يوم 13 سبتمبر/ أيلول 2015 لم يكن عاديًّا في الجزائر بل استثنائيًّا، إذ جرى خلاله إنهاء مهام الجنرال توفيق، الرجل القوي في النظام الجزائري، وتعيين اللواء عثمان طرطاق خلفًا له على رأس المخابرات.

رئيس قسم الاستخبارات والأمن، الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق، كان يوصَف بالرجل الأول في النظام منذ ربع قرن، ما جعل عدة صحف تصف قرار الإقالة بـ"التاريخي"، فقد حمل معه "نهاية الأسطورة" التي أحكمت سيطرتها على البلاد لأكثر من عقدَين.

تمَّ استبعاد الجنرال القوي والعديد من القادة الذين يعملون معه وتحت إمرته، في إطار سعي بوتفليقة وجماعته لإعادة ترتيب البيت وإقصاء بعض قادة الجيش الذين يشكّلون خطرًا على مستقبلهم السياسي، خاصة أن الجنرال توفيق يمسك بالعديد من الملفات الهامة والخطيرة.

أُبعد "صانع الرؤساء" عن الساحة إلى أن تمَّ اعتقاله بداية شهر مايو/أيار 2019 بتهمة التآمر على الدولة، عقب الإطاحة بالرئيس بوتفليقة وتمكُّن رئيس أركان الجيش، أحمد قايد صالح، من التحكم بزمام الأمور في الجزائر، مستفيدًا من الحراك الشعبي آنذاك.

هل يعني هذا أن "الرجل الأسطورة" انتهى إلى غير رجعة؟ لا بالعكس، فقد تمّت تبرئة الجنرال المتقاعد بداية عام 2021، أي بعد عام فقط من فوز رئيس الوزراء الأسبق عبد المجيد تبون، ليس هذا فحسب، بل عاد العديد من رجاله إلى ساحة الفعل السياسي في البلاد.

أبرز العائدين كان الجنرال منصور بن عمارة، أو كما يُعرف حركيًّا باسم "الحاج رضوان"، الذي كان يشغل منصب مدير ديوان الجنرال توفيق، حيث تمَّ تعيينه مستشارًا للرئيس تبون، رغم أنه من الحرس القديم، ما يؤكد أهميته.

أهمية هذا الرجل جعلتنا نخصّص له تقريرًا كاملًا ضمن ملف "رجال الظل" لـ"نون بوست"، وفيه سنتحدث عن دوره في تشكيل سياسات الدولة وعلاقته بالحرس القديم وخاصة الجنرال توفيق، وسبب استدعاء الرئيس تبون له، رغم تأكيده المتكرر القطع مع كل ما هو قديم.

الصندوق الأسود لإدارة المخابرات والأمن السابقة

يُعتبَر الحاج رضوان الصندوق الأسود لإدارة المخابرات والأمن السابقة (DRS)، والتي كانت تمسك بزمام الأمور في البلاد، وكان رئيس ديوان الجنرال توفيق والصديق المقرّب له، وهو ما مكّنه من معرفة عديد الأسرار والخبايا.

يذكَر أن دائرة المخابرات والأمن تعتبَر العمود الفقري للنظام، ومركز القيادة العسكرية بشكل عام، وهي صانعة الرؤساء والقادة بامتياز، وبقيت عدة سنوات سرًّا غامضًا لا يقترب إليها أحد ولا يجرؤ أي جزائري على الحديث عنها.

تتدخل هذه الإدارة في الحياة السياسية للبلاد من خلال التسلُّل إلى منظمات المجتمع المدني (الأحزاب والجمعيات والنقابات وغيرها)، ومؤسسات الدولة والشركات العامة والخاصة وكذلك الصحافة، فلها شبكة مترامية الأطراف داخل وخارج البلاد.

صحيح أن دور الحاج رضوان والجنرالات الذين معه تراجع شيئًا فشيئًا بعد عام 2015، لكنه حافظ على حضوره القوي في مفاصل الدولة.

