عدتها مَلحَمة جِلجامِش الشهيرة (ملحمة شِعرية من آداب بلاد الرافدَين، وتعدّ واحدة من أقدم الأعمال الأدبية السومرية العظيمة خلال قرون ما قبل الميلاد) "أرض الخلود"، فيما وصفها مؤرّخون بأنها الجنة التي بدأ فيها الخلق، وهي واحدة من أعرق الحضارات والممالك القديمة، إنها حضارة دلمون الخالدة.

نشأت تلك الحضارة في الفترة ما بين 2800 و323 قبل الميلاد، وتمتدّ بطول الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية من الكويت عند جزيرة فيلكا، حتى حدود حضارة مجان في سلطنة عمان وحضارة أم النار في إمارة أبوظبي بدولة الإمارات، وكانت نقطة الوصل وحلقة الربط الرئيسية ما بين الطُّرق التجارية القديمة الشرقية والغربية.

كان سكانها الأوائل من الساميين ممّن عاشوا في المنطقة الوسطى من شبه الجزيرة العربية، وظهر اسمها أكثر من مرة في العديد من الحضارات القديمة كالحضارة الآشورية والسومرية والبابلية والأكادية، ما يؤكد على ثقلها التاريخي وأهميتها الاستراتيجية بين كبرى الحضارات في ذلك الوقت.

توثّق دلمون لتاريخ مملكة البحرين قبل 5 آلاف عام، ولا تزال بعض معالمها الحضارية حاضرة حتى اليوم ومن أبرزها قلعة البحرين، والقبور التلالية، والجداريات الفنية ذات الجمال الخلّاب، إضافة إلى العديد من الآثار الأخرى التي تزيّن جنبات متحف البحرين.

أرض الفردوس وموطن الآلهة المقدسة

بحسب الملحمة السومرية القديمة، كُتب على جدران بابل إن مملكة دلمون هي أرض طاهرة نظيفة نقية، لا عدوان فيها ولا أمراض ولا أوبئة، كما أن الحيوانات التي تحيا بها لا يفترس بعضها بعضًا، فهي مبرَّأة من كل سوء، وبعيدة كل البُعد عن الشحناء والبغضاء والتلاسن والحروب، ومن هنا اكتسبت أهميتها المقدسة.

وجاء اسم "دلمون" وفق الوثيقة التاريخية التي تعود إلى أيام الملك السومري أور-نانش (2550-2500ق.م) مرادفًا لاسمين آخرين هما ماكان وملوخا، حيث كان يعتقد أن هذين الاسمَين كانت تسمّى بهما بلاد البحرين قبل أن يطلَق عليها "دلمون".

مع الوضع في الاعتبار أن البحرين كانت تسمّى بالعديد من الأسماء الأخرى عبر العصور القديمة، منها نيدوك كي عند الأكاديين وتايلوس عند الفينيقيين، وصولًا إلى البحرين عند الفرس ثم أوال عند المسلمين. 

من الأساطير عن دلمون أن المرأة لا تصبح فيها عجوزًا، كما أن مياهها دائمة عذبة ولا يفترس الأسد فيها الحمل، فيما لا ينعق الغراب مطلقًا

وفي النصوص السومرية تُوصف دلمون بأنها "أرض الآلهة المقدسة"، إذ كانت مقام إله المياه عند السومريين إنكي وزوجته نينورساك، هذا بجانب آلهة أخرى منها كبيرة الآلهة السومرية إنانا، والتي اختارت دلمون لتكون موطنها الأصلي قبل أن تنتقل بعد ذلك إلى عاصمة السومريين القديمة أور، التي أقامت فيها معبدها الشهير المعروف باسم "بيت دلمون".

أما عن أصل وصفها بـ"أرض الخلود"، فتشير "ملحمة جلجامش" إلى أن إله المياه إنكي حين نجا من الطوفان العظيم اختار أرض دلمون ليعيش عليها هو وزوجته، وهناك اكتشف زهرة بيضاء في قاع بحرها، وأن تلك الزهرة تحمل سرّ الخلود، وحين كشف الإله سرّ تلك الزهرة للبطل السومري جلجامش توجّه فورًا إلى دلمون للحصول على تلك الزهرة، إلا أن حية شريرة سبقته إليها، وفق ما تقول الأسطورة الملحمية، لذا سُمّيت أرض الخلود وأحيانًا الفردوس.

