استيقظ السودانيون، في أول يوم عمل بالعام الجديد، على وقع رفع أسعار بعض الخدمات الحكومية، رغم عدم إجازة موازنة 2023 وغض الطرف عن جدل عدم قانونيتها بسبب الفراغ الدستوري والتنفيذي الذي تعيشه بلادهم منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الثاني 2021.

هذا التسرع في جباية الأموال يوضح جانبًا صغيرًا من الأزمات التي يعيشها السودانيون، لأنه عادة ما يلحق رفع تكاليف الخدمات العامة زيادات كبيرة في النقل والمواد الغذائية والاقتتال الأهلي، وبالتالي وقوع مزيد من الأشخاص في براثن الفقر.

شملت الزيادات الجديدة: رسوم استخراج الجواز إلى النصف ليصبح 51 ألف جنيه - نحو 90 دولارًا -، ورسوم المخالفات المرورية وتراخيص السيارات، إضافة إلى إعادة رسوم المغادرة عبر مطار الخرطوم الدولي واستحداث جباية المعابر للحافلات التي تنقل المسافرين إلى الولايات، علاوة على زيادة أسعار رسوم تخص هيئة المواصفات.

ارتفاع متوقع

استقبل السودانيون هذه الزيادات في مواقع التواصل الاجتماعي بشيء من السخرية، لكن المفوضية القومية لحقوق الإنسان - مؤسسة حكومية مستقلة - طالبت السلطة بمعالجة عجز الموازنة بعيدًا عن المواطنين الذين يعيشون أزمةً اقتصاديةً أثرت على تمتعهم بجميع الحقوق بما في ذلك الحق في الغذاء الكافي وحق الصحة.

وتؤكد المفوضية أن هذه الزيادات من شأنها زيادة الاحتقان وارتفاع معدلات الفقر الذي تقول تقارير صحفية إن 80% من سكان البلاد يعيشون تحته، وستؤدي الزيادات التي طُبقت والأخرى المرتقبة إلى زيادة تكاليف النقل وأسعار السلع الغذائية، ما يزيد من تدهور الوضع المعيشي لملايين السودانيين.

لم تكن هذه الزيادات مستغربة، في ظل اشتراط المجتمع الدولي ومؤسساته المالية لاستئناف دعم للسودان، استعادة الحكم المدني وسيطرة 650 شركة حكومية على الاقتصاد.

هذه الشركات، ولأنها تعمل في مجالات مدنية حيوية وتحصل على ميزات تفضيلية وإعفاءات جمركية، تمنع أي فرصة لنمو الاقتصاد، ومع إضافة تدخلات المصرف المركزي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 0.3% في 2022، بعد أن حقق نموًا بنسبة تُقدر بـ0.5% في 2021 بفضل تحويلات المغتربين والدعم الدولي.

آثار قادمة

لم تعلن وزارة المالية تفاصيل موازنة 2023 التي ربما تُجاز بعد شهرٍ من الآن على الأقل، لكنها قالت إنها تعتمد على الإيرادات المحلية المتمثلة في الضرائب والرسوم الحكومية وإيراد النفط والذهب.

ولا يملك السودان نفطًا كافيًا بدليل استيراده منتجات بترولية بمبلغ 1.3 مليار دولار في الـ9 أشهر الأولى من 2022 وهو ذات العام الذي بلغ فيه إنتاج الذهب 18 طنًا فقط، ليتبقى إذًا الاعتماد على الضرائب والرسوم الحكومية.

هذه الزيادات في أسعار رسوم الخدمات الحكومية قد تدفع كُثر إلى الاستغناء عن الخدمات إلا في حال الاضطرار، لكن بعضها لا يمكن لأحد أن يستغنى عنها مثل التعليم، ما يجبر الأسر على التخلي عن بعض الأشياء الحياتية أو البحث عن موارد إضافية من أجل أن يتعلم أبناؤها وبناتها، أما الضرائب في حال كانت تقديراتها مبالغًا فيها، ربما لن يدفعها إلا قلة على غرار العام المُنصرم.

وفي كل الحالات، ستؤدي الزيادات التي طُبقت والأخرى المرتقبة إلى زيادة تكاليف النقل وأسعار السلع الغذائية، ما يزيد من تدهور الوضع المعيشي لملايين السودانيين وتوسيع نطاق إضراب موظفي مؤسسات الدولة عن العمل في سبيل الضغط لزيادة أجورهم لتغطية تكاليف احتياجاتهم الحياتية.

لكن الطامة الكبرى قد تتمثل في لجوء الدولة إلى رفع رواتب موظفي الدولة لتضع حدًا لعصيانهم، ونظرًا لعدم امتلاكها موارد حقيقية فهذا يعني طباعة مزيد من النقود، الأمر الذي سيؤدي إلى تدني قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأخرى، ليقع ملايين جُدد تحت طائلة الفقر.

الوضع السياسي 

يتحدث البعض عن أن الاقتصاد السوداني يُعاني من اختلالات هيكلية، يتطلب معالجتها بواسطة حكومة تجد دعمًا شعبيًا، ويبدو أن هذا من المستحيلات في ظل الوضع الحاليّ.

