جنسيات مختلفة، خلايا نائمة، سراديب تحت الخيام، أسلحة مخبأة، نساء تنتظر، أطفال تحيط بهم بيئة عنف وتطرف، يجتمعون هناك على بعد 40 كيلومترًا جنوب شرق الحسكة و15 كيلومترًا عن الحدود العراقية، في واحد من أخطر وأسوأ مخيمات اللجوء في العالم.

"مخيم الهول" المترامي الأطراف الذي يحمل اسم البلدة التي يقع فيها، احتشد فيه نحو 50 ألف سوري وعراقي، 20 ألفًا منهم من الأطفال ومعظم الباقين من النساء وأرامل مقاتلي التنظيم الذين نقلوا إليه عام 2019 بعد هزيمة التنظيم في معارك الباغوز بريف دير الزور، وضمن قسم منفصل من المخيم، يخضع لحراسة مشددة ويُعرف باسم "الملحق"، يوجد عشرة آلاف محتجز، 2000 امرأة من 57 دولة مختلفة، ونحو 8 آلاف من أطفالهن. 

العنف ضد الأطفال

في 11 من نوفمبر/تشرين الثاني 2022، كشفت منظمة "أطباء بلا حدود" في تقرير لها ظروف الاعتقال الطويل الأمد وازدياد عنف قاطني المخيم، 64% من الأطفال، وحمل التقرير عنوان "بين نارين" وعرض سوء إدارة قوات قسد للمخيم، ما أدى إلى وفاة 79 طفلًا، 35% منهم دون سن 16 عامًا.

وجاء في التقرير أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال يقضون جراء سوء التغذية والرعاية الصحية المتدنية، إضافة لقتل بعضهم في حوادث مختلفة، بينها حوادث إطلاق نار، فيما قال مدير العمليات في المنظمة مارتين فلوكسترا: "الهول في الحقيقة هو سجن مفتوح وغالبية قاطنيه من الأطفال، وكثير منهم ولدوا محرومين من طفولتهم، وحكم عليهم أن يعيشوا حياة معرضة للعنف والاستغلال من دون تعليم، وفي ظل رعاية صحية محدودة".

وكان المخيم قد شهد في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حادثة قتل طفلتين مصريتين قاصرتين بأداة حادة، حيث عثر على جثّتيهما في مجاري المخيم ضمن قسم المهاجرات، بعد اغتصابهما قبل أيام قليلة من وفاتهما.

يؤكد أحد العاملين في المخيم في حديثه لـ"نون بوست" قائلًا: "حالات القتل والشجار ضمن المخيم ليست غريبة، ولا يمر أسبوع دون أن نسمع بموت طفل، وسط تردي الأوضاع الإنسانية والصحية والاجتماعية، خاصة مع انفجار الطاقة الاستيعابية لأعداد المقيمين، ونقص الرعاية الصحية والمستلزمات الطبية والأدوية، ما أدى إلى انتشار العديد من الأمراض بين القاطنين، لا سيما الأطفال منهم".

ما بين عامي 2019 و2021 تمّ تسجيل خروج نساء مع أطفالهن من المخيم على دفعات، ينتمين لمناطق دير الزور والطبقة والرقة

ويضيف العامل الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن عمليات القتل منظمة، فهي تستهدف نساءً وأطفالًا ورجالاً وسط ظروف غامضة، بالإضافة إلى حوادث أمنية شرسة تتضمن هجمات ضد حراس المخيم وعاملين في المنظمات الإنسانية، فضلًا عن انتهاكات مرعبة آخرها العثور على ثلاث نساء مكبلات بالسلاسل وعليهن آثار تعذيب.

أجيال مرعبة تحتاج إلى تأهيل

أدى خلو الهول من مراكز تأهيلية وتعليمية فاعلة أمام الأعداد الضخمة، وبقاء الأطفال مع أمهاتهم طيلة الوقت، إلى فرض عملية تعليمية مؤدجلة من الأمهات إلى أطفالهن تهتم بمبادئ القراءة والكتابة والحساب وتحفيظ القرآن وزرع فكرة الاستعداد لعودة أمجاد خلافة الآباء، ما أدى إلى خلق جيل محتقن وجاهز للتعبئة الفكرية المتوافقة مع تعاليم وخطاب التنظيم، خاصة أن العديد من الأجنبيات الموجودات في المخيم أزواجهن هاربون وما زالوا يقاتلون ضمن خلايا منظمة، وبعضهم قادة وأمراء.

في 14 يوليو/تموز 2022، نشرت مؤسسة "كارنيجي" المهتمة بالأبحاث السياسية، تقريرًا، أشارت فيه إلى أن نساء داعش تزرعن في أذهان الأطفال فكرة الثأر لآبائهم الذين إما قتلوا في معارك تنظيم الدولة مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وإما سُجِنوا لدى الأخيرة في أثناء العمليات العسكرية التي شنتها قوات سوريا الديمقراطية على التنظيم المتطرف بدعمٍ من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، خاصة إذا علمنا أن عدد هؤلاء الأطفال وفقًا لمنظمة "Save the Children" (أنقذوا الأطفال) نحو 7300 طفل.  

