قبل أن تدق ساعة منتصف الليل، تجهزت الطائرات التركية الحربية من قاعدة مدينة ديار بكر وأقلعت باتجاه مناطق وجود "حزب العمال الكردستاني" و"قوات سوريا الديمقراطية" في سوريا والعراق، قصفت أسراب الطائرات هذه المواقع العسكرية للوحدات الكردية وأوقعت خسائر طالت جيش النظام السوري، وفي أول تصريح لها قالت وزارة الدفاع التركية: "جاء وقت الحساب".

ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها الطائرات التركية مواقع الميليشيات الكردية في سوريا والعراق، لكن هذه الضربات تأتي بعد أسبوع على تفجير منطقة تقسيم بإسطنبول الذي راح ضحيته 6 قتلى بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى عشرات الجرحى الذين ما زال البعض منهم يتلقى علاجه، وكشفت التحقيقات التركية أن هذا التفجير ارتكبه أشخاص تدربوا على أيدي الميليشيات الكردية في مناطق سورية.

وفي صباح اليوم استكملت الطائرات التركية المسيرة هجومها على المواقع الكردية في منطقة عين العرب، حيث قصفت بثلاث غارات تلة مشتنور، ووفقًا لـ"المرصد السوري لحقوق الإنسان" فقد بلغت حصيلة قتلى التنظيمات الكردية 9، بينما بلغت حصيلة قتلى قوات النظام 6، بالإضافة إلى وجود 30 جريحًا من الطرفين، وقد أحصى المركز أكثر من 25 غارة جوية تركية أصابت المواقع العسكرية وأشار إلى أن عدد القتلى مرشح للارتفاع.

ا

أطلقت وزارة الدفاع التركية اسم "مخلب السيف" على عمليتها هذه، وأعلنت الوزارة أن قواتها شنت عملية جوية ضد التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، واستندت هذه العمليات إلى "المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على الحق المشروع في الدفاع عن النفس"، بحسب ما أشار البيان، وكسابقاتها فإن العملية تهدف إلى "ضمان أمن الحدود ومنع أي هجمات إرهابية تستهدف الشعب التركي والقوات الأمنية واجتثاث الإرهاب من جذوره، عبر تحييد التنظيمات الإرهابية: بي كي كي وكي جي كي وواي بي جي، وغيرها.

إضافة إلى التنظيمات الكردية، فقد استهدفت الغارات الجوية التركية مواقع للنظام السوري موجودة في ذات الأماكن، وقد ذكرت مواقع تركية أن المناطق المستهدفة توزعت على سبع مدن وبلدات سورية وثلاث عراقية، وهي: بيلونية وشيخ عيسى في تل رفعت وقلعة شوارغة قرب عفرين وصومعة ضهر العرب شمال شرق ناحية "زركان" الحسكة، بالإضافة إلى مواقع في دهوك والسليمانية وسنجار وجبال قنديل.

وفتحت المدفعية التركية المنتشرة على الحدود مع سوريا نيرانها لتستهدف الميليشيات الكردية بدورها، وبحسب وسائل الإعلام التركية فإن تركيا نسقت مع روسيا من أجل هذه الضربات، حيث تم فتح المجال الجوي السوري الذي تسيطر عليه موسكو أمام الطائرات الحربية التركية لأول مرة منذ سنوات.

أشرف وزير الدفاع التركي على سير العمليات من مركز عمليات القوات الجوية، وقال الوزير أكار: "هدفنا ضمان أمن 85 مليون مواطن وحدودنا، والرد على أي هجوم غادر على بلدنا"، وأكد الوزير أن "العملية التي نفذت ضد أهداف إرهابية في شمال العراق وسوريا منذ منتصف الليل تم التخطيط لها بعناية وتنفيذها بنجاح"، وبحسب الوزير آكار فإن العملية "دمرت الملاجئ والمخابئ والكهوف والأنفاق والمستودعات التابعة للإرهابيين بنجاح كبير". 

ونشرت مواقع تركية صورًا لوزير الدفاع التركي وهو يطلع الرئيس التركي على مجريات العملية، وقالت صحيفة "مليت" التركية إن أردوغان من أعطى أوامر البدء بالعملية، وأضاف الوزير التركي "نحن مصممون وقادرون على إنقاذ بلدنا وأمتنا من ويلات الإرهاب التي ابتليت بها بلادنا وأمتنا على مدار 40 عامًا. لم نترك دماء شهدائنا وأبريائنا على الأرض".

العملية المعلقة

أعاد تفجير منطقة تقسيم الحديث التركي عن إطلاق عملية عسكرية في شمالي سوريا للقضاء على "منابع الإرهاب" التي تهدد تركيا وأمنها، هذه العملية التي أخذت حيزًا كبيرًا من الحديث منذ أشهر، لكنها لم تتم، فأنقرة علّقت العملية وفقًا لما يقول الكاتب والباحث بالشأن التركي سعيد الحاج، الذي يشير في مقال له قائلًا: "ما حصل حتى اللحظة هو تعليق العملية إفساحًا للمجال لخيارات أخرى "يمكن" أن تحقق أهداف العملية دون جهد عسكري مباشر، وبالتالي فإن فشل هذا المسار سيعيد أنقرة للمربع الأول وربما بحجة أقوى في مواجهة روسيا تحديدًا، من وجهة النظر التركية".

