"أصل الداء هو الاستبداد" كما يقول الكواكبي، كل داء يعيشه الشرق من مئات السنين وكل ما يتفرع عنه من فقر وجهل وتخلف هو نتيجة لا سبب، هذا حال الشرق الآن بالرغم من أن هذا الشرق ذاته هو الذي قدم للبشرية أقدم وأرقى شكل من أشكال الحكومات البشرية في عهد الراشدين.

والاستبداد ليس سلوكًا يتمظهر في ظلم أو تجاوز من طرف الحاكم، حتى وإن بدأ بذلك، لكن الشعب ما يلبث أن يتكيف ويتأقلم معه - مضطرًا- حتى يصير له على طول المدة طبعًا ويصبح جزءًا من ثقافته لدرجة يعسر عليه الفكاك منه، فذاته الشخص الذي يستبد بغيره، هو نفسه الذي يقبل أن يستبد به غيره، فهو لا يجيد التعاطي مع الناس بالاختيار وإنما بالإجبار.

مشكلة المستبد أنه لا يكتفي بالسيطرة على سلوك البشر، بل يسعى ليهيمن على قلوبهم كي يطمأن أكثر، ولا سبيل له إلى ذلك إلا باستخدام الدين؛ لذلك لا يكاد يخلو حكم استبدادي من فئة من رجال الدين تدعمه وتلوي له النصوص الدينية لتناسب حجمه.

هذا الدور لعبه بعض الفقهاء في التاريخ الإسلامي فساهموا في تثبيت الاستبداد تدريجيًا، فالفقه التبريري الذي قالوا به أعطى الشرعية لكثير من ملوك المسلمين الذين أخذوا السلطة بالقوة وبغير رضى المسلمين، وبالتالي عملوا على طمس معالم الخلافة الراشدة بوعي أو بدون وعي، ومن ذلك قولهم بشرعية ولاية المتغلب ترجيحًا للمصلحة، بالرغم من كونها تخالف صريح القرآن وفعل الخلفاء الراشدين.

فعملية الانتقال من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض ثم إلى الملك الجبري كانت تتم على أوجه ثلاثة، تقبل الناس لها طلبًا للآمان أو العيش أو جهلاً منهم بخطورة الأمر، وطمع الحكام واستفرادهم بالأمر شيئًا فشيئًا، وعلماء السلطان الذين يقنعون الناس بقدرهم هذا وأن الله يؤتي ملكه من يشاء  ما علينا إلا الرضى بما قسم، ويبررون للحاكم ظلمه وعسفه طالما أنهم رأوه يقيم الصلاة ويحمي بيضة الدين! وبحجة تغليب المصلحة وحفظًا للدين والنفس وصلنا إلى درجة ضاع معها الدين وأزهقت الأنفس، ولم يحفظ الملك كما يجب.

يتحدث المودودي رئيس الجماعة الإسلامية في باكستان وهو من أهم من قال بالحاكمية، عن خصائص دولة الخلافة الإسلامية فيقول: "دولة تأسست بعهد واع من الشعب الحر على ألا يحني رأسه إلا لله"، فهو يجعل وعي الشعب بحريته أهم خصائص قيام الدولة الإسلامية، والذي لا يكون في ثقافة مستبدة تطمس الوعي و تمنع الكلمة، فحرية الشعب ووعيه من أهم الأسس التي تقام عليها الدولة الإسلامية، فلا حكم لمتغلب إلا برضى الشعب، فاستبداد الطاغية يتناسب عكسيًا مع حرية الشعب ووعيه.

ويصيغ الكواكبي معادلة الاستبداد والحرية بشكل جميل إذ يقول: "وإذا سأل سائل لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدًا، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين، ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسراء الاستبداد مستبدًا في نفسه، ولو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشريته وقومه والبشر كلهم حتى وربه الذي خلقه تابعين لرأيه وأمره، فالمستبدون يتولاهم مستبد والأحرار يتولاهم الأحرار".