وجهت منظمتا "الديمقراطية الآن للعالم العربي" (داون) ومقرها واشنطن، و"سمكس" ومقرها بيروت، الحقوقيتان، اتهامات مباشرة - في بيان مشترك - للسعودية باختراق الموسوعة الرقمية الشهيرة ويكيبيديا وتجنيد مواطنين سعوديين ومشرفين داخل الموسوعة للعمل كوكلاء لها لخدمة أجندة الحكومة السعودية، وقالتا إن الشركة الأم لويكيبيديا، ويكيميديا، أنهت جميع مسؤوليها في المملكة في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد تحقيق داخلي.

يأتي هذا الاتهام بعد أقل من شهر على حكم بسجن موظف سابق في منصة تويتر بتهمة "التجسس" لصالح المملكة، وقرابة عام كامل على ذلك التحقيق الذي أجرته ويكيميديا في يناير/كانون الثاني 2022، بعد إثارة الشكوك بشأن محاولات السيطرة على المحتوى، وخلص التحقيق حينها إلى حظر عالمي لـ16 مستخدمًا "كانوا يشاركون في تعديل تضارب المصالح في مشاريع ويكيبيديا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" معظمهم من السعوديين.

يبدو أن المحتوى الذي تقدمه الموسوعة عبر منصتها العالمية يثير حفيظة وقلق البعض، فالسعودية لم تكن الدولة الوحيدة التي تمتعض مما يثار على المنصة، ففي 29 أبريل/نيسان 2017 حجبت تركيا ويكيبيديا - ضمن مئات المواقع الأخرى - دون سبب واضح، ما دفع مؤسس الموقع، جيمي ويلز، إلى التغريد عبر حسابه الشخصي على تويتر قائلًا: "الوصول إلى المعلومات حق أساسي من حقوق الإنسان"، وأضاف "سأقف معك أيها الشعب التركي دائمًا لتكافح من أجل هذا الحق".

الاتهامات رغم محاولة الشركة الأم، ويكيميديا، التقليل من وقعها ونفي بعض ما جاء فيها، بدعوى أن "هناك أخطاء جوهرية في البيان الوارد من داون/سمكس"، أثارت الكثير من التساؤلات عن أسباب القلق السعودي من الموسوعة وأهدافها من خلال تجنيد عملاء لها بداخلها، فيما أكدت استمرار المملكة في سياستها الممتدة منذ 2015 بشأن استهداف كل الأصوات المغردة خارج السرب ومحاولة طمس الحقائق التي تتعرض من قريب أو بعيد للانتهاكات التي تمارسها الرياض، بجانب مخطط السيطرة على الفضاء المعلوماتي - مستغلة في ذلك نفوذها المادي - والتحكم في مضمونه بما يخدم الأجندة السعودية ويجمل صورتها المشوهة عالميًا بسبب سجلها الحقوقي المشين.

اختراق وتجديد وسجن

استندت المجموعة الحقوقية DAWN التي أسسها الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي قتل في مقر قنصلية بلاده بإسطنبول في 2018، ومعها SMEX، المجموعة التي تروج للحقوق الرقمية في العالم العربي، في اتهاماتهما بتوثيق اختراق ويكيبيديا من الحكومة السعودية على مقابلات شخصية أجرتاها مع مصادر قريبة من الموسوعة "المبلغين عن المخالفات" والمسؤولين المسجونين.

والمقصود هنا بالمسجونين: أسامة خالد وزياد السفياني، وهما مسؤولان متطوعان رفيعا المستوى في ويكيبيديا ويتمتعان بامتيازات كبيرة تؤهلهما لتحرير الصفحات المحمية بالكامل والوصول إلى كل مخابئ وتفاصيل الموسوعة بشكل غير مسموح به للعامة، اعتقلتهما حكومة المملكة في سبتمبر/أيلول 2020 وأصدرت بحقهما أحكامًا بالسجن (32 عامًا لأسامة و8 سنوات لزياد).

مديرو المنظمتين الحقوقيتين وعدد من النشطاء أشاروا إلى أن الاعتقالات التي جرت بحق مسؤولي ويكيبيديا في السعودية قبل عامين كانت جزءًا من حملة عامة استهدفت مديري الموسوعة في المملكة، فيما نقلوا عن مصادرهم الخاصة أن المسؤولين حوكما "لأنهما ساهما بمعلومات اعتبرت أنها تنتقد اضطهاد النشطاء السياسيين داخل البلاد".