عمل الحاج رضوان عدة سنوات إلى جانب الجنرال توفيق، وكان أحد أبرز القادة في البلاد، وقد أُسندت له عدة مهام بارزة، ومع ذلك لم يُعرَف له ظهور في وسائل الإعلام، وحتى المعلومات المتداولة عنه قليلة وشحيحة، فهو الخبير الكبير في ألغاز وفجوات النظام من خلال الخبرة العملية والبراعة التي اكتسبها طيلة سنوات عمله في المخابرات.

لكن في عام 2013 بدأ دوره في التراجع، مع سعي الرئيس الراحل بوتفليقة لتشديد قبضته على البلاد وإحداث تغييرات في الجيش، خاصة في سلك إدارة المخابرات والأمن، ففي ذلك العام قاد بوتفليقة والجماعة المحسوبة عليه في الجيش عمليات تطهير طالت المديرين التنفيذيين لدائرة الاستعلام والأمن.

جاءت هذه العمليات في أعقاب احتجاز الرهائن في تنغوينتورين في الفترة من 16 إلى 19 يناير/ كانون الثاني 2013، وهو ما أدّى إلى تهميش جهاز الأمن بأكمله بقيادة الجنرال غير القابل للإزالة محمد مدين، فخلال عامَين تقاعد أكثر من 50 ضابطًا.

أما الحدث الأبرز فكان يوم 13 سبتمبر/ أيلول 2015، حيث تمَّ يومها فصل الجنرال توفيق الذي قاد الشرطة السياسية الجزائرية لمدة ربع قرن، وهو ما مثّل ضربة قاسمة للحاج رضوان، فرفيق دربه قد غادر صاغرًا منصبه.

تهميش رفاق الحاج رضوان تواصل بعد عام 2015، وبلغ أقصاه عام 2016 إذ تمَّ تفكيك دائرة الاستعلام والأمن من قبل رئيس الأركان، قايد صالح، بحجّة وضع حدّ لاستقلالية الأجهزة السرّية واستعادة سيطرة الجيش على المشهد الأمني.

 

إذ حُلّت دائرة الاستعلام والأمن في يناير/ كانون الثاني 2016، وتعويضها بـ 3 أقسام، هي المديرية العامة للأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن الخارجي والتوثيق، والمديرية العام للاستعلام التقني، ووضعها تحت الإشراف المباشَر للرئيس، وتكليف اللواء بشير طرطاق، الشهير بـ"عثمان"، بالتنسيق بين الهياكل الثلاثة الجديدة زيادة على تعيينه مستشارًا للشؤون الأمنية لدى بوتفليقة.

صحيح أن دور الحاج رضوان والجنرالات الذين معه تراجع شيئًا فشيئًا بعد عام 2015، لكنه حافظ على حضوره القوي في مفاصل الدولة، فحملة بوتفليقة وجماعته لم تفلح في القضاء نهائيًّا على الحرس القديم لتشعُّب شبكتهم وقوتها ونفوذها.

المستشار الأمني لتبون

الحراك الشعبي واستقالة بوتفليقة من رئاسة البلاد، كانا حدثَين فارقَين في الجزائر، حيث تمكّنت القيادات العسكرية التي يقودها الجنرال قائد صالح من توجيه الحراك الشعبي لصالحها وخدمة لبرامجها، ما مكّنها من بسط نفوذها ومواصلة الحملة ضد الحرس القديم.

استغلت جماعة قايد صالح الفترة الانتقالية التي أعقبت استقالة بوتفليقة ورحيله عن قصر المرادية، وحاجة الجزائريين للتغيير الجذري لحسم المعركة على السلطة داخل الجيش لفائدتها، والقيام بحملة قوية ضد جماعة الجنرال توفيق.

