ينص الاتفاق على تسليم حكم السودان للمكون المدني

أعلن المكون العسكري في السودان الخروج من العمل السياسي من أجل فسح المجال للمكون المدني لقيادة البلاد في مرحلة انتقالية مدتها 24 شهرًا تفضي إلى انتخابات تؤسس لدولة مستقرة، وفق منطوق اتفاق سياسي إطاري بين عدد من القوى المدنية ومجلس السيادة السوداني.

اتفاق سياسي جديد من شأنه - إن جرى الالتزام به - أن يخفف حدة التوتر والأزمة التي خلفتها إجراءات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021 حين حل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وعزل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

التأسيس لحكم مدني

من شأن الاتفاق السياسي الجديد الذي جرى التوصل إليه بعد مفاوضات شاقة، أن يفتح الطريق أمام حكم مدني مستدام وتحول ديمقراطي في السودان، إذ ينص على تشكيل سلطة مدنية تقود المرحلة الثانية من الفترة الانتقالية وصولًا إلى إجراء انتخابات عامة "تكون ذات مصداقية وشفافة وتتمتع بالنزاهة"، على أن تجري عقب إجراء عملية شاملة لصياغة الدستور، والاتفاق على الأسس والقضايا الدستورية بمشاركة كل أقاليم السودان.

ينص الاتفاق على 4 مستويات للسلطة الانتقالية هي: "المجلس التشريعي والمستوى السيادي ومجلس الوزراء والمجالس العدلية والمفوضيات المستقلة"، وذلك لإدارة فترة انتقالية مدتها 24 شهرًا تبدأ بتعيين رئيس وزراء، وفقًا لمعايير الكفاءة الوطنية والالتزام بالثورة والإعلان السياسي ومهام وقضايا الانتقال، و"يتشاور رئيس الوزراء المعين مع القوى الموقعة على الإعلان السياسي والدستور الانتقالي، لاختيار وتعيين الطاقم الوزاري وحكام الولايات والأقاليم، من كفاءات وطنية ملتزمة بالثورة وبالإعلان السياسي وبمهام وقضايا الانتقال، ودون محاصصة حزبية"، طبقًا لنص الإعلان.

يُفهم من هذه البنود وجود رغبة لدى المكون العسكري في السودان للابتعاد عن الحياة السياسية بعد تأكد فشله وعدم قدرته على مواصلة حكم البلاد

يحدد الدستور، وفق الاتفاق، مهام المجلس التشريعي وعدد مقاعده ونسب ومعايير اختيار أعضائه بما يضمن مشاركة النساء بنسبة 40% والشباب ولجان المقاومة وذوي الاحتياجات الخاصة، على أن يشكل بواسطة القوى الموقعة على الإعلان السياسي.

وفي خصوص المجالس العدلية، فينص الاتفاق على إنشاء مجلس عدلي مؤقت من 11 عضوًا يتم اختيارهم بواسطة الأطراف الموقعة على الإعلان السياسي والدستور الانتقالي، لاختيار رئيس القضاء ونوابه، والنائب العام ومساعديه، ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، كما يُعين رئيس الوزراء المفوضيات المستقلة والمتخصصة من ضمن قائمة المرشحين المقدمة إليه من القوى الموقعة على الإعلان السياسي.

أما في المستوى السيادي، فقد ذكر الاتفاق أن قوى الثورة الموقعة على الإعلان الإطاري، تختار بالتشاور، مستوى سياديًا مدنيًا محدودًا بمهام شرفية، يمثل رأسًا للدولة ورمزًا للسيادة وقائدًا أعلى للأجهزة النظامية.

تجريم الانقلابات

جرّم الاتفاق السياسي الانقلابات العسكرية في البلاد وكل تغيير سياسي خارج الأطر الدستورية، وهو محور مهمة خاصة أن السودان كثيرًا ما شهد انقلابات عسكرية، آخرها يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، الذي قاده قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وحل على إثره مجلسي السيادة والوزراء وفرض حال الطوارئ.

