تواصل الجزائر وتركيا العمل على توسيع شراكتهما الاستراتيجية، وتنويعها لتشمل مختلف المجالات، وبالخصوص في القطاع الاقتصادي الذي أصبح النفط والتعدين يشكّلان أحد أساسياته في الفترة الأخيرة، وتعزز بالتفاهم على إنشاء شركة مشتركة للتنقيب عن النفط والغاز، ستمتّن التعاون الوثيق بين البلدَين.

وبهدف الوصول إلى تبادل تجاري يقدَّر بـ 10 مليارات دولار، تسعى الجزائر وأنقرة إلى الاستفادة من كل الفرص المتاحة لتحقيق هذا المبتغى وفق مبدأ رابح-رابح، لتكون هذه الشراكة مختلفة عن باقي الشراكات التي تقيمها الجزائر مع دول أخرى.

تطور لافت

احتضنت العاصمة الجزائر قبل أيام المؤتمر الجزائري الثاني للاستثمار الذي كانت تركيا ضيف شرفه، ومثّلها فيه وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، فاتح دونماز، برفقة عدد من رجال الأعمال من بلاده.

ورغم أن المؤتمر كان مفتوحًا لكل القطاعات، إلا أن البلدَين فضّلا أن يكون قطاع الطاقة المجال الأمثل لتعاونهما في الوقت الحالي، بالنظر إلى الوضع الدولي الذي فرضته الحرب في أوكرانيا، والتي جعلت البلدَين لاعبَين أساسيَّين في التطورات الطاقوية الحاصلة، فالجزائر أصبحت الخيار المفضّل للأوروبيين للحدّ من التبعية للغاز الروسي، أما تركيا فأصبحت الفاعل الأساسي في وساطة المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا.

وقال فاتح دوماز إن تركيا والجزائر تعتزمان تأسيس شركة مشتركة للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، دون أن يقدم تفاصيل كثيرة عن طبيعة هذه الشركة.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شكّل التعاون في مجال الطاقة محور مكالمة هاتفية بين الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، ونظيره التركي، رجب طيب أردوغان، الذي أعلن أن أنقرة ترغب في زيادة التعاون مع الجزائر في "مجال الطاقة، لا سيما الغاز الطبيعي، كما هو الحال في جميع المجالات الأخرى".

ومع تزايُد مشاكل إمدادات الطاقة على المستوى العالمي، كثّفت أنقرة من جهودها لتأمين إمداداتها من الطاقة وتنويع مصادرها، حيث لم تعد تكتفي بالغاز القادم من روسيا وإيران، بل أمضت عقودًا مع دول أخرى منها الجزائر وأذربيجان، والتي ارتفعت كمّيتها من 26% عام 2009 إلى نحو 36% العام الماضي.

وأعلن وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب، في يناير/ كانون الثاني 2020 أن بلاده وقّعت عقدًا لتجديد تزويد تركيا بالغاز الطبيعي يستمر حتى عام 2024، وكان البلدان قد اتفقا عام 2019 على تجديد عقود توريد الغاز الجزائري إلى تركيا لمدة 5 سنوات، اعتبارًا من أكتوبر/ تشرين الأول 2019 حتى الفترة نفسها من عام 2024، ورفع الكميات المصدّرة إلى 5.4 مليارات متر مكعب سنويًّا التي كانت تقدَّر قبل عام 2019 بـ 4 مليارات متر مكعب سنويًّا.

بحسب الوزير عرقاب، تستحوذ الجزائر على 38% من سوق الغاز التركي.

وخلال انعقاد أشغال الدورة الـ 11 للجنة الحكومية المشترَكة الجزائرية التركية في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، التي ترأّسها وزيرا طاقة البلدَين، دعا عرقاب المؤسسات التركية للمشاركة بـ"قوة" في مساعي بلاده لتطوير قدراتها الإنتاجية من الطاقة، وتثمين الموارد المنجمية.

