فقدان أدوية عديدة من الصيدليات في تونس

فقدان أدوية عديدة من الصيدليات في تونس

كثيرًا ما تعترضك إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي لتونسيين يبحثون عن أدوية لم يجدوها في الصيدليات، بينها تلك الأدوية العادية مثل مسكنات الألم والمضادات الحيوية، وحتى الفيتامينات والمكملات الغذائية، دون الحديث عن أدوية الأمراض المزمنة والأمراض النادرة، فالحصول عليها أصبح من المستحيلات.

إعلانات متداولة تؤكد حدة الأزمة التي وصلت لها تونس في مجال توفير الأدوية، فالعديد منها مفقود وإن توافر فبأعداد قليلة يُباع بالواسطة، أزمة لها أن تؤثر على صحة التونسيين، في ظل صمت نظام قيس سعيد وعدم تدخله لإيجاد حل لها، فما الأسباب؟

توقف توزيع الأدوية للصيدليات

آخر مظاهر الأزمة، توقف نشاط موزعي الأدوية، فبداية من اليوم الإثنين، يتوقف نشاط المؤسسات الصيدلية الموزعة للأدوية بالجملة، تلبية لقرار الغرفة الوطنية التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف).

توقف النشاط يعني أن الصيدليات لن تحصل على الأدوية طيلة فترة الإضراب الذي سيتواصل إلى "حين إيجاد حلول فعلية لإنقاذ القطاع وضمان توزيع الأدوية في البلاد والحفاظ على حق المريض في الدواء"، وفق قول غرفة مزودي الأدوية بالجملة.

المشاكل المالية للصيدلية المركزية ليست السبب الوحيد وراء الأزمة، إذ يوجد العديد من المشاكل الإدارية والهيكلية أيضًا

ترجع غرفة مزودي الأدوية هذا القرار إلى الأزمة المالية التي تواجه القطاع، إذ تطالب نقابة الصيدليات، السلطات بتمكينها من "شهادة إعفاء من الخصم من المورد"، ما يعني إعفاءات ضريبية عن مبيعاتها من الأدوية في عام 2022، بسبب أزمتها المالية المتراكمة.

طلب النقابة لم تستجب له الدولة ولم تتفاوض بخصوصه، يذكر أن هذا القطاع حصل بشكل استثنائي على الإعفاء ذاته عام 2006، ويصر الصيادلة على هذا الإعفاء لإنقاذ القطاع الذي يعاني من أزمة مالية خانقة، خاصة أمام الارتفاع المتواصل للأعباء المالية للمؤسسات الصيدلية الموزعة للأدوية بالجملة.

يُذكر أن عدد المؤسسات الناشطة في مجال توزيع الأدوية في تونس يبلغ 77 مؤسسة تغطي مختلف مناطق البلاد، ويقدر هامش ربح هذه المؤسسات من إعادة توزيع الأدوية على الصيدليات بـ8%، وفق تصريحات سابقة لعضو الغرفة النقابية لموزعي الأدوية بالجملة، رازي ملياني.

أزمة الأدوية في تونس

من شأن قرار غرفة مزودي الأدوية بالجملة الأخير أن يؤدي إلى اضطراب في منظومة توزيع الأدوية في تونس، وهو ما سيكون له انعكاس سلبي مباشر على توافر الأدوية في الصيدليات والمستشفيات العمومية والخاصة المنتشرة في البلاد.

هذا الأمر سيزيد من تعميق أزمة الأدوية التي تعاني منها تونس منذ فترة، فمنذ سنوات يعرف قطاع الأدوية أزمة حادة، فليس من السهل العثور على العديد من الأدوية في هذا البلد العربي، فيضطر العديد من التونسيين إلى البحث عن بدائل الأدوية المفقودة أو جلبها من الخارج بإمكاناتهم الخاصة.

جولة صغيرة في بعض الصيدليات المنتشرة في العاصمة، نكتشف بعدها أن العديد من الأدوية الحياتية غير متوافرة بالصيدليات من بينها الخاصة بعلاج الأمراض العادية كالحمى وغيرها من الأمراض الموسمية، أما أدوية الأمراض المزمنة كمرض القلب وضغط الدم والسكري، فأصبح الحصول عليها من صيدليات المستشفيات أو صيدليات مصحات الضمان الاجتماعي التي تصرف هذا الصنف من الدواء لفائدة مضموني صندوق الضمان الاجتماعي، أمرًا صعبًا.

