلال الآونة الأخيرة.

يأتي على رأس تلك الملفات الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تتبنى إدارة بايدن مع جميع المؤسسات السيادية الأمريكية موقفًا داعمًا لكييف في مواجهة الروس، هذا الدعم الذي ينطلق من بعد قومي بحت، في محاولة لتقليم أظافر موسكو التي تنافس واشنطن وتناطحها في الكثير من الساحات.

الولايات المتحدة هي من تقود الآن حملة الدعم غير المشروط للأوكرانيين، عسكريًا واقتصاديًا، لكن لو وصل الجمهوريون فالأمر ربما يتغير، وهو ما ألمح إليه زعيم الجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي كيفن ماكارثي، الذي قال صراحة إن حزبه لن "يكتب شيكًا على بياض لأوكرانيا" إذا فاز بالانتخابات، وهو التصريح الذي أحدث جدلًا كبيرًا لدى الأمريكان أنفسهم من جانب، وحلفائهم الأوروبيين من جانب آخر.

وتصاعدت خلال الآونة الأخيرة الانتقادات بشأن المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، التي شملت 40 مليار دولار كحزمة أولى في مايو/أيار الماضي ثم أخرى بقيمة 11.2 مليار دولار مؤخرًا، فقد علقت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين (المقربة من ترامب) على تلك المساعدات بقولها "دولارات يكسبها بعرق جبينهم دافعو الضرائب الأمريكيين لمساعدة دولة أجنبية في شن حرب ليس لديها فرصة في الفوز بها".

الأوروبيون بلا شك يمنون أنفسهم بفوز الديمقراطيين من أجل استمرار خطة الحمائية وتقليم أظافر موسكو والعمل معًا على تخفيف حدة تداعيات الحرب التي بلا شك ستتغير ملامحها في حال حقق الجمهوريون الفوز

الأمر كذلك مع الموقف من أوروبا، إذ اتسمت فترة حكم دونالد ترامب بتوتر العلاقات مع بعض العواصم الأوروبية جراء تصريحات بايدن المتطرفة كما حدث مع ألمانيا وفرنسا، بجانب التشكيك المستمر بشأن جدوى وأهمية التحالف الأمريكي الأوروبي والدور الذي يقوم به الاتحاد وحلف الناتو، وهو ما أدى إلى توتير الأجواء بين الطرفين وإحداث شروخ غائرة في جدار العلاقات بينهما خلال تلك الفترة قبل أن يعمل بايدن على ترميمها بعد توليه السلطة.

وللمرة الأولى يترقب الجميع ما تسفر عنه تلك الانتخابات النصفية الأمريكية التي كانت تمر في الغالب دون أي زخم خارجي، فالأوروبيون والشرق أوسطيون يتابعون الموقف عن كثب في انتظار الفائز في هذا المارثون، الأمر كذلك مع المعسكر الشرقي، حيث سيحدد هوية الفائز فيها ملامح العلاقات بين أمريكا من جانب وروسيا والصين وإيران من جانب آخر خلال المرحلة المقبلة.

الأوروبيون بلا شك يمنون أنفسهم بفوز الديمقراطيين من أجل استمرار خطة الحمائية وتقليم أظافر موسكو والعمل معًا على تخفيف حدة تداعيات الحرب التي بلا شك ستتغير ملامحها في حال حقق الجمهوريون الفوز، الوضع كذلك مع إيران التي ترى في استعادة الجمهوريين السيطرة مرة أخرى شهادة وفاة شبه رسمية للاتفاق النووي، كذلك الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط التي تعاني من انتهاكات حقوقية كبيرة، فرغم الابتزاز الترامبي لهم خلال سنوات حكمه، كان داعمًا لهم وحائط صد دون أي ملاحقات أو استهدافات بحقهم.

على كل حال، فإن الأوضاع الاستثنائية الملتهبة حاليًّا ربما تدفع الجمهوريين حال فوزهم لإعادة النظر في بعض المواقف المتطرفة التقليدية، لا سيما تلك التي تحظى بإجماع مؤسسات الدولة كالموقف من الدعم الأوكراني، فليس من المتوقع أن تسحب واشنطن يدها من الحرب الروسية بأي شكل من الأشكال، لما يترتب على ذلك من تهديد للمصالح الأمريكية وصورتها الخارجية، الأمر ذاته إزاء الموقف من أوروبا الذي دفع ترامب ثمنه باهظًا جدًا خلال ولاية حكمه، ومن الغباء تكرار ذات الأخطاء مرة أخرى.

وفي المجمل، فإن التداعيات المحتملة لما تفرزه الانتخابات الحاليّة من نتائج، داخليًا وخارجيًا، سيجعلها محط أنظار الجميع، ترقب ومتابعة لما تسفر عنه من تشكيلة جديدة للكونغرس سيكون لها الكلمة الفصل في الكثير من الملفات الحساسة.. فمن يحسم الماراثون؟