تصاعد دعوات التظاهر يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني

يحيا المشهد المصري حالة من التأهب والترقب لما ستسفر عنه دعوات التظاهر والاحتجاج ضد نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، أو كما تُعرف إعلاميًا باسم "تظاهرات 11/11"، التي تبنتها قوى معارضة في الخارج ومعارضون في الداخل على منصات التواصل الاجتماعي.

ولأول مرة منذ سنوات ينتاب النظام الحاكم قلق بهذا الحجم إزاء دعوات تظاهر، ففي المرات السابقة وعلى مدار سنوات حكمه التسعة، لم يجد مشقة في وأدها وإجهاضها مبكرًا من خلال سياسة العصا الغليظة التي يبدو أنها ما عادت تجدي نفعًا بعدما وصلت الأوضاع الاقتصادية والحقوقية إلى مستوياتها الأدنى على مر التاريخ.

دعوات الاحتجاج لاقت صدى كبيرًا من رواد منصات السوشيال ميديا، بجانب التقديرات الأمنية الأخرى، وهو ما دفع السفارة الأمريكية بالقاهرة إلى تحذير - في بيان لها - رعاياها من احتمالية حدوث احتجاجات كبيرة في البلاد، مناشدة إياهم بتوخي الحذر، والابتعاد عن أماكن المظاهرات المحتملة.

وقد رفعت السلطات المصرية حالة التأهب إلى أعلى درجاتها تحسبًا لما تسفر عنه تلك الدعوات التي لم يلح في الأفق حتى كتابة تلك السطور أي إرهاصات تكشف عن خطورتها إلا تغريدات كتبها نشطاء وفنانون وصحفيون وشخصيات عامة، وتفاعل معها عشرات آلاف المتابعين عبر تغريدات ومقاطع فيديو تعكس الوضع المتدني في البلاد الذي يتطلب الانتفاضة ضد النظام المسؤول الأول عما وصلت إليه الأمور بحسب رأيهم.. فلماذا القلق هذه المرة؟

التوقيت.. مصدر القلق الأكبر

تتزامن تلك الدعوات مع انعقاد قمة المناخ في مدينة شرم الشيخ المصرية خلال الفترة من 6 - 18 من الشهر الحاليّ، التي يشارك فيها قادة وزعماء وممثلو أكثر من 190 دولة، الأمر الذي يمثل ضغطًا على السلطات المصرية حال نشوب أي احتجاجات ويضعها في مأزق حقيقي إذا ما استخدم العنف في مواجهتها.

ورغم أن توقيت الاحتجاج لم يكن مُصاغًا بشكل أساسي لأجل التزامن مع موعد قمة المناخ، إذ إنه توقيت ثابت منذ دعوات 2019 التي خرج فيها بضعة آلاف من المتظاهرين، فإن تزامنه مع مؤتمر بهذا الحجم وتغطية إعلامية بهذا المستوى، بلا شك منح الدعوات زخمًا وقوة أكبر، وفي المقابل أصاب النظام بقلق أضعاف ما كان يصيبه في السنوات الماضية حين كان يتعامل مع تلك الاحتجاجات بالرصاص الحي والاعتقالات الممنهجة دون أي اعتبارات حقوقية.

الداعون للاحتجاجات ومن عقدوا العزم على المشاركة فيها يرون في وجود هذا الكم من قادة العالم في شرم الشيخ وانتشار وسائل الإعلام العالمية بمثابة ضمانة لهم بعدم التعرض من السلطات وتجنب استخدام القسوة المفرطة المعتادة في الظروف الطبيعية، فاللجوء إلى تلك السياسة سيضع النظام في مأزق حقيقي ويؤكد حجم الانتهاكات الممارسة بحق المعارضين، وهو ما سيتجنبه السيسي بلا شك، على الأقل خلال أيام المؤتمر، ولعل ما قامت به سناء سيف، شقيقة الناشط المعتقل علاء عبد الفتاح، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته على هامش القمة للمطالبة بالإفراج عن شقيقها، الذي غطته أكثر من 300 وسيلة إعلامية دون التعرض لها أكبر دليل على حجم المأزق الذي وجد النظام المصري فيه نفسه، حتى ممثله البرلماني الذي تدخل للدفاع عنه تعرض للطرد في مشهد مهين دون أي رد فعل من السلطات المصرية.

ارتجالية الغزل والترهيب

المتابع لتصريحات الرئيس المصري خلال الأسبوعين الماضيين يخرج بنتيجة واحدة وهي أن هناك حالة قلق غير طبيعية تسيطر على الرجل الذي طالما سخر من تفاعل النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي وكان يتعامل معها وفق سياسة الرئيس المخلوع حسني مبارك "خليهم يتسلوا"، لكن هذه المرة الوضع مختلف، على الأقل لدى الرئيس.

