نُذُر حرب أهلية في شرق السودان

في يوليو/ تموز 2011 انفصل جنوب السودان عن بقية البلاد، وكانت التطلعات كبيرة: دولة قوية مستقرة وغنية بفضل الثروات الكثيرة التي تملكها، لكن بعد مرور 11 عامًا من ذلك التاريخ لم يرَ سكان الدولة الحديثة إلا الحروب الأهلية وعدم الاستقرار المزمن والانهيار الاقتصادي.

بعض الأطراف السودانية تريد إعادة السيناريو نفسه في شرق البلاد هذه المرة، والدفع بالمنطقة إلى الانفصال عن الحكومة المركزية وتأسيس "دولة مستقلة" هناك، خاصة أنها تتمتّع بخيرات كثيرة والظروف مواتية لذلك، وفق قادة "حراك الانفصال".

تفعيل حق تقرير المصير

في خطوة منتظرة، أعلنت الأمانة السياسية لمجلس نظارات البجا والعموديات المستقلة في دولة السودان عن تفعيل حق تقرير المصير، كما أعلنت نفسها حكومة مؤقتة لشرق السودان، إذ قال المجلس في تعميم صحفي: "رفضًا لمماطلة الخرطوم في تنفيذ مطالب شعبنا وإصرارها على إقصاء شعبنا، وعملًا بالحق المكفول لكل شعوب العالم في تقرير المصير، فإن المجلس الأعلى للبجا - الأمانة السياسية يعلن أنه السلطة السيادية المعترف بها لدى شعب الإقليم والمفوضة رسميًّا من هذا الشعب في عقد اجتماع مشهود في سنكات".

مجلس نظارات البجا أشار أيضًا في بيانه إلى أن الهيئة العليا له تعتبر نفسها برلمانًا تشريعيًّا عرفيًّا لإقليم شرق السودان، مؤكدًا عدم المشاركة في أية تسوية أو حكومة قبل إلغاء مسار الشرق في اتفاق سلام جوبا، وذلك قبل توقيع أي اتفاق مع حكومة السودان في منبر تفاوضي منفصل.

تبدو مسألة الانفصال عن حكومة الخرطوم غير واقعية في الوقت الحالي، فلا اتفاق في خصوصها.

إلى جانب ذلك، قرر المجلس عدم المشاركة في أي تحالف مركزي لا يستصحب قضيتهم، وأعلن أن "اللجنة السيادية لتقرير المصير بلجانها المتخصصة هي الحكومة الوزارية التنفيذية المؤقتة للإقليم، وأن الملكية العرفية للأرض هي أساس ملكية الأرض في الإقليم إلى حين قيام سلطة تداولية دائمة".

كما أكّد مجلس نظارات البجا عدم اعترافه بحكومة الخرطوم، ولا بأي سلطة أو مؤسسة أو إدارة مركزية أخرى تضع يدها على موارد الشرق وثرواته وحرياته الطبيعية، قبل التوصل إلى اتفاق بين سلطة الإقليم وحكومة السودان، وفق قوله.

ليس هذا فحسب، أكّد المجلس أيضًا "حق سلطة الإقليم المؤقتة في إقامة مؤسسات حكم ذاتي متعددة للحكم والإدارة وتصريف الأمور، وبناء قوات عسكرية نظامية للدفاع عن الشعب وعن الحقوق، وللقيام بالدور الأمني والشرطي بالإقليم".

وأشار المجلس إلى استعداده لقتال الحكومة المركزية، في سبيل تحقيق انفصال الشرق عن السودان، مستندًا في ذلك إلى قرارات مؤتمر سنكات المصيري للبجا 2020، القائمة على الحكم الذاتي على أساس الأرض والثقافة.

ويرى عدة مسؤولين في شرق السودان أن منطقتهم ضحية إهمال الحكومة المركزية، وأن مكاسب الإقليم السياسية والاقتصادية قد ضاعت، ما يحتّم عليهم الانفصال وتأسيس دولة جديدة على غرار ما حدث في جنوب البلاد عام 2011.

خلافات كبيرة

رؤية مجلس نظارات البجا ليست محل إجماع في جهة الشرق ولا في المجلس أيضًا، فالعديد من القادة والمسؤولين يرون ضرورة الحوار مع الحكومة المركزية واستبعاد مسألة الانفصال وتقرير المصير في الوقت الحالي، إذ ترك رئيس مجلس البجا، الناظر محمد الأمين، المجلس في أغسطس/ آب الماضي، وجمّد نشاطه فيه بعدما اتهم بعض أعضاء مكتبه القيادي بمحاولة اختطاف المجلس والتعبير باسمه من دون تفويض، ما يؤكد حجم الانقسام داخل المجلس.

 

كما أن "الجبهة الشعبية" لا تتبنّى الموقف نفسه ولا ترى في الانفصال حلًّا لمشاكل الشرق، وكانت الجبهة ضمن الأطراف التي وقّعت اتفاق مسار شرق السودان، في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، إلى جانب الحكومة ومؤتمر البجا.

