من المتوقع أن تشهد العاصمة السودانية الخرطوم، يوم الإثنين 5 ديسمبر/كانون الأول، التوقيع على "الاتفاق الإطاري" بين قادة الجيش من جانب وقوى الحرية والتغيير وحلفائها الجدد من الجانب الآخر، في تسوية جديدة طُبخت في غرف مغلقة، أعادت إلى الأذهان ما حدث عام 2019 عندما تم التوقيع على الوثيقة الدستورية التي انقلب عليها الجنرال عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

تسوية لا تحقق مطالب الشارع

اتفاق عام 2019 وجد دعمًا لا بأس به من الشارع السوداني، فقد نجحت القوى السياسية آنذاك في إقناع الشباب الثائر على مضض بأن اتفاق الوثيقة الدستورية جيد رغم أنه جاء بعد أقل من 3 أشهر على مجزرة فض الاعتصام حين قتلت قوات المجلس العسكري مئات الشباب ورمت جثثهم في النيل واغتصبت عشرات الفتيات وفق تقارير حقوقية موثوقة.

لكن التسوية السياسية المرتقبة التي ستبدأ بـ"الاتفاق الإطاري" تواجه هذه المرة رفضًا كبيرًا من لجان المقاومة (دينامو الحراك الثوري المستمر منذ الانقلاب)، فقد أعلنت لجان مقاومة الخرطوم رفضها للتسوية ودعت إلى مواكب احتجاجية، بالتزامن مع التوقيع المرتقب للاتفاق.

وجاء في بيان مشترك للجان مقاومة الخرطوم: "لم ننحنِ للجلاد متدثرين بغطاء التسويات، ولم نساوم في حقنا في الحياة، في ديسمبر نقاوم متوحدين حول لا شراكة لا مساومة لا شرعية"، وتضمن جدول الاحتجاج الشهري، تسيير مواكب ذات طابع لا مركزي، الإثنين المقبل، بالتزامن مع توقيع قوى الإعلان السياسي وقادة الانقلاب على الاتفاق الإطاري.

كما توسعت اللجان في المواكب المركزية خلال الشهر الحاليّ، بواقع 5 مواكب، أيام (8 و13 و19 و25 و29) من ديسمبر/كانون الأول، فيما سيشهد يوم 15 موكبًا لامركزيًا إلى جانب موكب 5 من الشهر ذاته، وتتوافق اللجان على وجهة واحدة أو وجهات مختلفة في المواكب المركزية، فيما درجت العادة على اختيار القصر الرئاسي وجهة للاحتجاجات الكبرى.

جدير بالذكر أن الاتفاق الإطاري المرتقب وجد رفضًا حتى من داخل ائتلاف الحرية والتغيير، إذ اعتبره حزب البعث العربي (عضو في تحالف الحرية والتغيير) "يشرعن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول، وقال نائب الأمين العام للحزب عثمان أبو رأس إن الاتفاق ينسف ما اتفقت عليه القوى السياسية بأن لا تذهب لأي حلٍ للأزمة إلا بالتوافق مع جميع قوى الثورة.

البرهان عجر عن تحقيق وعوده

يأتي اتفاق التسوية بعد أكثر من عام على الانقلاب على الشراكة بين المدنيين والعسكريين، فقد فشل المجلس العسكري بقيادة البرهان في تشكيل حكومة، كما عجز عن الإيفاء بأي من وعوده التي أطلقها في بيان الانقلاب صباح 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، فلم تُكوّن هياكل السلطة الانتقالية، ولا تحسنت الأوضاع الأمنية والاقتصادية كما وعد.

بل ظلت الاحتجاجات السلمية متواصلة رغم القمع الوحشي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 120 محتجًا وإصابة أكثر من 7000 بإصابات مختلفة منهم 24 شابًا أصيبوا بالشلل التام، وفق تقارير لجنة الأطباء المركزية "منظمة تطوعية". 