خلال المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحكومة في الفترة من 23 - 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي في مدينة القاهرة، مارس السيسي هوايته المفضلة في تحويل مثل تلك المحافل إلى "مكلمة" يستعرض فيها مهاراته الخطابية واللغوية، ويبعث من خلالها رسائله المراد توصيلها للشعب، بشكل مباشر أو غير مباشر.

وعلى مدار أكثر من 180 دقيقة، كانت مدة الخطابين اللذين ألقاهما السيسي على هامش المؤتمر، تركزت كلمته فيهما على دغدغة مشاعر المصريين بشأن ضرورة الحفاظ على أمن واستقرار البلد، وأنها لن تتحمل هزة جديدة كالذي حدث في 2011 التي اعتاد تحميلها مسؤولية تفاقم الوضع الاقتصادي الحاليّ.

خطاب السيسي حاول قدر الإمكان مغازلة العقل المصري بالمشروعات المتوقع تنفيذها خلال المرحلة المقبلة، والإنجازات التي تحققت على مدار السنوات الماضية، والنقلة التي شهدتها البلاد حتى لو لم يلمسها المواطن العادي، محملًا العهود السابقة بجانب أحداث 2011 و2013 وحدها أخطاء الحاضر، في محاولة لتبرئة ساحته من أي اتهام بالمسؤولية.

وفي اتصال هاتفي أجراه الرئيس مع التليفزيون الرسمي المصري، على عكس العادة إذ كانت معظم مداخلاته التليفزيونية مع قنوات خاصة وبعضها أجنبية، أعرب عن تخوفه من دعوات التظاهر لـ11/11 قائلًا: "أليس كافيًا ما حدث للبلاد؟ لقد تركتم البلاد حتى احترقت ودُمرت"، وتابع "هذا الطريق يرعبني، أنا خائف، خائف على الأمة، فالتجربة التي مررنا بها في 2011 و2013 كانت صعبة ولا يمكن تكرارها أبدًا".

استعدادت أمنية مكثفة

شهدت الشوارع والميادين المصرية ومداخل الطرق الرئيسية الأيام الماضية تكثيفًا أمنيًا غير مسبوق، وبحسب شهود عيان فإن هناك لجانًا أمنيةً موجودةً بشكل مستمر أمام مقرات النقابات العامة والأندية للسؤال عن سبب الوجود وتفتيش الهواتف النقالة والمتعلقات الشخصية للمارة.

فعلى مدخل شارع عبد الخالق ثروت حيث نقابة الصحفيين والمحاميين وفي ميدان رمسيس والجيزة ومصطفى محمود هناك سيارات شرطية مرتكزة بشكل دائم، تستوقف المواطنين خاصة من الفئة العمرية الشبابية وتسألهم عن سبب وجودهم في المكان في هذا التوقيت، في محاولة لبث الرعب والخوف في نفوسهم من فكرة المشاركة في الاحتجاجات التي يُدعى لها.

واستبقت أجهزة الأمن 11/11 بإجراءات ثلاثية الاتجاه، بهدف وأد الاحتجاجات قبل انطلاقها، فأولًا عبر شن حملات اعتقال واسعة شملت صحفيين ونشطاء والتحقيق معهم وهو ما وثقته الجمعيات والمراكز الحقوقية، وثانيًا بنشر أفراد الأمن بشكل مكثف في جميع الطرق والميادين بملابس مدنية وعسكرية تقوم بالتفتيش المستمر للمارة، وثالثًا من خلال فرض رقابة مشددة على مواقع التواصل الاجتماعي وتتبع حسابات النشطاء بهدف ترهيبهم وملاحقتهم أمنيًا وقضائيًا بعد ذلك، كما حدث مع الصحفية منال عجرمة، نائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون الحكومية.

ما الذي تغير؟

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما الذي تغير حتى يخيم القلق على السلطات المصرية بهذا الشكل؟ وما الجديد لإعلاء نبرة الثقة على ألسنة المعارضين في إحداث التغيير هذه المرة عكس المرات السابقة؟ الإجابة بطبيعة الحال لن تخرج عن إطار"تزايد حالة الاحتقان الشعبي بسبب الأوضاع المعيشية المتدنية"، فالتضخم والأسعار وقدرات المصريين المادية المحدودة التي زجت بالملايين في آتون الفقر الذي ابتلع أكثر من 30 مليون مواطن، كلها تطورات قادرة على إخراج المصريين عن صمتهم المعتاد.