وقال عرقاب إن الشركات التركية مدعوّة للمشاركة في عدة مجالات، من بينها تطوير إنتاج الكهرباء من مصادر متجدّدة، ونشر الشبكات الذكية على نطاق واسع، وعصرنة النظام الكهربائي الجزائري. وأكّد الوزير الجزائري أن بلاده ملتزمة نحو تركيا فيما يتعلق بإمدادها بالطاقة، خاصة أنها تعدّ أول مصدر لتركيا من الغاز الطبيعي المميَّع، ورابع مصدر من الغاز البترول المميَّع.

وتختلف الشراكة الجزائرية مع تركيا عن باقي الدول بأنها استثمار متبادل تُرجَم من خلال الشراكة بين سوناطراك والشركة التركية رونيسانس، إلى إنجاز مركّب إنتاج البولي بروبلين بقيمة 1.4 مليار دولار في مدينة جيهان بمنطقة أضنة التركية.

التعدين

أصبح الاستثمار التركي في الجزائر في مجال التعدين يشكّل أنموذجًا للاستثمار الأجنبي الناجح، من خلال مصنع الحديد والصلب في بلدية بطيوة بولاية وهران الذي أطلقه أردوغان عام 2013 حين كان وزيرًا أولًا، حينما كانت تركيا تأمل في رفع استثماراتها بالجزائر إلى 1.5 مليار دولار على الأقل، وهو المشروع الذي عاد أردوغان لافتتاحه رسميًّا عام 2014، والذي أنجزته شركة "توسيالي آيرون أند ستيل" التركية.

وتصل القدرة الإنتاجية لمصنع وهران 1.25 مليون طن سنويًّا، وهو أكبر استثمار لتركيا خارج أراضيها، حيث تشير بطاقته التقنية إلى توفير 1000 وظيفة مباشرة و3500 وظيفة غير مباشرة في المنطقة، في حين بلغت تكلفته 750 مليون دولار. وانطلق المصنع في مرحلة الإنتاج الفعلي عام 2017، وبلغ إنتاجه في عام 2020 نحو 2.23 مليون طن من مختلف المنتجات الحديدية، ويوظف 3800 عامل.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، فازت شركة توسيالي بجائزة "أفضل مصدّر" خارج قطاع المحروقات في الجزائر للعام 2021 التي يمنحها مركز التجارة الدولي بالجزائر، وذلك بعد أن حققت الشركة التركية الجزائرية صادرات قاربت 900 مليون دولار عام 2021.

تنص الاتفاقية على توجيه خامات الحديد التي ستستخرَج من هذين المنجمَين إلى مصانع في الجزائر كمادة أولية لإنتاج الحديد.

وقال الرئيس التنفيذي لتوسيالي الجزائر، إبراهيم إلكيبوجا، إن مؤسسته تطمح لبلوغ 1.4 مليون طن من صادرات منتجات الحديد والصلب في عام 2022، وبلوغ 1.2 مليار دولار، من قرابة 1.2 مليون طن في عام 2021.

ولفت إلكيبوجا إلى أن توسيالي الجزائر تعمل على تنفيذ توسعة للمصنع لإنتاج مسطحات الصلب سيدخل مرحلة الإنتاج في مايو/ أيار 2024، بقدرة إنتاجية تقدَّر بمليونَي طن في السنة، ما سيسمح بتلبية الطلب المحلي والتصدير.

ونهاية سبتمبر/ أيلول الماضي جرت محادثات بين وزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب، ورئيس مجلس إدارة شركة توسيالي التركية، فؤاد توسيالي، حول فرص الاستثمار في منجم غار جبيلات للحديد الصلب بولاية تندوف جنوب غرب الجزائر، حيث تركزت المحادثات حول تموين مصنع توسيالي بوهران بخامات حديد منجم غار جبيلات، وأفاد بيان لوزارة الطاقة أنه تمَّ الاتفاق على إعداد دراسة فنية وتجارية حول إنشاء مصنع لمعالجة خامات حديد منجم غار جبيلات.

وساهم نجاح تجربة توسيالي في توسيع التعاون بين البلدَين في مجال التعدين، ففي يوليو/ تموز الماضي وقّع مجمع مناجم الجزائر وشركة أوزمرت التركية اتفاقية لتخصيب خامات الحديد في منجمَي الونزة وبوخضرة بولاية تبسة شرقي الجزائر، بحجم إنتاج 7 ملايين طن سنويًّا وباستثمار 170 مليون دولار.