لكن وفاة رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، بنوبة قلبية يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول 2019، كانت نقطة تحول كبيرة، وبداية عودة المديرين التنفيذيين السابقين لدائرة الاستعلام والأمن إلى الواجهة، خاصة أن هذه الوفاة جاءت بعد 10 أيام فقط من وصول تبون إلى رئاسة البلاد.

بعد الاعتقال التدريجي لجميع الجنرالات المقرّبين من الجنرال توفيق، بدأ الهجوم المضاد لأصدقاء الجنرال، إذ تمَّ إطلاق سراح الجنرالات محمد مدين وجبار مهينة، وعودة الجنرال نزار من منفاه في إسبانيا.

أما الأهم من ذلك، فقد تمَّ استدعاء الجنرال منصور بن عمارة، المعروف باسم "الحاج رضوان" -الذي لا جدال في تجربته الأمنية-، كمدير للأمن ومستشار للرئيس المنتخب حديثًا، عبد المجيد تبون، وفي ذلك رسائل كبرى يمكن فهمها، أبرزها عودة الحرس القديم إلى الواجهة.

اُستقبل الحاج رضوان في قصر المرادية بعد سنوات من التقاعد الوجوبي، للعب دور مهم في إعادة تشغيل جهاز المخابرات الجزائري، و"إصلاح الضرر الذي لحق به" نتيجة محاولة قايد صالح وضعه تحت سيطرته وفشله في ذلك.

 

عُيّن الحاج رضوان مستشارًا لرئاسة الجمهورية ومسؤولًا عن القضايا الأمنية، وسيكون جزءًا من الدائرة المقيدة للغاية من المستشارين الأمنيين الذين سيتم استشارتهم بانتظام والاستماع إليهم من قبل الرئيس الجديد عبد المجيد تبون.

عودة الحاج رضوان للقصر الرئاسي، بيّنت أن جماعته في طريقها لاستعادة زمام الأمور والتحكم من جديد في البلاد بعد سنوات التهميش التي طالتها، وكانت له مهمة التمهيد لذلك، فهو من أبرز الوجوه القديمة وأكثرهم خبرة وولاء للجنرال توفيق.

عمل الجنرال منصور بن عمارة على تهيئة الأرضية الملائمة لرفقاء دربه، وقام بتعيين العديد من الضباط في مناصب رئيسية وبارزة، مستغلًّا حاجة الرئيس تبون لخبرته وقدراته القوية على ضبط السياسات الأمنية الجديدة للجزائر.

لكن هناك ملاحظة وجب ذكرها، وهي دور الحاج رضوان وجماعته في وصول تبون إلى قصر المرادية، وفوزه برئاسة البلاد في انتخابات دون ناخبين حقيقيين أو مراقبين محايدين، رغم الرفض الشعبي الكبير لكل شخص تابع للمنظومة القديمة وعملَ مع بوتفليقة.

ويعدّ تبون أحد أبرز رجالات النظام الجزائري، حيث تبوّأ عدة مناصب سامية في الدولة، وكان أول منصب وزاري له عام 1991 في وزارة الجماعات المحلية، ثم شغل منصب وزير للاتصال، وبعدها منصب وزير للسكن والعمران والمدينة، كما شغل منصب الوزير الأول في 25 مايو/ أيار 2017 وأقيل في 15 أغسطس/ آب من العام نفسه.

تشكيل سياسات الدولة

يحاول تبون أن يبيّن للجميع أنه الماسك بزمام الأمور في البلاد، وأن كل التغييرات الحاصلة في الجزائر يقف هو وراءها ضمن رغبة إصلاحية لتحسين الوضع في بلاده، لكن عدة مؤشرات تؤكد أن تبون ما هو إلّا مفعول به يأتمر بأوامر الحرس القديم على رأسهم الحاج رضوان.

يعدّ عبد المجيد تبون، وفق عديد الجزائريين، إحدى الشخصيات التي أعادها النظام إلى الساحة، ويرى النظام في تبون وفق هؤلاء "حصان طروادة" القادر على رصّ الصفوف دون الخوف من تغوّله واللعب لمصلحته.