ونصَّ الاتفاق حينها على تنفيذ برامج تنموية في الإقليم، وتحديد نِسَب لمشاركة الشرق في حكومة المركز والولايات الثلاث المكوِّنة لشرق السودان، وهي البحر الأحمر وكسلا والقضارف، إلا أنه لم يجر تطبيقه بعد.

جدير بالذكر أن المجلس الأعلى لنظارات البجا كان من بين الأطراف التي أفشلت الاتفاق، إذ عارضت مكوناته هذا الاتفاق من أصله، بحجّة أنه لا يمثل أهالي الإقليم ومصالحهم، وتصدّرت قبيلة الهدندوة مساعي ضرب المسار.

يُذكر أنه تمّ تعليق اتفاق "مسار شرق السودان" من قبل محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، في منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى حين "توافق أهل الشرق"، وذلك بعد التشاور مع أطراف الحكومة والوساطة.

كما يعارض تحالف القوى السياسية والمدنية توجهات مجموعة نظارات البجا، وهو من مؤيّدي مسار الشرق، وسبق أن حذّر من أن "الصراع الموجّه" في شرق السودان قد يؤدي إلى حرب أهلية، في وقت يشهد فيه الإقليم استقطابًا قَبَليًّا حادًّا.

ويعرف الإقليم بين الحين والآخر احتجاجات كبرى وغلق لمؤسسات الإنتاج والمؤسسات الاقتصادية، من ذلك ما قام به مجلس البجا الشهر الماضي، حيث نفّذ إغلاقًا شاملًا للموانئ على ساحل البحر الأحمر والطرق البرّية والمطار والسكة الحديدية.

تعتبَر مسألة الانفصال واحدة من أدوات الابتزاز السياسي التي تمارسها بعض المكونات القَبَلية في شرق السودان لتحقيق أهدافها الشخصية.

يبلغ عدد سكان شرق السودان نحو 6 ملايين نسمة، نصفهم من قبائل البجا، وهي جماعات رعوية بالأساس من الشعوب غير العربية، تشمل قبيلة الهدندوة (يعيش بعضهم في إريتريا)؛ والأمرار الذين يقيمون في ولاية البحر الأحمر؛ والبني عامر الذين يقيمون في كل من السودان وإريتريا والبشارية.

كما تقيم في الشرق عدة قبائل عربية مثل قبيلة الشكرية، وهي قبائل نيلية، والرشايدة وهم بدو رحّل، ويرتبط معظم سكان الشرق بحركة الهجرة الوافدة من غرب ووسط أفريقيا مثل جماعات الهوسا والزرما.

ويضم إقليم شرق السودان 3 ولايات، هي البحر الأحمر وكسلا والقضارف، ويعتبر استراتيجيًّا كونه يحدّ إريتريا ومصر وإثيوبيا، ويمتد فيه ساحل على البحر الأحمر طوله 714 كيلومترًا، توجد عليه مرافئ نفطية.

كما يضمّ الإقليم 5 أنهار، وأكثر من 3 ملايين ونصف مليون هكتار من الأراضي الزراعية، وتشكّل هذه الموارد عناصر مهمة لبلاد تعاني من اقتصاد متداعٍ نتيجة سنوات الحكم الطويلة وسوء الإدارة والعقوبات في عهد الرئيس السابق، عمر البشير، الذي أُطيح به عام 2019.

مصالح شخصية وتدخُّلات خارجية

تبدو مسألة الانفصال عن حكومة الخرطوم غير واقعية في الوقت الحالي، فلا اتفاق في خصوصها، كما أن الشرق غير مؤهّل لذلك في الوقت الحالي، وما الدعوات للانفصال وقرار تشكيل حكومة وبرلمان بعيدًا عن الخرطوم إلا جسّ نبض وتحسين شروط التفاوض.

 

كما تعد مسألة الانفصال واحدة من أدوات الابتزاز السياسي التي تمارسها بعض المكونات القَبَلية في شرق السودان، لتحقيق أهدافها الشخصية وليس مصلحة مجتمعاتها، إذ تسعي بعض الزعامات القَبَلية لتنمية مكانتها وتعزيز حضورها في المشهد السوداني، أملًا في الاستفادة من الامتيازات التي تتوفر في الإقليم، حيث يضمّ ميناء بورتسودان التي تعتبَر بوابة التجارة الخارجية، إضافة إلى عدد من المشاريع الزراعية المروية واسعة النطاق، عدا عن مكانته الجغرافية المتميزة. وذلك إلى جانب التدخلات الخارجية التي تدفع نحو مزيد من الفوضى في المنطقة، وتضغط نحو انفصالها واستقلالها بعيدًا عن حكومة الخرطوم المركزية.

تنذر هذه التطورات بحرب أهلية قادمة إن لم يتم تدارك الأمر في أقرب وقت ممكن، فالأيدي الأجنبية لن يهدأ لها بال إن لم تحقق ما تريد، ما سيضعنا أمام سيناريو النيل الأزرق الذي انتهى بكارثة إنسانية راح ضحيتها المئات من القتلى.