تعهّدت واشنطن بتقديم 55 مليار دولار للدول الأفريقية

تعهّدت واشنطن بتقديم 55 مليار دولار للدول الأفريقية

"عندما تنجح أفريقيا، تنجح الولايات المتحدة.. العالم كله ينجح"، هكذا قال الرئيس الأمريكي جو بايدن في كلمته التي ألقاها أمام قادة 49 دولة أفريقية، مؤكدًا أن بلاده ستكون حليفًا أساسيًّا للقارة الأفريقية خلال السنوات المقبلة.

تؤكد كلمات بايدن أهمية أفريقيا بالنسبة إلى واشنطن، وسعي الأخيرة لتدارك غيابها عن ساحة الفعل في القارة السمراء في السنوات الأخيرة، وتضييق الفجوة التي اتسعت على مدى سنوات بسبب حالة الإحباط من التزام الولايات المتحدة تجاه القارة.

كما تؤكد سعي إدارة الرئيس بايدن إلى غلق الطريق أمام القوى الأخرى التي تمددت في القارة السمراء وملأت الفراغ الحاصل، على رأسها الصين وروسيا، إذ لا تُخفي واشنطن خشيتها من النفوذ الصيني والروسي المتنامي في القارة الأفريقية.

قمة أفريقية أمريكية

في الصيف الماضي، كشفت الإدارة الأمريكية عن استراتيجية "أفريقيا الجديدة"، وتمَّ الإعلان عن إصلاح شامل للسياسة الأمريكية في دول أفريقيا جنوب الصحراء لمواجهة التغلغل الصيني والروسي هناك.

ضمن هذه الاستراتيجية، تحتضن واشنطن قمة أفريقية أمريكية خلال هذا الأسبوع، حتى تظهر الولايات المتحدة التزامها تجاه أفريقيا، وتؤكد على أهمية العلاقات بين الطرفَين، وزيادة التعاون بشأن "الأولويات العالمية المشترَكة"، وفق الرئيس بايدن.

هذه القمة الأمريكية - الأفريقية التي انطلقت أول أمس الثلاثاء وتستغرق 3 أيام، هي الأولى من نوعها التي تعقدها الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس جو بايدن، لكن سبق لواشنطن أن احتضنت قمة مماثلة عام 2014 في عهد الرئيس باراك أوباما، وحينها كان بايدن نائبًا له.

 

يشارك في هذه القمة نحو 50 وفدًا رفيع المستوى تمثّل بلدانًا أفريقية، فضلًا عن مفوضية الاتحاد الأفريقي، وعدد من منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، فيما تمَّ استثناء 4 دول من المشاركة، وهي السودان وبوركينا فاسو وغينيا ومالي، وذلك بسبب تعليق عضويتهم من قبل الاتحاد الأفريقي، فضلًا عن استثناء إريتريا لعدم وجود علاقات دبلوماسية لها مع الولايات المتحدة.

كما لم توجِّه الإدارة الأمريكية دعوة لرئيس زيمبابوي، إيمرسون منانغاغوا، كونه ما زال خاضعًا لعقوبات أمريكية تحظر دخوله الولايات المتحدة، لاتهامه بتقويض الديمقراطية وارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان في هذا البلد الأفريقي الفقير.

مساعدات واستثمارات

ركّزت القمة التي تنتهي اليوم على مناقشة مبادرات عديدة في مجالات الطاقة والخدمات المالية والمناخ والأمن الغذائي والرعاية الصحية، وهي القضايا نفسها التي تمّت مناقشتها عام 2014، إلا أن التركيز الآن كان صوب تعزيز التجارة الثنائية ومبادرات الاستثمار بين الدول الأفريقية والولايات المتحدة.

ومثّلت هذه القمة مناسبة للإعلان عن استثمارات جديدة ومساعدات أمريكية لصالح الدول الأفريقية، خاصة أن أغلب الدول الأفريقية ما زالت تئنُّ تحت وطأة التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا والحرب الروسية ضد أوكرانيا.