شهد السودان منذ استقلاله سنة 1956 عدة انقلابات عسكرية نجح بعضها وباءت محاولات أخرى منها بالفشل، أولها كان سنة 1957، حين قاد مجموعة من ضباط الجيش بقيادة إسماعيل كبيدة، انقلابًا ضد أول حكومة وطنية ديمقراطية، لكن رئيس الحكومة إسماعيل الأزهري أحبط المحاولة.

بعدها بسنة انقلب الفريق إبراهيم عبود ومجموعة من الضباط على حكومة ائتلافية بين حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، وفي سنة 1969 نفذت مجموعة "الضباط الأحرار" بقيادة جعفر النميري انقلابًا عسكريًا، بعد فترة من الأزمات السياسية والمؤامرات والتحالفات المتهافتة على السلطة.

سنة 1971، شهد السودان انقلابًا آخر قاده الضابط هاشم العطا ومجموعة من الضباط المحسوبين على الحزب الشيوعي في الجيش السوداني، استولوا فيه جزئيًا على السلطة لمدة يومين، لكن النميري استعاد سلطته وحاكم الانقلابيين وعددًا من المدنيين.

استمرت المحاولات الانقلابية في سبعينيات القرن الماضي، ففي أعوام 1973 و1975 و1976، عاشت البلاد محاولات انقلابية ضد نظام النميري باءت جميعها بالفشل، وفي سنة 1985 جرى بالفعل الانقلاب على النميري وشكل حينها الفريق عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب مجلسًا عسكريًا أعلى.

بعد 4 سنوات، قاد العميد عمر حسن البشير انقلابًا ضد الحكومة المدنية المنتخبة برئاسة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي آنذاك، وشن الانقلابيون حملة اعتقالات طالت قادة جميع الأحزاب السياسية بمن فيهم حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية.

خلال فترة حكم البشير تتابعت المحاولات الانقلابية، أبرزها محاولات سنة 1990 بقيادة اللواءين عبد القادر الكدرو ومحمد عثمان، ومحاولة 1992 بقيادة العقيد أحمد خالد، لكن أُجهِضت هذه المحاولات الانقلابية ومحاكمة قادتها.

سقوط نظام عمر البشير الذي حكم السودان 30 سنة، وإن حدث إثر احتجاجات شعبية - تزعمتها نقابة المهنيين السودانيين وطلاب الجامعات بمساندة قوى إعلان الحرية والتغيير - مناهضة لحكمه سنة 2019، إلا أن مجلسًا عسكريًا هو من أطاح به، ما يعني أن ما حصل هو انقلاب عسكري أيضًا.

تواصلت المحاولات الانقلابية بعد ذلك، وعرف السودان محاولات عديدة فاشلة منها تلك التي أعلنها الجيش في يوليو/تموز 2021، وفي سبتمبر/أيلول من نفس السنة اتهم فيها ضباطًا ومدنيين مرتبطين بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير.

ابتعاد العسكر عن السياسة

تجريم الانقلابات يعني ابتعاد العسكر عن السياسة وفسح المجال أمام المدنيين لحكم السودان، فقد تعهد رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان خلال مراسم التوقيع بخروج المؤسسة العسكرية من العملية السياسية بشكل نهائي، ودعا في المقابل القوى السياسية إلى الابتعاد عن السلطة لتشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة لتنفيذ مطالب الثوار، قائلًا "الجيش للثكنات والأحزاب للانتخابات".

في نفس السياق، تعهد البرهان بتحويل الجيش إلى مؤسسة تخضع للدستور والقانون والمؤسسات المنتخبة، ومنع تسييسه وتحيزه إلى حزب أو جماعة أو أيديولوجيا، كما طالب القوى المدنية بعدم التدخل في الشؤون العسكرية الفنية وأن تترك للمؤسسة العسكرية تنفيذ سياسات الأمن الوطني.

بدوره دعا قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى إصلاحات عميقة في المؤسسة العسكرية، وطالب القوى السياسية بعدم السعي لاستخدام الجيش في الوصول إلى السلطة، وفق تعبيره، وحدد الاتفاق الموقع بين المكون العسكري والمدني 4 مجموعات عسكرية تمثل الأجهزة النظامية وهي: القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والشرطة وجهاز المخابرات.