وتنشط شركة أوزمرت بالجزائر منذ عام 2007 عبر مصنع لإنتاج الصلب بسعة 500 ألف طن سنويًّا من الفولاذ السائل في منطقة عين تموشنت (غرب)، وتطمح إلى إنتاج مليون طن سنويًّا.

وتنص الاتفاقية على توجيه خامات الحديد التي ستستخرَج من هذين المنجمَين إلى مصانع في الجزائر كمادة أولية لإنتاج الحديد، حيث سيتم بيع خامات الحديد من مجمع مناجم الجزائر أو الشركات التابعة له لفرع شركة أوزمرت في الجزائر بحجم 100 ألف طن عام 2022، على أن تصل الكمية 500 ألف طن عام 2028.

وسيحاول الجانبان تطوير هذا الاستثمار مستقبلًا إلى تخصيب خامات الحديد، بإنتاج مركّزاته المتمثلة في إنتاج كريات خامات الحديد من خام مخصّب أو مركّز، وإنتاج المنتجات شبه المصنّعة، وتسويق المنتجات بما في ذلك التصدير.

علاقات استراتيجية

يعكس توسيع التعاون الجزائري التركي إلى قطاعَي الطاقة والتعدين باستثمارات ضخمة طبيعة الشراكة الاستراتيجية التي تربط البلدَين، والتي تُرجمت في زيارات ومشاورات دورية بين مسؤولي البلدَين في مقدمتهم الرئيسَين تبون وأردوغان.

وفي الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيسان الشهر الماضي، قالت الرئاسة الجزائرية إن تبون وأردوغان تطرّقا في مكالمة هاتفية إلى العلاقات الثنائية الجيدة التي تربط البلدَين، ومسائل تهم الشعبان الصديقان، وأشارت إلى أن أردوغان هنّأ تبون على نجاح الجزائر في تنظيم مؤتمر لمّ الشمل لتحقيق الوحدة بين الفصائل الفلسطينية.

يظهر حجم التعاون الجزائري التركي على الدوام في عدد الاتفاقات الموقعة خلال الزيارات المتبادلة لمسؤولي البلدَين، والتي وصلت إلى 15 اتفاقية تعاون.

أما أردوغان فرحّب بالمستوى الاستثنائي الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدَين الشقيقَين نتيجة الجهود المشتركة، معربًا في الوقت ذاته عن شكره تبون على الخطوات الصادقة التي اتخذها في مكافحة تنظيم كولن الذي تصنّفه تركيا ضمن "التنظيمات الإرهابية".

ويعمل البلدان على تقديم الدعم لبعضهما كلما سنحت الفرص الدبلوماسية، متفهّمَين في الوقت ذاته علاقات كل بلد ومصالحه، فعلى سبيل المثال لم يشكّل اختلاف وجهتَي نظرهما للأزمة السورية صدامًا بينهما.

وبرز هذا التضامن جليًّا في الحضور التركي في تنظيم الجزائر للألعاب المتوسطية الصيف الماضي، من خلال حضور نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي.

والأحد الماضي سارعت الجزائر إلى إعلان تضامنها مع تركيا بعد الهجوم الإرهابي الذي وقع في منطقة تقسيم بإسطنبول، وجاء في بيان لوزارة الخارجية أن الجزائر تتقدّم بتعازيها لأسر الضحايا، معربة عن تضامنها التام مع الجمهورية التركية، قيادة وحكومة وشعبًا، في هذه الظروف الأليمة. 

وأضاف البيان أن "الجزائر التي عانت من ويلات الإرهاب وانتصرت عليه، تظل على يقين أن الجمهورية التركية الصديقة قادرة على التغلب على هذه الآفة، بفضل وحدة وصمود شعبها والتفافه حول جهود قيادته الرامية للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها".

ويظهر حجم التعاون الجزائري التركي على الدوام في عدد الاتفاقات الموقعة خلال الزيارات المتبادلة لمسؤولي البلدَين، والتي وصلت إلى 15 اتفاقية تعاون خلال الزيارة التي قام تبون بها في مايو/ أيار الماضي إلى أنقرة، والتي شملت مختلف القطاعات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.