أضف إلى ذلك الأوضاع الحقوقية الكارثية، فلم يكتف النظام بإرهاق كاهل الشعب بالأوضاع المعيشية المتدهورة، بل زادها بالاعتقالات والحبس والتنكيل وهدر إنسانيته بصورة ما عاد ينكرها منصف على وجه الأرض، كل ذلك ساهم بشكل أو بآخر في بلوغ الغضب الحلقوم، والبحث عن متنفس لها قبل الوصول إلى لحظة الانفجار.

الأمر ازداد سوءًا بعد الجرح الغائر الذي تعرض له الشعور الوطني الجمعي للمصريين، فالشروخ التي أصابت جدار السيادة والاستقلالية، أدمت الشخصية المصرية بصورة لافتة، فالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير والتفريط في حق مصر في مياه النيل عبر توقيع اتفاقية 2015، واللجوء إلى الاستدانة وبيع أصول الدولة ورهن قرارها الاقتصادي، ملفات قادرة على إخراج النار المستترة تحت رماد الصبر والرضا والقناعة القهرية.

ووفق التقديرات الرسمية الصادرة عن المنظمات المالية الدولية، فإن القادم أكثر سوءًا فيما يتعلق بقدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها النقدية الخاصة بسداد القروض والفوائد بعدما وصل الدين الخارجي إلى مستويات تاريخية (157 مليار دولار)، وهو ما أصاب المواطن بحالة من الإحباط، يقينًا منه أنه وحده من سيتحمل فاتورة السداد التي تفوق قدراته التي تتراجع يومًا بعد الآخر، ما عزز لديه من شعور الانتفاضة على الوضع الحاليّ ومحاولة تغيير المشهد قبل فوات الأوان.

ما السيناريوهات المحتملة؟

بداية ينقسم الشارع المصري إزاء تلك الدعوات إلى 4 أقسام رئيسية، الأول ذلك الداعم للنظام على طول الخط ويراه الأجدر على قيادة المرحلة، وهو القسم المستفيد في الغالب من الوضع الحاليّ، ويتصدرهم المنتمون للمؤسسات الأمنية وبعض الأقباط ورجال الأعمال وإعلامي النظام وغيرهم، أما القسم الثاني فهو المضاد لهم تمامًا، وأنصاره يرون أن الإطاحة بالنظام الحاليّ هي الحل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل إغراق البلاد في مستنقع لا يمكن الخروج منه مستقبلًا.

كذلك هناك القسم الرمادي، وهي الشريحة التي تؤمن بفشل النظام وضرورة إبعاده عن المشهد لكنها ترفض أن يكون ذلك عبر ثورة جديدة أو انتفاضة ربما يكون لها انعكاسات سلبية، فيما هناك القسم الأكثر حضورًا وهو ما يطلق عليه "حزب الكنبة" ممن يراقبون الموقف عن كثب دون أي تدخل أو مشاركة، وهؤلاء في الغالب يميلون للكفة الراجحة الحاكمة أيًا كانت هويتها.

الصحفية المصرية سيلين ساري ترى أن الشعب المصري بات أمام أمرين لا ثالث لهما: إما الثورة من أجل التحرر من النظام الحاليّ أو إبقاء الوضع على ما هو عليه حيث هيمنة العسكر على المشهد، مضيفة "لكن حتى هذا لن يستمر طويلًا أمام هذا الانهيار الاقتصادي فإن آجلًا أو عاجلًا سيهرب السيسي من المشهد بعد إكمال صفقة البيع وعجزه عن الدفع لمن يحمونه" حسبما ذكرت في مقال لها.

الزخم الذي تشهده منصات التواصل الاجتماعي ربما ينبئ بشيء ما، لكن من الصعب التكهن بما يمكن أن تشهده الساعات المقبلة، وعلى الأرجح فإن الاستجابة لدعوات الاحتجاج لن تكون بالشكل المأمول الذي يحمل تغيير النظام أو زلزلة أركانه، فالواقع الاقتصادي والمعيشي المتدني يقف حائلًا أمام الكثيرين من الناقمين على السلطة الحاكمة في اتخاذ طريق الثورة كحل للتخلص من الجنرالات.

لكن في المقابل يمكن القول إن الدعوة للاحتجاج حققت أهدافها حتى إن لم يشارك العدد المأمول، فحالة القلق التي خيمت على النظام والتفاعل مع تلك الدعوات تؤكد أن حديث السلطة عن وفاة الينايريين يفتقد للموضوعية والدقة، وأن روح الثورة لا تزال باقية في نفوس الشباب المصري رغم مخططات الإجهاض على مدار السنوات الماضية، وأن جهود ترسيخ أركان النظام والمليارات التي أنفقت لأجل ذلك والتنازلات المقدمة ذهبت هباءً، ومن ثم يمكن التعاطي مع المشهد الحاليّ كأرضية ثابتة يمكن الانطلاق منها لما هو قادم، فالثورات - كما الجرائم - لا تسقط بالتقادم.