جرى تلميع صورة تبون في وقت سابق وتكريسه كبطل شجاع يحارب الفساد، حتى يحظى بالمقبولية لدى الحراك الشعبي الذي يطالب بإقصاء ومحاسبة رموز النظام، ومن ثم السيطرة عليه وتحركيه وفق خطط معدّة مسبقًا خدمةً لمصالح الحرس القديم.

تعيينه مستشارًا في قصر المرادية منح الحاج رضوان فرصة تشكيل سياسات الدولة ومزيد عزل للرئيس تبون، ومنح الشرطة السياسية صلاحيات أكبر، وظهر هذا في عجز بوتفليقة عن القيام حتى بزيارات إلى المناطق الداخلية من البلاد، واقتصرت جولاته على العاصمة فقط.

ظهرت جهود الحرس القديم في تغيير سياسات الدولة الجزائرية الخارجية، وقد لاحظنا ذلك في موقف النظام الجزائري من عدة ملفات.

عاد الجنرالات السابقون والمتعاونون مع الجنرال توفيق إلى مناصب استراتيجية في أعلى قمة للسلطة الجزائرية، وبدأت مفاوضات على قمة هرم السلطة لتقاسم النفوذ، فتبون يريد أن يظهر أنه الحاكم الفعلي وهو في حاجة إلى الحرس القديم، وجماعة توفيق يحكمون فعليًّا لكن في الظل.

سمح لهم تكوينهم الاستخباراتي في تنفيذ الخطة بإحكام، خاصة أنهم عُرفوا باستغلالهم أزمات البلاد لإحكام السيطرة، واستغلوا هذه المرة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فضلًا عن الأزمة الصحية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا.

رجع الحاج رضوان ورجال بومدين إلى مواقع نفوذهم بشكل سرّي، مصمّمين على تعويض الوقت الضائع من خلال محو كل آثار قايد صالح وعشيرته واستبدالهم بـ"محترفين" تمَّ تدريبهم لهذه المهام، بالتعاون مع رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة.

في الوقت نفسه، تمَّ فصل الجنرالات الذين عيّنهم قايد صلاح لرئاسة أجهزة المخابرات، لا سيما الجنرالات بوبكر نبيل ومحمد قايدي وبوعزة أواسيني، رئيس المديرية العامة للأمن الداخلي القوية، كما تمَّ القبض على عدد مهم منهم ووضعهم في السجون.

عملُ الحاجِ رضوان وجماعته لم يكن داخل البلاد فقط، وإنما أحكموا السيطرة على جميع التعيينات والعمليات في السفارات الجزائرية بالخارج، بعد أن تمَّ تدمير جماعة قايد صلاح بالكامل تقريبًا كما حدث في تسعينيات القرن الماضي.

ظهرت جهود الحرس القديم في تغيير سياسات الدولة الجزائرية الخارجية، وقد لاحظنا ذلك في موقف النظام الجزائري من الأزمة الليبية، فبعد صمت طويل قررت الجزائر الدخول بقوة إلى الملف الليبي ومساندة السلطة الشرعية.

ظهر التغيير أيضًا في تحركات الجزائر في ملف منطقة الساحل والصحراء، وموقفها من النظام الفرنسي والرئيس إيمانويل ماكرون، وأيضًا علاقاتها مع الدول الأوروبية الغربية، وعلاقاتها مع الدول العربية، وهي تغييرات جذرية للحرس القديم دور كبير فيها.

عاد الحاج رضوان إلى السلطة هو وباقي جماعة الجنرال توفيق بهدف إصلاح ما أفسده بوتفليقة وقايد صالح وفق تصوُّر تبون، لكن هل يعني ذلك أنهم سيتمكّنون من إنقاذ الجزائر من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تغرق فيها أم سيجعلونها أسوأ؟