تكتفي صيدليات المستشفيات العمومية وصيدليات مصحات الضمان الاجتماعي بصرف أصناف قليلة من الأدوية بكميات محددة، وحتى من اختار اقتناء الأدوية من الصيدليات الخاصة على نفقته الخاصة، يجد صعوبة في الحصول عليها.

تفيد غرفة الصيادلة التونسية أن عدد الأدوية المفقودة حاليًّا يتراوح بين 500 و700 نوع بعد أن كان العدد في حدود 200 صنف، خاصة أدوية حقن "الأنسولين" التي يتناولها مرضى السكري أو عقاقير وأقراص طبية توصف لمرضى الأعصاب.

وزاد قرار ثلاثة من كبار مصنعي الدواء مغادرة تونس وتصفية أعمالهم في الأشهر الأخيرة، من متاعب القطاع، فهذه المصانع الكبرى كانت تصنع الدواء للسوق المحلية وتنقل أيضًا تقنيات تصنيع الأدوية المستجدة.

تعود هذه الأزمة في جزء منها إلى المشاكل التي تواجهها الصيدلية المركزية التونسية، الجهة الوحيدة المخول لها قانونيًا حق توريد الأدوية في تونس، حيث تعاني الصيدلية من أزمة مالية حادة نتيجة تراكم ديونها لدى المزودين الأجانب لتبلغ نحو 225 مليون دولار، وعجزها في الوقت نفسه عن تحصيل ديونها لدى المستشفيات والمؤسسات الصحية التونسية.

تثبت العديد من المؤشرات أن نظام قيس سعيد تنصل من مسؤولياته تجاه قطاع الصحة والمرضى، رغم ادعائه حماية أمن التونسيين

المشاكل المالية للصيدلية المركزية ليست السبب الوحيد وراء الأزمة، إذ توجد العديد من المشاكل الإدارية والهيكلية أيضًا التي زادت من حدة الأزمة، لكن التهريب يمثل عائقًا كبيرًا أمام عملية الإصلاح وتجاوز الأزمة.

وغالبًا ما تتحدث وزارة الداخلية التونسية عن إحباط عمليات تهريب كميات كبيرة من الأدوية المستوردة أو المصنّعة محليًا على الحدود التونسية مع الجزائر وليبيا، وفي العديد من المرات تدعي بعض المخابر التي تنتج الأدوية في تونس نفاد منتوجها دون مبرر لتهريبها للخارج، خاصة أن سعر الأدوية في تونس أرخص من سعرها في بلدان مجاورة، وهذا ما يغذي عمليات تهريب الأدوية إلى الخارج.

حياة التونسيين في خطر في ظل صمت الدولة

فقدان الأدوية لا سيما الخاصة بالأمراض الخطيرة من الصيدليات والمستشفيات الحكومية، من شأنه أن يمثل خطرًا كبيرًا على حياة التونسيين، فآلاف المرضى محرومون من الدواء، ما يعرضهم لأزمات صحية تهدد حياتهم.

ويخشى العديد من التونسيين تواصل الأزمة وتفاقمها، في وقت تعيش فيها البلاد أزمات مختلفة شملت مختلف نواحي الحياة، وهو ما يهدد سلامة التونسيين وأمنهم الصحي، خاصة أن الدولة أثبتت عدم اهتمامها بما يحصل في قطاع الصحة.

الأزمة ليس وليدة اليوم، فهي نتاج تراكمات كثيرة، فالصيدلية المركزية والمهنيون في هذا القطاع، أطلقوا صيحة فزع منذ سنة 2015، مع عجز الصيدلية عن الحصول على مستحقاتها المالية من زبائنها العموميين مثل المستشفيات الحكومية والصندوق الوطني للتأمين على المرض الحكومي.

مع ذلك لم تحرك الدولة ساكنًا وفضلت الصمت على التدخل لإنقاذ الوضع، ما أدى إلى تدهور القطاع الصحي في البلاد، الذي يشكو أمراضًا كثيرةً يصعب حلها بسهولة، الأمر الذي يهدد أمن التونسيين وسلامتهم الصحية.

على السلطة أن تعجل بسداد جزء كبير من ديون المؤسسات العمومية تجاه الصيدلية المركزية، التي فقدت مصداقيتها تجاه مزوديها في الخارج، وستصبح عاجزة تمامًا عن توريد الأدوية، ما سيجعل العديد من أصناف الأدوية الحياتية مفقودة. عليها أيضًا أن تزيد من عمليات مراقبة مسالك توزيع الأدوية ومحاربة ظاهرة تهريب الأدوية نحو دول الجوار، وترشيد التصرف في مخزون الأدوية بالمستشفيات، فضلًا عن ترشيد الشراء.