مدير المناصرة في DAWN رائد جرار، علق على تلك الحملة بقوله: "إنه أمر حقير، لكن يمكن التنبؤ به تمامًا أن الحكومة السعودية قد حاكمت السعوديين لمجرد نشرهم محتوى عن انتهاكات الحكومة لحقوق الإنسان"، وأضاف "لكن ويكيميديا ​​تحتاج أيضًا إلى تحمل المسؤولية عن حقيقة أن محرريها المعتمدين يقبعون اليوم في السجن بسبب العمل الذي قاموا به على صفحات ويكيبيديا".

في المقابل، وبعد ساعات قليلة من توجيه تلك الاتهامات، خرجت مؤسسة ويكيميديا التي تدير موسوعة "ويكيبيديا" نافية تلك التقارير، وقالت في بيان في وقت متأخر من الخميس 5/1/2023: "هناك أخطاء جوهرية في البيان الوارد من داون/سمكس"، مؤكدة "لم يخلص تحقيقنا إلى أن الحكومة السعودية (اخترقت) ويكيبيديا وأثرت على المستخدمين".

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المؤسسة الأم ذاتها في يناير/كانون الثاني 2022، أجرت تحقيقًا داخليًا بعد تصاعد الأصوات التي تلمح إلى وجود جهود مبذولة للسيطرة على المحتوى المعروض على المنصة، وخلصت في نهايته إلى حظر 16 مستخدمًا كانوا يشاركون في تعديل تضارب المصالح في مشاريع ويكيبيديا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 يبلغ عدد مستخدمي ويكيبيديا 32.5 مليون مستخدم، وعليها أكثر من 5.56 مليون مقال متنوع في شتى المجالات، ويضاف عليها 600 مقال يوميًا، بـ280 لغة عالمية، فيما يتجاوز عدد مرات الاستعراض للمقالات المنشورة 18 مليار محاولة شهريًا (أي قرابة ثلاثة موضوعات في الشهر لكل فرد على الكرة الأرضية) ولديها أكثر من 141 ألف عضو نشط في التحرير، يمثلون نصف في المئة فقط من مجموع محرريها

البيان الصادر عن المنظمة قال بشكل صريح إنها "تمكنت من تأكيد أن عددًا من المستخدمين الذين تربطهم صلات وثيقة بأطراف خارجية يقومون بتعديل المنصة بطريقة منسقة لتعزيز هدف تلك الأطراف"، لكنها لم تكشف حينها هوية تلك الأطراف وجنسيات المستخدمين، وهو ما أثار شكوكًا مجددة لدى البعض، لتخلص تحقيقات DAWN وSMEX وفق مصادر مطلعة على عمليات ويكيميديا أن الأشخاص المحظورين سعوديون وكانوا ضمن فريق التحرير الأعلى تصنيفًا في الموسوعة في المنطقة، وأن القرار جاء بعد اكتشاف عملهم لخدمة الأجندة السعودية عبر الترويج الإيجابي للحكومة والسلطة وولي العهد وحذف أي محتوى انتقادي أو هجومي على المملكة، بما في ذلك كل المعلومات الخاصة بمعتقلي الرأي من السياسيين والمثقفين والإعلاميين ورجال الدين والنشطاء.

والشيء بالشيء يذكر، تلك الاتهامات جاءت بعد شهر تقريبًا من الحكم الصادر عن محكمة سان فرانسيسكو بحق المواطن الأمريكي اللبناني أحمد أبو عمو بالسجن ثلاث سنوات ونصف، منتصف ديسمبر/كانون الأول 2022، بعد إدانته بـ6 تهم جنائية، من بينها التصرف كعميل للمملكة ومحاولة إخفاء مدفوعات حصل عليها من مسؤول مرتبط بالعائلة المالكة، وبيع معلومات تتعلق بأحد مستخدمي تويتر مقابل أموال وساعة باهظة الثمن منذ نحو سبع سنوات، من خلال عمله كمشرف على الشراكات الإعلامية لتويتر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