نقش نذري للملك لكش : تقول إحدى النقوش: «كانت القوارب من أرض دلمون تحمل الخشب »، وهو أقدم سجل مكتوب معروف عن دلمون والاستيراد البضائع في بلاد ما بين النهرين
نقش نذري للملك لكش: تقول إحدى النقوش: "كانت القوارب من أرض دلمون  تحمل الخشب"، وهو أقدم سجل مكتوب معروف عن دلمون والاستيراد في بلاد ما بين النهرين

لم تبعد تلك الأسطورة بما تضمّنته من تأصيل لقدسية دلمون كثيرًا عمّا وثّقه المؤرّخون المعاصرون، ففي عام 1922 قدم الباحث والمؤرّخ النمساوي، إدوارد غلاسر، مقترحًا قال فيه إن "جنة عدن" المذكورة في الرواية الإنجيلية والتوراتية تقع داخل حضارة دلمون في شرق الجزيرة العربية، وهو الرأي ذاته الذي توصّل إليه الباحث الأمريكي جوريس زارينز والمتخصص بآثار الشرق الأوسط أيضًا، والذي سجّل اعتقاده بأن "جنة عدن" كانت تقع في دلمون على رأس الخليج العربي.

ومن بين ما ذكرته الأساطير عن دلمون أن المرأة لا تصبح فيها عجوزًا، كما أن مياهها دائمة عذبة ولا يفترس الأسد فيها الحمل، كما لا ينعق الغراب مطلقًا، بجانب أنها أرض القمح والحبوب، وميناء العالم وملتقاه الأكبر، علاوة على أنها حلقة الوصل بين الملك والآلهة، وهي المملكة الوحيدة التي كانت تحكمها آلهة في صورة ملوك.

تاريخ قديم

بحسب ما هو مدوّن على جدران معابد بابار وفي مدافن عالي في البحرين التي تعدّ أقدم مدافن في التاريخ وأم الجدر، من شواهد ورسوم، فإن الحياة في أرض البحرين بدأت منذ أوائل الألف السادس قبل الميلاد، تلك المرحلة التاريخية التي تعرَف بـ"العصر الحجري الحديث" الذي يسبق العصر البرونزي، أما توثيق حياة الإنسان المدني بكافة جوانبها فيعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.

ففي تلك المرحلة شيّد الإنسان فوق تلك الأرض بيوتًا من الحجر ودشّن قرى وتجمعات سكنية، هذا بجانب تشابك علاقاته التجارية مع شعوب الهندوس وبلاد ما بين النهرين، وتشير الأساطير التي تعدّ أحد المصادر التاريخية المهمة التي يعتمَد عليها لتأريخ فترة ما قبل الميلاد، إلى أن المعابر التي كانت موجودة في دلمون لها نفس خصائص المعابد السومرية التي تعود إلى العصر البرونزي 2800ق.م، الأمر كذلك مع المدافن، ما يعني وجود علاقة وطيدة بين دلمون وحاضرة السومريين حسبما نشرته الدراسات التي أُجريت على معابد بابار. 

يشير المؤرّخون إلى أن مملكة دلمون مرّت خلال فترة بقائها (2800-323ق.م) بـ 3 مراحل تاريخية رئيسية متعاقبة زمنيًّا

وفي ضوء الشواهد السابقة، يكشف المؤرّخون أن حضارة دلمون تشكّلت بصورة مكتملة في عام 2700ق.م، وأنها كانت متقدمة روحيًّا وماديًّا، وأن ذلك أهّلها للتشابك مع حضارات أخرى عريقة كالهندوسية والسومرية، وأنها ظلت واحدة من الحضارات المستقرة والمتّزنة والثابتة، رغم الصراعات الدامية التي كانت تشهدها الحضارات القريبة منها.

ويشير المؤرّخون إلى أن مملكة دلمون مرّت خلال فترة بقائها (2800-323ق.م) بـ 3 مراحل تاريخية رئيسية متعاقبة زمنيًّا، الأولى تسمّى "دلمون الأول" (2800-1600ق.م) وقد حكمها في تلك الفترة عدد من الملوك أبرزهم جلجامش الشهير، الذي يقال إنه أول ملك على دلمون، وهناك ملوك آخرون منهم ملوكخا وجانبي لغيم وجيسي تامبو وإيلاميلكوم، وقد وردت أسماؤهم في حجر طيني عُثر عليه بالقرب من سور المدينة سنة 300ق.م.