تواصل الضغوط الداخلية والخارجية أجبر قائد الانقلاب على إعلان خروج الجيش من السياسة وتسليم السلطة الانتقالية إلى المدنيين في يوليو/تموز الماضي، لكنه في الوقت نفسه طالب بالاحتفاظ بمفاتيح القوة الرئيسية، مثل تشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة برئاسته، إلى جانب السيطرة على البنك المركزي والعلاقات الخارجية، ما يترك السلطة المدنية منزوعة الأنياب. 

صحيح أن الاتفاق الإطاري المتوقع قلص هذه الصلاحيات وحقق امتيازات للمدنيين، إلا أنه يُبقي البرهان قائدًا للجيش ومحمد حمدان دقلو "حميدتي" قائدًا لقوات الدعم السريع سيئة السمعة مع حديث عام عن تشكيل جيش وطني موحد بدمج قوات الدعم السريع في الجيش دون تحديد مدة زمنية لهذا الدمج.

صفقة في ظل تمدد حميدتي 

يحدث ذلك في ظل التمدد المستمر لحميدتي واستمرار خرقه للقوانين، فقد كشف تحقيق استقصائي لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الأسبوع الماضي حصول قوات الدعم السريع المملوكة لحميدتي، على شحنة أنظمة تجسس متطورة لاختراق الهواتف الذكية وتحويلها إلى مخبرين صوتيين ومرئيين ضد أصحابها.

تطابقت تفاصيل تحقيق هآرتس مع كثير مما جاء في تقرير نُشر في يونيو/حزيران الماضي، أعدته منصة "مونتي كاروو" السودانية المتخصصة في التسريبات العسكرية.

الفرق الرئيسي بين التقريرين أن المنصة السودانية تقول إن الشحنة التي تسلمتها قوات الدعم السريع كانت قادمة من "إسرائيل" مباشرة، وأنها تشكل بداية التعاون الفعلي التقني والتكنولوجي بين قوات الدعم السريع والكيان الإسرائيلي، لكن تحقيق هآرتس خلص إلى أن الشحنة سلمتها طائرة تتبع لشركة سرية بالغة التأثير مملوكة لرجل مخابرات إسرائيلي سابق، مرتبطة بشبكة شركات تمتد من قبرص إلى جزر العذراء البريطانية وأيرلندا واليونان.

وأضافت الصحيفة أنه واستنادًا إلى ثلاثة مصادر مستقلة، فإن الشحنة وصلت إلى السودان في مايو/أيار الماضي على متن طائرة ركاب تدعى "سيسينا"، مرتبطة بـ"تال ديليان" وهو عميل سابق في وحدة النخبة التابعة للجيش الإسرائيلي، يدير نشاطاته وعملياته لبيع معدات وتقنيات المراقبة المتطورة من قبرص.

جاء تحقيق الصحيفة الإسرائيلية في وقت غير مناسب مع قوى الحرية والتغيير التي يجمعها تحالف غير معلن منذ فترة مع دقلو، فالأخير أعلن في وقت مبكر دعمه لمشروع الدستور الذي أعدته اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين "المقربة من قوى الحرية والتغيير".

وأعرب حميدتي في سبتمبر/أيلول الماضي عن أمله في أن يكون مشروع الدستور نافذة أمل لبناء الثقة بين الأطراف السودانية كافة، في سبيل الوصول إلى اتفاق شامل لحل الأزمة السودانية، مشيرًا إلى أنه يدعم كل الجهود التي تُسهم في التغلب على المصاعب التي تواجه البلاد، ودعا جميع الأطراف إلى الانخراط في حوار شامل، يفضي إلى اتفاق لاستكمال الفترة الانتقالية بما يحفظ أمن واستقرار البلاد، حسب زعمه.