وفق نص الاتفاق "يحدد القانون الحالات التي يجوز فيها لمجلس الوزراء اللجوء إلى إشراك القوات المسلحة في مهام ذات طبيعة غير عسكرية"، وأكد حظر تكوين مليشيات عسكرية وشبه عسكرية، كما حظر مزاولة القوات المسلحة والشرطة للاستثمار.

هذا الترحيب وهذه النقاط المهمة في الاتفاق، لا يمكن أن تنهي توجس الشارع السوداني

أشار الاتفاق إلى إصلاح جهازي الشرطة والمخابرات على أن تختصر مهام الأخير على جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المختصة وألا تكون له سلطة اعتقال أو احتجاز، كما نص على دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة وفق الجداول المتفق عليها.

وأقر الاتفاق تشكيل "مجلس الأمن والدفاع" برئاسة رئيس الوزراء وعضوية الوزارات ذات الصلة وقادة الأجهزة النظامية و6 من حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، على أن تحدد مهام وصلاحيات المجلس وفق الدستور الانتقالي.

يُفهم من خلال هذه البنود وجود رغبة لدى المكون العسكري في السودان للابتعاد عن الحياة السياسية بعد تأكد فشله وعدم قدرته على مواصلة حكم البلاد في هذه الظرفية التي تتسم بعدم الاستقرار الأمني والاقتصادي.

تيقن العسكر صعوبة المهمة وأرادوا الانسحاب والحكم من وراء الستار، حتى لا يتم اتهامهم بالتسبب في أزمات البلاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهم يعلمون أن الوضع الآن غير ملائم للظهور على الساحة.

أبرز الموقعين والرافضين

لا بد من الإشارة إلى أن الاتفاق الجديد لم يحظ بموافقة كل الأطراف المدنية، فهناك العديد من الأطراف رفضت التوقيع عليه، وأبرز الموقعين حزب الأمة القومي والتجمع الاتحادي وحزب المؤتمر السوداني، وجميعها تتبع قوى الحرية والتغيير.

إضافة إلى هذه القوى، وقع على الاتفاق حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل - فصيل محمد الحسن الميرغني وجماعة أنصار السنة المحمدية والحزب الجمهوري وحزب البعث القومي بقيادة كمال بولاد وتجمع المهنيين "ب"، إضافة إلى حركات مسلحة موقعة على اتفاق سلام مع الحكومة.

أما أبرز المعارضين للاتفاق، فجاء "الحرية التغيير- الكتلة الديمقراطية" وأبرز مكوناتها الحزب الاتحادي الديمقراطي - الأصل بزعامة محمد عثمان الميرغني، وتضم الكتلة حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم الذي يشغل وزارة المالية والاقتصاد وحركة تحرير السودان برئاسة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي وقوى أخرى.

كما عارض الحزب الشيوعي السوداني الذي يقود تحالفًا باسم قوى التغيير الجذري، وأحزاب البعث الاشتراكي والحزب الناصري الاتفاق السياسي، وكذلك تحالف قوى نداء السودان الذي يضم تيارات إسلامية أبرزها أنصار حزب المؤتمر الوطني المحظور، وقيادات قبلية ورجال الطرق الصوفية.

رغم هذه المعارضة، يعتبر الاتفاق الجديد اختراقًا مهمًا في طريق حل الأزمة في السودان ورجوع العسكر إلى الثكنات والاضطلاع بمهمتهم الأساسية، وتصدر المكون المدني للعملية السياسية، وهو ما جعله محل ترحيب داخلي وخارجي.

لكن هذا الترحيب وهذه النقاط المهمة في الاتفاق، لا يمكن أن تنهي توجس الشارع السوداني، خاصة أن المكون العسكري عُرف بتراجعه عن اتفاقات سابقة ولذلك لا يُؤتمن جانبه، ولا سيما أيضًا أن المكون السياسي يشهد انقسامًا كبيرًا، ما يجعل مستقبل البلاد غامضًا بعض الشيء.