وهناك المرحلة التاريخية الثانية "دلمون الثانية" (1600-1200ق.م)، تعاقب على الحكم فيها أيا نصر الملك الشهير بالعلاقات التجارية الكبيرة بين المملكة والممالك السومرية والأكادية جنوب الرافدين، كذلك الملك ريموم صاحب الثراء الفاحش، والذي ورد اسمه منقوشًا على "حجر ديوراند" التاريخي، وبعده الملك أجاروم والملك أوسيا نانورا والملك ايلي ايباسرا.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، "دلمون الثالثة" (1200-323ق.م)، وهي المرحلة التي تعرّضت فيها دلمون لضغوط سياسية وعسكرية شديدة من قبل الحضارات الأخرى التي كانت تحيا أوج قمّتها في ذلك الوقت، وعلى رأسها الإمبراطورية الآشورية، ومن أبرز ملوك تلك المرحلة الملك هوندراو وأوبيري ملك آشور والملك قانا.

4 مدن رئيسية

توصّلت البعثة الدنماركية التي قامت بأعمال التنقيب في موقع قلعة البحرين، إلى أن مملكة دلمون كانت تتضمن العديد من المدن الموزّعة على عقود المملكة، إلا أن هناك 4 مدن رئيسية بمثابة الخارطة الجغرافية الأساسية التي رسمت وحدّدت شكل هذه الحضارة القديمة.

المدينة الأولى تلك التي تحتوي على أقدم الطبقات الأثرية، ويرجّح أنها كانت في فترة 2334-2279ق.م، وهي فترة حكم سرجون الأكادي، وقد تعرّضت تلك المدينة التي كانت مبنية على محاذاة ساحل البحر للحرق والتدمير، حيث عُثر على أتربة تحتوي على حبيبات من الفحم تغطي معالمها. 

خارطة توضح موقع مملكة دلمون في العالم القديم
خارطة توضح موقع مملكة دلمون في العالم القديم

وتلتها مباشرة المدينة الثانية، التي يعتبرها المؤرّخون عنوان الحركة التجارية، حيث تميزت بكونها قلعة التجارة للمملكة، وحلقة الوصل بينها وبين الحضارات الأخرى، وهو ما وثّقته الأختام والأوزان الحجرية التي عُثر عليها، والتي كانت تستخدَم لتسهيل عملية التبادل التجاري، وضبط عملية المحاسبة، إلا أن أهم ما تمَّ اكتشافه خلال التنقيب -بحسب المؤرّخين- هو ورش تصنيع الأختام الحجرية.

ثم تأتي المدينة الثالثة، والتي كان يطلق عليها "مدينة الوجهاء" حيث كان يحكمها عليَّة القوم في دلمون، وكانت تتميز بضخامة حجمها، وأنها كانت أكبر مركز لتجارة أفضل أنواع التمور، فيما توصّلت الاكتشافات التنقيبية إلى الكثير من الأدلة على دخول الكاشيين منطقة الخليج العربي، ومنها معبد الآلهة عشتار الذي كان من أهم الدلائل على وجودهم في دلمون.

وعلى أنقاض المدينة الثالثة بنيت المدينة الرابعة، والتي كانت على شكل مبنى ضخم يشبه القصر، فيما ذهب مؤرخون إلى أن هذا القصر يعود إلى الملك أوبيري ملك دلمون، وقد تميزت المباني في العموم بما يشبه المباني الإدارية، كما تشابه تصميمها المعماري بشكل كبير مع مباني بلاد الرافدين، ما يعكس حجم الارتباط والعلاقة الوطيدة التي كانت تربط بين المملكة والحضارات المجاورة لها.

الحياة السياسية

مرّت الحياة السياسية في مملكة دلمون بمحطتَين رئيسيتَين، وفق العلاقة بين الحكّام والآلهة، ففي المرحلة الأولى لم تكن هناك فوارق واضحة بين الحاكم والإله، إذ كان الإله هو الحاكم وفق ما ذكرت الأساطير، وهنا كان الإله إنزاك ابن الإله إنكي، إله الحكمة والمياه العذبة في الحضارة السومرية، هو أول حاكم لمملكة دلمون.