وقد أوضح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غير مرة أهداف التحرك العسكري الحاليّ داخل سوريا بأنه استكمال لمشروع المنطقة الآمنة الذي اقترحته تركيا منذ سنوات، وقد صرح الرئيس التركي قائلًا: "ليس هناك داعٍ للاستعجال، نحن نعمل بالفعل في تلك المنطقة في الوقت الحاليّ وقواتنا تعمل حاليًّا في شمالي العراق، وفي عفرين شمالي سوريا، والعملية الجديدة ستجري حينما يحين الوقت المناسب".

حينها قال أردوغان: "نعمل على شنّ عملية ستكون أكبر من العمليات التي قمنا بها بشكل تدريجي، وسننفّذها في الوقت المناسب"، لكنه لم يحدد وقتًا لها، وكان من أهم أهداف العملية العسكرية المعلقة السيطرة على مدن تل رفعت ومنبج بشكل أساسي وعين العرب "كوباني" إضافة إلى مدينة عين عيسى وهي مناطق الاستهداف التركي الآن، وكل هذه المناطق واقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بالإضافة إلى انتشار عناصر "بي كي كي" العدو الأبرز لتركيا، ومع ذلك تتمتع هذه المناطق بوجود روسي وأمريكي في بعض النقاط، وكل ذلك بحسب التفاهمات بين الوحدات الكردية والأطراف الأخرى.

وفي تصريحاته الأخيرة قال أردوغان خلال مشاركته في قمة "مجموعة العشرين" التي عقدت بإندونيسيا إن بلاده ستواصل "بكل حزم تنفيذ إستراتيجيتها في القضاء على خطر الإرهاب من جذوره، وأنها تنتظر من جميع أصدقائها وحلفائها أن يدعموا، بصدق، نضالها المشروع في مكافحة الإرهاب" وذلك في رده على تفجير تقسيم.

بعد تصريحات أردوغان تلك، قالت القنصلية الأمريكية في أربيل بإقليم كردستان العراق: "تراقب تقارير موثوقة ومفتوحة المصدر، عن عمل عسكري تركي محتمل في شمال سوريا وشمال العراق خلال الأيام المقبلة"، وأضافت "تواصل حكومة الولايات المتحدة تقديم النصيحة الشديدة لمواطني الولايات المتحدة لتجنب هذه المناطق".

في هذا الإطار قال الخبير التركي في مجال الإرهاب والأمن، جوشكون باشبوغ: "العملية ليست مفاجأة بالنسبة لتركيا، كانت هناك مؤشرات قوية"، وأشار جوشكون إلى أن أردوغان أبلغ الولايات المتحدة أن العملية ستتم خلال قمة أندونيسيا، وأضاف الخبير التركي "نحتاج إلى اتخاذ الاحتياطات"، مؤكدًا "لسنا في وضع يسمح لنا بالحصول على إذن من أي مكان، نحن نعلم بالضبط ما يحدث".

تحذير كردي

وفي رده على الهجمات التركية، كتب مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد": "القصف التركي على مناطقنا الآمنة يهدد المنطقة برمتها وليس لصالح أي طرف"، كما أكد أن "القوات الكردية تبذل جهودها كي لا تحدث فاجعة كبرى"، مضيفًا "إن اندلعت الحرب، فسيتأثر الجميع بنتائجها، لا سيما أن الهجمات لن تكون محدودة في المناطق التي تتعرض الآن لقصف عدواني همجي"، وفق تعبيره.

ل

ونقل تليفزيون سوريا أن قوات "قسد" أخلت مواقع عسكرية على طول الشريط الحدودي مع تركيا شمال سوريا بعد استهداف الطيران التركي لعدة مواقع عسكرية شمال البلاد، وتلقت "قسد" تحذيرات جدية من قوات التحالف الدولي قبل أيام تفيد بإمكانية شن تركيا هجمات جديدة في مناطق شمال شرق سوريا.

وأشارت مصادر من "قسد" إلى أن استهداف الطيران التركي لمقرات عسكرية لقيادة "قسد" سيتجدد خلال الأيام القادمة، مستبعدًا شن الأخيرة لهجوم بري في الوقت القريب، وحظرت "قسد" على قياديها التحرك بسيارات عسكرية على طول الطريق الواصل بين المالكية والدرباسية والالتزام بالبقاء في المواقع الآمنة.

وفي مدينة عين العرب "كوباني" نقلت "قسد" كبار قادتها إلى مواقع تبعد عن الحدود التركية أكثر من 30 كيلومترًا، فيما نقلت آخرين بشكل مؤقت إلى مدينة الرقة.