لم تكن موسوعة ويكيبيديا (تأسست في 15 يناير/كانون الثاني 2001 كمتمم لمشروع نيوبيديا الذي يكتبه محررون خبراء) ذلك الفضاء الواسع الذي يسمح للجميع بنشر محتواهم دون رقابة أو تدقيق مثار قلق للدول والحكومات طيلة الـ15 عامًا الأولى لنشأتها، لكنها في الآونة الأخيرة، تحديدًا في السنوات السبعة الماضية منذ 2015- 2022، باتت تشكل تهديدًا بعدما باتت واحدة من أكثر المنصات الرقمية العالمية عددًا وأضخمها محتوى.. فهل تستحق كل تلك الضجة؟

لماذا القلق من ويكيبيديا؟

تشير التقديرات إلى أن موسوعة ويكيبيديا أصبحت منافسًا قويًا للمنصات الرقمية العالمية الأكثر شهرة وانتشارًا، وواحدة من الأوعية المعلوماتية الضخمة ذات التأثير القوي والحضور الفعال، التي يجب أن يُعمل لها ألف حساب فيما يتعلق بمحتواها المقدم الذي يرتفع منسوب الثقة والمصداقية حياله عامًا تلو الآخر.

وبلغة الأرقام يبلغ عدد مستخدمي المنصة 32.5 مليون مستخدم، وعليها أكثر من 5.56 مليون مقال متنوع في شتى المجالات، فيما يضاف عليها 600 مقال يوميًا، بـ280 لغة عالمية، فيما يتجاوز عدد مرات الاستعراض للمقالات المنشورة 18 مليار محاولة شهريًا (أي قرابة ثلاثة موضوعات في الشهر لكل فرد على الكرة الأرضية) ولديها أكثر من 141 ألف عضو نشط في التحرير، يمثلون نصف في المئة فقط من مجموع محرريها.

كانت الصورة الذهنية قديمًا عن المحتوى المقدم عبر ويكيبيديا أنها منصة غير موثقة وتفتقد للمصداقية، كما أن كثيرًا من الجهات العلمية ترفض الاستناد إليها كمرجع موثوق به في ظل السهولة والحرية التي تمنحها لمن يريد الدخول وإضافة أي محتوى في شتى المجالات دون رقابة أو التزام بالمنهج العلمي في التدوين والإضافة، لكن اليوم تغيرت تلك الصورة بشكل لافت، فباتت ذات مصداقية نسبية أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق، ولعل هذا هو السبب وراء التهافت على ما تقدمه من محتوى، ومن ثم إثارة قلق الكثير من الأنظمة والحكومات التي تخشى من نشر ما تحاول إخفاءه وفضح المستور.

في السطور التالية، نلقي الضوء هنا على عدد من الدراسات والتحقيقات الاستقصائية وبحوث الرأي العام واستطلاعات الرأي والاستبيانات المنشورة على "الجزيرة" التي أجريت للوقوف على صورة ويكيبيديا لدى الشارع، ومستوى المصداقية التي تتمتع به، وحجم تأثيرها على المجتمع، في محاولة لكشف قيمة الموسوعة العالمية المتزايدة عامًا بعد الآخر، والنفوذ الذي حققته من خلال اتساع رقعة حضورها الجماهيري قاعديًا وقوة وموثوقية المحتوى المعروض رأسيًا.

التعلم والاستيثاق أبرز دوافع الدخول على المنصة.. في دراسة استقصائية بـ14 لغة شارك فيها 215 ألف شخص من القراء في محاولة لاستطلاع آرائهم بشأن دوافع القراءة على ويكيبيديا، جاءت النتائج كالتالي: 35% من القراء قالوا إنهم جاؤوا إليها من أجل البحث عن حقيقة محددة، و33% قالوا إنهم جاؤوا فقط لاستعراض موضوع ما، و32% قالوا إنهم جاؤوا للبحث - بشكل أكثر عمقًا - عن موضوع بعينه.

اللافت في تلك الدراسة أن الدافع الأبرز وراء دخول القراء على الموسوعة العالمية كان الرغبة الجوهرية في التعلم، ولذا دلالات ورمزيات كبيرة بشأن قيمة المنصة بالنسبة للمتابعين، تلاها دافع البحث عن الموضوعات المثارة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ثم التقصي عن موضوعات كانت مثار حديث مع آخرين، وأقر 55% من المشاركين في الاستطلاع بأن لديهم درجة كبيرة من الألفة مع موضوعات الموسوعة ونمط تقديمها.