ورغم أن إنكي سكن وزوجته دلمون باعتبارها بلاد المياه العذبة، إلا أن بعض الأساطير ذكرت أنه لم يكن الحاكم الفعلي، وأنه أرسل ابنه الإله إنزاك ليكون حارسًا على دلمون وملكًا عليها، وظل الأمر هكذا لسنوات طويلة، كان الإله هو الملك، حتى جاء الطوفان العظيم وفق ما ذكرت "ملحمة جلجامش"، وهو الطوفان الذي دفع الآلهة إلى الصعود للسماء مرة أخرى نظير اختيار بشر كـ"خدام" للآلهة، يسمّون بـ"الكاهن الأكبر" وينصَّبون ملوكًا على البشر.

كانت العلاقة بين الملك وشعبه علاقة مباشرة، هكذا في معظمها دون وسيط أو روتين يعرقل لقاء الملك ومن يطلب لقاءه من عامة الشعب، حيث تشير الحفريات إلى أن الملك كان يقابل رعاياه بشكل يومي وبصورة مباشرة

وهنا تأتي المرحلة الثانية من الحكم، حيث اختار الإلة إنزاك، الذي كان الحاكم الأول لدلمون، الملك ريموم باعتباره خادمًا له وراعيًا لشؤون سكان المملكة، وبالتالي يعتبر ريموم أول ملك بشري للمملكة الدلمونية، ومع مرور الوقت بدأ الانفصال التدريجي بين الإله بسلطته الدينية والملك بسلطته الدنيوية.

وعلى مدار سنوات طويلة كان الكهّان المنصّبون أنفسهم خدام الآلهة هم المسيطرين على المشهد السياسي، وكانت مساكنهم هي المعابد التي كانت تقام للآلهة كنوع من التبرُّك والحصول على الحصانة الدينية، وكانت تتشكّل تجمعات سكنية حول تلك المعابد بحسب المستوى الاقتصادي للناس، فأصحاب النفوذ والمال يسكنون بالقرب من تلك المعابد ثم الأقل مالًا فالأقل وهكذا.

وكانت العلاقة بين الملك وشعبه علاقة مباشرة، هكذا في معظمها دون وسيط أو روتين يعرقل لقاء الملك ومن يطلب لقاءه من عامة الشعب، حيث تشير الحفريات إلى أن الملك كان يقابل رعاياه بشكل يومي وبصورة مباشرة، مع وجود حاشية ليست بالكثيرة.

وكشفت الوثائق عن أنمطة تدوين وسجلّات كانت تستخدَم في المملكة من قبل الحرّاس، يسجّل فيها الداخلون والخارجون من بوابات المدينة، مع سجلّات أخرى لجمع الضرائب وحصر عدد التجّار، وأخرى لتدوين مرافق وخدمات الناس في كافة المجالات.

ثراء اقتصادي

الاكتشافات الأثرية والحفائر تشير إلى أن مملكة دلمون كانت تتمتع بمستوى اقتصادي متقدم، وكان الدلميون من أكثر شعوب الأمم رخاء وثراء، فقد كانوا أصحاب حِرَف وصناعات متعددة، فبرعوا في صناعة الأدوات البرونزية والأواني الفخارية والأسلحة والآثار المنزلية، وصناعة الأختام والنسيج والمجوهرات.

وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن دلمون احتكرت لمدة قرون طويلة تجارة معدن النحاس والتمور والأخشاب واللؤلؤ، كما أنها ابتكرت العديد من النظم التجارية الخاصة بالاستيراد والتصدير وتحصيل الرسوم والبضائع ووضع أسُس نظام الوزن والمكاييل والأختام، وهو ما لم يكن معروفًا أو متداولًا لدى الحضارات الأخرى.

كما تميز مجتمع دلمون بالثروة السمكية التي كانت أحد الروافد الرئيسية لاقتصاد المملكة، حيث تفوّقت تفوُّقًا بارعًا في فنون الصيد وأدواته وصناعة السفن، وهو ما أثقل قدراتها الإقليمية كمعبر تجاري محوري يربط بين تجارة الشرق والغرب، ومحطة استراتيجية في مسارات التجارة العالمية.