ورغم ذلك ما بين عامي 2019 و2021 تمّ تسجيل خروج نساء مع أطفالهن من المخيم على دفعات، ينتمين لمناطق دير الزور والطبقة والرقة عبر كفالات عشائرية، بعد التأكد من خلو سجلاتهن الأمنية من أي انتهاكات أو جرائم أو إثباتات تدل على حمل تلك النساء أو الأطفال فكرًا متطرفًا، خاصة أن هناك نسبة كبيرة من محتجزي الهول كانوا مدنيين لم ينضموا للتنظيم وإنما اصطحبهم التنظيم في أثناء خروجه من الرقة إلى معقله الأخير في الباغوز بريف دير الزور.

في حديث الناشط أسامة أبو عدي، المقيم في الرقة، أكد أن ليس كل أسرة محتجزة في الهول تنتمي إلى داعش أو تحمل الفكر بالمعنى العقدي، ورغم ذلك فكثير من تلك العوائل ما زالت تلاقي سلبية من المجتمع وحالة نبذ اجتماعي ونظرة سوداوية وحرمان من مستحقاتهم المعيشية والمعونات والخبز، وعدم توافر المأوى والسكن المناسب لهم. 

وأشار الناشط الذي التقى عشرات الأسر الخارجة من الهول، إلى أن العديد من هؤلاء النساء يردن العودة للاندماج ضمن محيطهن، والانخراط في سوق العمل، فلديهن طموحات وأحلام كأي فرد آخر، مضيفًا، أن عددًا من المنظمات كانت معنية بدمج تلك العوائل أبرزها منظمة "شباب أوكسجين" ولجنة "حل النزاع"، بالإضافة إلى منظمات أخرى كان لها مبادرات مثل سبر معلومات للأطفال وإعادة التأهيل عبر دورات فكرية وجلسات حوارية، إضافة لتبني لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر مكتب إدارة الحالة، للأوضاع المعيشية للعوائل، وإطلاق لجنة المرأة في مجلس الرقة المدني لمبادرة لافتتاح دورات مهنية للنساء من التنظيم، وجهود من لجنة التربية والتعليم في تعليم العديد من أطفال العائدين من المخيم دون الإشارة لمكانهم السابق أو معلومات عنهم بهدف تسريع دمجهم.

رفض اجتماعي

تشير إحصاءات جمعية "أمل أفضل للطبقة" العاملة شمال شرق سوريا (جمعية أهلية تطوعية تقدم مشاريع خدمية)، إلى أن أكثر من 4000 طفل سوري من أطفال العائلات الخارجة من مخيم الهول خارج إطار التعليم المدرسي، مقابل أقل من 300 طفل فقط حصلوا على حقهم في التعليم، إضافة لوجود عدد كبير من العائلات التي لا تحصل على أي مردود مادي أو معونات غذائية، ما يؤدي لدفع هذه العائلات أطفالها دون السن القانونية للعمل في مهن خطرة وشاقة يتصدرها البناء والعتالة (حمل البضائع ونقلها)، فضلًا عن معاناة مئات العائلات من ضغوط نفسية ناجمة عن التعرض للعنف اللفظي أو الجسدي، بالإضافة إلى التنمر والشعور بالعزلة والرفض والخوف من استهزاء الآخر.

يتلقى الأطفال مساحات تعليمية آمنة ومنهاجًا أساسيًا من اللغة الإنجليزية والعربية والرياضيات والعلوم، إلا أن العنف المتزايد الذي يحاصرهم يزيد من صدمتهم المجتمعية

محمد المصطفى (اسم مستعار)، عامل إدارة حالة ضمن حملة "بين أهلكم" شمال شرق سوريا التي تستهدف الأسر الخارجة من مخيم الهول، وتتولى مساعدتها وتأهيلها، لفت في حديثه لـ"نون بوست"، إلى أن معظم الأطفال في المخيم هم الذين توافدوا إلى المخيم هربًا من النزاع وهم دون سن 12 عامًا، وهم الأكثر هشاشة لأنهم خاضوا تجربة العنف الشديد وتعرضوا للاستغلال أو أجبروا على القتال والقيام بأعمال عنف في غاية القسوة، وكانوا شهود عيان على خروقات لا يمكن للعقل أن يتخيلها.

وتابع المصطفى أن الموجودين في المخيم من نساء وأطفال عانوا من نقص في الماء والغذاء والمأوى وخدمات المياه والصرف الصحي التي لا تستوفي الحد الأدنى من معايير الطوارئ، زدّ على ذلك الإصابات المرضية مثل الإسهال ‏المائي الشديد بسبب المياه غير النظيفة والصرف الصحي الرديء، لذا فالنهوض من كل هذه الآثار السلبية لا يكون إلا بالعمل على إفراغ المخيم ودمج العائلات بالمجتمع. 