تمَّ الإعلان عن المساعدات قبيل انطلاق القمة، إذ أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، التزام واشنطن بتقديم 55 مليار دولار لأفريقيا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وبتعيين ممثل خاص تناط به مهام تنفيذ البرامج المعتمدة خلال القمة.

ستخصَّص هذه الأموال للصحة والاستجابة لتغيُّر المناخ، وفق جيك سوليفان، وفي بداية القمة، أول أمس الثلاثاء، أعلنت إدارة بايدن عن منح 4 مليارات دولار بحلول عام 2025 للتوظيف وتدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية في أفريقيا بعد جائحة كورونا.

تنامي النفوذ الصيني في القارة الأفريقية، يُفهم من خلال تربُّع بكين على عرش التجارة الدولية في أفريقيا.

كما أعلن الرئيس الأمريكي أمس الأربعاء عن استثمارات جديدة في أفريقيا، لتطوير بنيتها التحتية ودعم قطاعَي الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي لديها، وخلال منتدى الأعمال المقام ضمن القمة، قال بايدن إن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "يو إس آيد" ستستثمر نحو 370 مليون دولار في مشاريع جديدة.

ستخصَّص 100 مليون من هذه الاستثمارات لتأمين الطاقة النظيفة لملايين الأشخاص جنوبي الصحراء، و20 مليونًا لاقتناء الأسمدة لصغار المزارعين، لا سيما النساء منهم، و10 ملايين دولار لدعم شركات صغيرة ومتوسطة توفّر مياه الشرب لتجمعات سكانية محرومة من هذا المورد.

كما أطلقَ بايدن مشروعًا لتأمين الكهرباء والإنترنت لما لا يقلّ عن 10 آلاف منشأة صحية في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وبتمويل من خلال شراكات مع القطاع الخاص، ضمن مبادرة تمتدّ على 5 سنوات ستركّز على الطاقات المتجددة.

ويلتقي على هامش القمة الرؤساء التنفيذيون وقادة القطاع الخاص من أكثر من 300 شركة أميركية وأفريقية مع رؤساء وفود القمة لتحفيز الاستثمار في القطاعات الحيوية، بما في ذلك الصحة والبنية التحتية والطاقة والأعمال التجارية الزراعية والرقمية، وفق الخارجية الأمريكية.

عقبات كثيرة

رغم أهمية هذه المساعدات والاستثمارات، إلا أنها تبقى دون المأمول، فهي لا تلبّي حاجة الأفارقة في الوقت الحالي، ذلك أن احتياجات القارة الأفريقية أكثر بكثير من مبلغ 55 مليار دولار الذي خصّصته الولايات المتحدة لدول القارة.

كما أن على واشنطن أن ترفع القيود التي وضعتها بنفسها وتحدّ من وجودها في القارة الأفريقية، إذ عليها أن تخفّف من الضوابط التي تضعها أمام نفاذها إلى القارة الأفريقية التي في حاجة ماسّة إلى الاستثمارات، وفتح الأسواق أمام منتجاتها بصورة تخلق تنمية مستدامة في القارة.

 

جدير بالذكر أن كل ما تقدّمه الولايات المتحدة من مِنَح ومساعدات واستثمارات لأفريقيا، يكون مشروطًا ومكبّلًا بالقيود والضوابط، فتحركات واشنطن في أفريقيا تتمّ وفقًا للقواعد ورؤيتها التي تحدّدها بنفسها وتصبّ في مصلحتها كليًّا.

ويأمل الأفارقة في الحصول على أكبر قدر من الاستثمارات لدعم أمنهم الغذائي، ورفع قدرتهم الإنتاجية، خاصة أن اقتصادات أغلبية الدول تعاني جرّاء جائحة كورونا والحرب الروسية ضد أوكرانيا وانعدام الاستقرار في دولها.