قوى الحرية والتغيير فشلت في التسويق للتسوية 

رغم النشاط الإعلامي المتزايد للمنصات والكوادر المحسوبة على قوى الحرية والتغيير في التسويق للتسوية التي أطلقوا عليها اسم "الاتفاق الإطاري"، فإنها لم تنجح في إقناع السواد الأعظم من الثوار المطالبين بالقصاص لرفاقهم والمتمسكين بشعار "لا تفاوض.. لا شراكة.. لا شرعية".

يرى كثيرون أن الاتفاق الإطاري ما هو إلا تكريس لاستمرار إفلات الجنرال البرهان من العقاب والمراوغة والخيانة، ففي 2019 زعم أنه جاء ليحمي الثورة، ثم فض الاعتصام بوحشية، وهذه أول خيانة، وبعد تشكيل الحكومة أصبح يتآمر عليها ويضع العراقيل والأزمات أمامها، وهذه الخيانة الثانية، ثم قام البرهان بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول ضد شركائه في الحكومة، وهذه الخيانة الثالثة، وهو ينوي أن يخون للمرة الرابعة، إذ ورد أنه قال في اجتماع تنويري لرتب ضباط الجيش من العميد فما فوق برئاسة الأركان قبل أسبوعين: "نجرب المدنيين كان نفعوا تمام كان ما نفعو تاني بنقلبها".

تهافت قوى الحرية على التسوية مع العسكر يعني أنها ستفقد الثقل الجماهيري والسياسي الذي تتمتع به لجان المقاومة

إذًا لا توجد أي ضمانات تمنع انقلاب البرهان وحمديتي على اتفاق التسوية الجديد، بل إنه ليس من المستبعد أن يتم "ترقيع" وتعديل بنود الاتفاق، كما حدث في الوثيقة الدستورية لعام 2019، عندما أُضيفت لها اتفاقية جوبا للسلام، وحصل حميدتي على صفة "نائب رئيس مجلس السيادة" رغم عدم وجود هذا المنصب في الوثيقة الدستورية.

فإذا قُدّر لهذا الاتفاق أن يتم، لا يُستبعد أن يعود المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن يقوم البرهان وحميدتي بالتغول على صلاحيات الحكومة التنفيذية تدريجيًا كما حدث في عهد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وهو ما شجعهما على تنفيذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

رهان البرهان على "إسرائيل" وتقسيم القوى السياسية 

يراهن البرهان على احتفاظه بعلاقات أمنية عسكرية استخباراتية مع الكيان الإسرائيلي للاستفادة منها سياسيًا وأمنيًا، وقد بدأت هذه العلاقات منذ لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمدينة عنتيبي الأوغندية عام 2020، لتنشط بعدها وتتواصل الزيارات المتبادلة بين الوفود الأمنية والعسكرية بين الطرفين.

كما يراهن قائد الانقلاب على تقسيم القوى السياسية وإضعافها وإظهار تناقضاتها وفشلها، وإدخال البلاد في حروب وصدامات قبلية وجهوية، تبرر للجيش - وهو على قمته - الانقلاب في أي وقت بحجة الحفاظ على الأمن.

كان على قوى الحرية والتغيير أن تقترب من لجان المقاومة بدلًا من إطلاق كوادرها لاتهام شباب اللجان وميثاقهم الثوري بالانتماء للحزب الشيوعي بسبب رفض التسوية، فلولا الحراك الثوري وتضحيات الشباب المقاومين لبقي قادة قوى الحرية والتغيير في السجون حتى اليوم، إذ انفردت لجان المقاومة بقيادة الحراك المناهض للانقلاب من يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول بينما تبنت قوى الحرية موكبًا واحدًا باسمها في يوليو/تموز الماضي، كشف عن تضاؤل الثقة فيها مقارنة بالعام 2019.

تهافت قوى الحرية على التسوية مع العسكر يعني أنها ستفقد الثقل الجماهيري والسياسي الذي تتمتع به لجان المقاومة، ما سيجعلها "مكشوفة الظهر" أمام البرهان وهو ما سيشجعه على تنفيذ انقلابه القادم بسهولة.