يتلقى الأطفال مساحات تعليمية آمنة ومنهاجًا أساسيًا من اللغة الإنجليزية والعربية والرياضيات والعلوم، إلا أن العنف المتزايد الذي يحاصرهم يزيد من صدمتهم المجتمعية ورفضهم، فهم يعاقبون على خطايا آبائهم، ووفق المصطفى، فإن العالم يقف متفرجًا على تلك المخيمات دون أخذ مبادرة فعلية لحل مسألة عائلات عناصر التنظيم، فالعنف متصاعد والتطرف في توسع، فمن يدخل المخيم ويسمع الحكايات، من أعمال عنف وطعن حراس ومحاولات هرب ورشق قوات الأمن والعاملين الإنسانيين بالحجارة ورفع راية التنظيم، يدرك الحقيقة الفعلية، بأن هؤلاء لن يستسلموا وأن نهاية التنظيم لا تزال بعيدة.

استجابات متباينة تغذي التطرف

نشرت "هيومن رايتس ووتش" في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، تقريرًا دعت فيه الحكومة الكندية إلى إعادة رعاياها من النساء والأطفال من مخيمات شمال شرق سوريا، مشيرة إلى أن بإمكان السلطات التحقيق مع الكبار الذي ذهبوا إلى سوريا والتحقوا بداعش أو تقديمهم للمحاكمة، لكن الخطر الأكبر على كندا، هو ترك الأطفال في ذلك المكان، وليس إعادتهم من شمال شرق سوريا، كما أشارت إلى أن الدول التي كانت مترددة في إعادة رعاياها من نساء وأطفال داعش، غيرت موقفها، إذ أعادت كل من أستراليا وفرنسا وهولندا، خلال الأسابيع الماضية، 32 امرأةً و83 طفلًا.

وتكمن مشكلة مخيم الهول في التعامل معه من منظور أمني ومنظور محاربة الإرهاب الذي يمثله هؤلاء الرعايا، وليس من حل مشكلة زوجات وأطفال مقاتلي داعش والنازحين الموجودين أو من منطلق حل الأزمة إنسانيًا وإدماجهم في الحياة الطبيعية من جديد بما يتضمن ذلك إعادتهم لبلدانهم، حيث تم وسم المخيم بالإرهاب والتطرف الذي طال الأطفال أيضًا، رغم أنهم لم يصبحوا مقاتلين ومؤدلجين وجهاديين.

يبدو أن قضية أطفال الهول تزداد تعقيدًا نظرًا لغياب الرغبة الحقيقية في معالجتها، فما زالت القضية تشكل ورقة يستفيد منها جميع الأطراف

يؤكد الباحث في الحركات الجهادية، أحمد أبا زيد في حديثه لـ"نون بوست"، أن التعامل مع المخيم يفترض أن يكون أولًا من منطلق حل المشكلة الإنسانية، وثانيًا من خلال إدماج هذه العوائل من جديد في بلدانها وفي مجتمعاتها الأصلية، وهذا يعني أن تقبل الدول استعادة رعاياها وحل أزمتهم بنفسها بدلًا من عزلهم عن بقية العالم، وتنمية النزعات الانتقامية الطبيعية لهم كرد فعل على العنف المقابل، إضافة لتنمية نزعات التطرف أيضًا بدلًا من علاجها، وتركهم فيما يشبه معسكر احتجاز كبير يضم بمعظمه نساءً وأطفالًا لا جهاديين وقياديين في التنظيم، فهؤلاء فقط هم المسؤولون عن أفعالهم لا أطفالهم..

وتحرص قسد على إبقاء المخيم، مع ما يحصل فيه من فلتان أمني وأعمال عنف، فهي تروج أنها تحمل عبء هذا الملف الأمني الخطير، وأنها تحافظ على مصالح الدول الغربية ببقاء رعاياها المتهمين بالإرهاب، رغم مطالباتها بين الحين والآخر تلك الدول باستعادتهم وتقديمهم لمحاكمات على أراضي بلادهم، يرى أبا زيد، أن قسد تظن عبر حمل عبء رعايا هذه الدول أنها تكسب شرعية سياسية ما أو ورقة قوة غربية باعتبار أنها مهددة وجوديًا سواء تحقق الاحتمال الأمريكي بالانسحاب أم تحققت عملية تركية ضدها أم إن حصل ضغط روسي لإقامة اتفاق مع النظام على دخوله مناطقهم.

يبدو أن قضية أطفال الهول تزداد تعقيدًا نظرًا لغياب الرغبة الحقيقية في معالجتها، فما زالت القضية تشكل ورقة يستفيد منها جميع الأطراف بدءًا من قوات قسد وصولًا إلى الدول التي تخلصت من أصحاب هذا الفكر على أراضيها وحصرته ضمن تلك البقعة، وانتهاءً بأبرز لاعبين (أمريكا وروسيا) الراغبين في الاستفادة من إطالة أمد الحرب في سوريا وإعادة رفع ورقة داعش مجددًا.