خشية النفوذ الصيني الروسي

يقول الرئيس بايدن إنه يتطلّع إلى العمل مع الحكومات الأفريقية، لتعزيز مستقبل العلاقات بين بلاده ودول القارة السوداء، إلا أنه لم يَزُر بعد دول أفريقيا جنوب الصحراء منذ بدء ولايته في يناير/ كانون الثاني 2021، ما يؤكّد أن الأفارقة خارج اهتماماته.

عودة الاهتمام الأمريكي بالقارة السمراء بشكل مفاجئ بعد سنوات من الجفاء، يرجع إلى التمدد الروسي والصيني هناك، إذ تخشى واشنطن التوسع الصيني والروسي، وسبق أن حذّر وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، من ذلك.

ينظَر إلى القمة المنعقدة في واشنطن على أنها مبادرة أمريكية لإحداث توازن مع الدورَين الصيني والروسي في القارة الأفريقية، خاصة أنها تتزامن مع تكثيف الروس والصينيين لزياراتهم لدول القارة السمراء وتنامي نفوذهم هناك.

تنامي النفوذ الصيني في القارة الأفريقية يفهَم من خلال تربُّع بكين على عرش التجارة الدولية في أفريقيا، حيث بلغ الاستثمار الصيني المباشر في القارة ضعف المعدل الأمريكي، فيما باتت الصين أكبر مقرض للقارة السمراء.

يثير التمدد العسكري والاقتصادي للروس والصينيين مخاوف الأمريكيين، ما جعلهم يدعون الأفارقة إلى توخّي الحذر من تعزيز الاعتماد على موسكو أو بكين.

كشفت بيانات خدمة أبحاث الكونغرس عن أن الصين أبرمت في عام 2020 وحده اتفاقيات بقيمة 735 مليار دولار مع 623 شركة، فيما بلغت قيمة 800 صفقة تجارية واستثمارية مع 45 دولة أفريقية أكثر من 50 مليار دولار العام الماضي، فيما استثمرت الولايات المتحدة 22 مليار دولار في 80 شركة فقط في أفريقيا خلال الفترة نفسها.

وتنشط الشركات الصينية في العديد من المجالات، خاصة البنية التحتية، وقد وجدت ترحيبًا كبيرًا من قبل القادة الأفارقة، خاصة أن الصين لا تهتم بالقضايا التي تركّز عليها الولايات المتحدة، على غرار ملفَّي حقوق الإنسان والديمقراطية.

أما النفوذ الروسي فيظهر جليًّا في التمدد العسكري الروسي في العديد من دول القارة، شمالها وجنوبها، من ذلك تمددها في ليبيا والجزائر، فضلًا عن إشرافها على عديد الانقلابات العسكرية، على غرار ما حصل في مالي وأفريقيا الوسطى وتشاد.

 

منذ سنوات توطّدُ موسكو الاتصالات مع الدول الأفريقية وترسخ وجودها في القارة، إذ تنشر عساكرها في العديد من الدول، وتشرف على بناء موانئ خاصة بها وقواعد عسكرية أغلبها سرّية، لحماية نفوذها المتنامي في القارة السمراء.

يثير هذا التمدد العسكري والاقتصادي للروس والصينيين مخاوف الأمريكيين، ما جعلهم يراجعون موقعهم في القارة وموقفهم من التغلغل الدولي، لكن يبقى من الصعب أن تعود واشنطن بقوة إلى القارة الأفريقية إن لم تقُم بمراجعة مواقفها وشراكاتها مع بلدان القارة.

بينما ينشغل الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، بوضع الكثير من اللوائح والشروط من أجل بناء مشاريع في أفريقيا، تتقدم الصين وروسيا في القارة وتنفّذان مشاريعهما بسرعة وتوسّعان نفوذهما، ما يفرض على الغرب ضرورة إعادة النظر في استراتيجياته تجاه القارة السمراء.