الفنون والعمارة

كانت مملكة دلمون من أوائل الممالك التي اعتنت بالفن والثقافة والآداب، فحسب الأختام التي عُثر عليها والتي توثّق لواقع مجتمع المملكة، فقد نقلت صورًا حية عن حفلات للسمر والاستماع للموسيقى يحضرها كبار القوم ورجال الحاشية، وكانت الأطعمة والمشروبات تقدَّم على وقع الموسيقى والغناء في أوانٍ مزخرفة ومطعّمة بالجواهر.

كذلك تميزت المملكة بفنون العمارة المتطورة، حيث شُيّدت مدن وقرى بأكملها على طرز معمارية جميلة، وكان الدلميون من أكثر الأمم اعتناء بالبناء والتشييد والتعمير، فهم أول من شيّدوا المعابد والقلاع والقبور ذات الشكل الثلاثي، كما تفنّنوا في الرسم على جدران المعابد وصناعة الأواني الفخارية والقطع الأثرية المعمارية المتميزة.

وبرعت دلمون، حكّامًا وشعوبًا، في فنون العلاقات العامة وإكرام الضيوف وتقديم أفضل صورة لهم داخليًّا وخارجيًّا، فكانوا من أكثر الشعوب تهاديًا وتبادلًا للمنح والعطايا، وكان ملوكها كثيرًا ما يرسلوا الهدايا الثقافية والتراثية (معادن نفيسة ومجوهرات ولؤلؤ ونحاس) لملوك الحضارات الأخرى، بهدف تعزيز العلاقات معهم من جانب والتعريف بحضارتهم وما أحرزوه من تقدُّم من جانب آخر.

الثقل السياسي والرخاء الاقتصادي والعلمي لدلمون وما كانت تتمتع به من استقرار نسبي، أسال لعاب الحضارات الأخرى التي كانت تعاني من صراعات دامية، حيث استغلوا تراجع القدرات القتالية لجيش المملكة المسالمة بطبيعة الحال، وبدأوا في التخطيط لغزوها

وكان مجتمع دلمون يؤمن بعقيدة الخلود، وهو ما تدلُّ عليه مقابرهم الضخمة، ووجود مخلفات مادية وجنائزية في القبور، بالإضافة إلى اكتشاف بعض المعابد التي عُثر فيها على أقداح مخروطية الشكل، حيث بنى أهل المملكة مئات الآلاف من المدافن، من بينها مقبرة عالي التي تعدّ أكبر مقبرة تاريخية في العالم، وهي عبارة عن تلال يصل عددها إلى 11 ألفًا و774 تلة، تتكون من 21 جزءًا منتشرة على امتداد يصل إلى 20 كيلومترًا، ومن أبرزها تلال مدينة حمد، تلال مدافن الجنبية، تلال مدافن عالي الشرقي وتلال مدافن عالي الغربي.

وحقّقت دلمون تقدُّمًا ملحوظًا في العديد من المجالات، حيث كانت قلعة العلم والفنون للحضارات والأمم المجاورة، ويُنسَب إليها أنها صاحبة أول مرصد فلكي، كما أنها وضعت نظام تقويم خاص بها يحدد بداية السنة الدلمونية في 21 يونيو/ حزيران أي في بداية فصل الصيف، واعتمدوا على التوقيت الشمسي، وهو ما كان بمثابة ثورة في علم التقويم، حسبما أشار الباحث التاريخي السعودي نبيل الشيخ، الذي قال إنه وفق هذا الاكتشاف يصبح الدلمونيون من أوائل من استخدموا التقويم الشمسي في العالم القديم.

هذا الثقل السياسي والرخاء الاقتصادي والعلمي لدلمون وما كانت تتمتع به من استقرار نسبي، أسال لعاب الحضارات الأخرى التي كانت تعاني من صراعات دامية، حيث استغلوا تراجع القدرات القتالية لجيش المملكة المسالمة بطبيعة الحال، وبدأوا في التخطيط لغزوها، وعلى رأس تلك الممالك الأكادية والكلدانية والآشورية.

وبالفعل بدأت جيوش بابل في التقدم نحو المملكة حوالي 500 عام قبل الميلاد، بهدف ضمّها إلى سلطانهم، و نجحت في ذلك حيث خضعت دلمون لسلطة الكلدانيين، وأصبحت تدفع الإتاوات وترسل الهدايا إليهم، لتسقط معها واحدة من أكثر الممالك رخاء ونموًّا في القرون الأولى، ويُسدل الستار على جنة الخلد وأرض الفردوس وموطئ قدم الآلهة.