صحيح أن قادة الجيش وقعوا اتفاقًا إطاريًا مع قوى سياسية ومهنية في 5 ديسمبر/كانون الأول 2022، يتعلق بتسليم السلطة إلى المدنيين بعد التوافق على قضايا: العدالة والعدالة الانتقالية وإصلاح قطاع الأمن والدفاع وتقييم اتفاق السلام وتفكيك بنية النظام السابق وحل أزمة الشرق، لكن قادة الجيش الذين يحكمون البلاد منذ انقلاب أكتوبر/تشرين الثاني 2021، وقعوا على هذا الاتفاق بسبب الضغط الدولي وليس قناعة بالحكم المدني الذي يمكن أن يُحاسبهم على الجرائم الجنائية التي اُرتكبت بحق المحتجين السلميين، ناهيك بجُرم الانقلاب ذاته، لذا برزت قوى من بينها حركات مسلحة يرجح أنها بإيعاز منهم ترفض الاتفاق.

لم يتحدث الاتفاق عن محاسبة القادة العسكريين على جرم الانقلاب، ومع ذلك يرفعون راية العصيان على الحكومة المدنية قبل أن تتشكل، بقول قائد الجيش عبد الفتاح البرهان: "الجيش لن يعمل تحت إمرة حكومة مدنية ما لم تكن منتخبة"، وهذا رفض صريح لإصلاح القوات المسلحة الذي يحتاج إلى رقابة من المدنيين للتأكد بجدية من تنفيذه. 

وترفض الجماعات المسلحة التي وقعت اتفاق السلام في 3 أكتوبر/تشرين الثاني 2020، أي اتجاه لتعديل الاتفاق، وإن كانت مطالب تعديله بدأت بطرق سلمية منذ فترة طويلة إلا أنه في الآونة الأخيرة برزت جماعات مسلحة جديدة في وسط وشمال وشرق السودان تطالب بإلغائه، وهو ما زاد الوضع تعقيدًا.

في حال تغلب الجيش والقوى المدنية على هذه التعقيدات وجرى التوصل إلى اتفاق نهائي، بموجبه شُكلت حكومة انتقال لتدير البلاد لمدة 24 شهرًا، فإنها ستجد نفسها أمام ضغوط هائلة من بينها تحسين الوضع الاقتصادي وتحقيق العدالة لضحايا الاحتجاجات والحرب وإعادة 3.7 مليون نازح إلى قراهم، لكن المحك الرئيسي سيكون في عدم اعتراف أحزاب مؤيدة للديمقراطية والحركة الاحتجاجية بها باعتبارها أقل من طموحهم، فهم يطالبون بسلطة مدنية حقيقية يخضع لها الجيش.

لن تُعالج الأزمة الإنسانية سريعًا

صحيح أنه بمجرد تشكيل حكومة مدنية ستجد دعمًا ماليًا دوليًا، لكن ربما يكون باشتراطات قاسية تتضمن تخفيض العملة المحلية ورفع الدعم عن الكهرباء وتسريح كثير من موظفي المؤسسات العامة، ومع المعطيات الأخرى سترتفع أعداد الفقراء.

هذا العام 2023، يحتاج 15.5 مليوني سوداني - ثلث السُّكان ـ إلى مساعدات إنسانية، بفضل أزمات السياسة والاقتصاد والنزوح المطول والجديد الناجم عن الاقتتال الأهلي والجفاف والتضخم وارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية، بجانب تفشي الأمراض والكوارث الطبيعية.

تأمل وكالات الأمم المتحدة في تقديم المساعدة إلى 12.5 مليون سوداني بتمويل يبلغ 1.7 مليار دولار، لكن بالنظر إلى أن تمويل خطتها الخاصة بالاستجابة الإنسانية لـ2022 بنسبة 38.6% فقط وتمويل خطة العام الذي سبقه بنسبة 36.7%، يمكن التشكيك في قدرتها على الوصول إلى العدد الكلي الذي تستهدفه.

ولا تكاد تمضي فترة في عام 2022 دون أن تحدث أعمال عنف أهلي، ومع تشجيع الدولة لتوقيع الأطراف المتقاتلة اتفاقيات دون أن تصاحبها إجراءات محاسبة الجناة، فلا يتوقع أن يتوقف الاقتتال الذي يكون دافعه الرئيسي الحصول على الأرض التي تمد سكانها بالمحاصيل الزراعية أو العلف للمواشي، كما تمنحهم أيضًا المزيد من النفوذ السياسي المحلي وبالتالي الحصول على موارد إضافية من هذا النفوذ. 

هذا الاقتتال الذي يندلع في مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق لا ينحصر على المكان الذي اندلع فيه، فهو يمتد ليشمل كل السودان، فيزيد أعداد النازحين والغبن، ما يرفع تكلفة معالجة هذه الأزمات سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. 

لا يبدو من واقع الوضع الراهن أن يكون عام 2023 لطيفًا على السودانيين، فإن تخطوا آثار تغير المناخ فإنهم يواجهون مخاوف اندلاع الحرب أو على الأقل استمرار العنف الأهلي.