قيمة ويكيبيديا المتصاعدة وحضورها الكبير وتأثيرها النفاذ جعلها قبلة للعديد من الآراء السياسية والاقتصادية والثقافية والحقوقية ممنوعة النشر في بلدان أصحابها، ومن ثم تحولت إلى حوت كبير قادر على استيعاب كل التوجهات دون استثناء أو تضييق كما هو الحال في المنصات الأخرى، ومن هنا جاء قلق بعض الحكومات والأنظمة

دقة وعمق ومنافسة الموسوعات العلمية ذات المصداقية العالية.. في 2005 نُشرت دراسة في دورية "نيتشر" (Nature) العلمية الشهيرة، كانت تحاول عقد مقارنة بين موسوعتي "ويكيبيديا" الحرة و"الموسوعة البريطانية" (Encyclopedia Britannica)، واحدة من أشهر الموسوعات العلمية ذات الشهرة الفائقة، وذلك من خلال المقارنة بين 42 موضوعًا علميًا منشورين في الموسوعتين، من خلال عدد من المتخصصين بدراسة تلك المقالات والبحث عن أخطائها وتقييمها علميًا بشكل دقيق.. النتائج هنا كانت مفاجئة للجميع.

وتوصلت المقارنة إلى أن متوسط الخطأ في المقالة المنشورة على ويكيبيديا بلغ نحو 2.9 في المتوسط، وذلك بعد العثور على 123 خطأ في جميع عينة المقالات المنشورة على الموسوعة، مقارنة بمتوسط أخطاء بلغ 3.8 في المقالات المنشورة على الموسوعة البريطانية وذلك بعد اكتشاف 162 خطأ في مجموع مقالاتها، حتى الأخطاء التي وصفت بالفادحة، كان نصيب كلتا الموسوعتين 4 أخطاء بالتساوي، ما يعني أن دقة وعمق المحتوى المقدم على ويكيبيديا لا يقل عن نظيره المقدم في الموسوعة البريطانية ذات المصداقية والثقة العالية.

النتيجة ذاتها توصل إليها جورنال علم الأورام الإكلينيكي (Journal of Clinical Oncology) حين أجرى دراسة له في 2011، هدفت إلى البحث في خلفية المعلومات التي يحصل عليها مرضى السرطان وأقرباؤهم على الإنترنت، فبعد المقاربة بين 10 مقالات عن أنواع مختلفة من السرطان منشورة في ويكيبيديا ومصادر أخرى متخصصة في المجال الطبي ذاته، توصلت إلى تقارب المصدرين في الدقة والعمق ومصداقية المعلومات المقدمة.

تلبية احتياجات المتخصصين.. تحولت الموسوعة العالمية ويكيبيديا من منصة حرة تستقبل كل الآراء والموضوعات دون استيثاق دقيق، إلى واحدة من أكثر المنصات تلبية لاحتياجات المتخصصين في المجالات الدقيقة، وهو ما توصلت إليه جريدة "الغارديان" البريطانية عبر الاستقصاء الذي أجرته قبل سنوات على مجموعة من المتخصصين بشأن مقالات مرتبطة بتخصصهم منشورة على الموسوعة الحرة، إذ جاءت آراؤهم لتؤكد أن المقالات المنشورة تتمتع بمستوى متقدم من عمق المعلومات ودقتها، وإن كانت هناك مشاكل في الأسلوب وطريقة الصياغة لكنها لا تؤثر في المجمل على ما يتم نقله من معلومات ومحتوى علمي.

ومن خلال تلك الدراسات والأبحاث توصل الخبراء والمحللون إلى أن مستوى ويكيبيديا وجودة محتواها المقدم خاصة في الموضوعات العلمية كان أكبر من المتوقع بكثير، وأن الفارق بينها وبين المنصات والموسوعات المتخصصة الأخرى ليس بالكثير وفق الصورة الذهنية التي كانت مأخوذة قديمًا، الأمر الذي دفع ويكيبيديا نحو بؤرة اهتمام المتابعين حول العالم.

قيمة الموسوعة المتصاعدة وحضورها الكبير وتأثيرها النفاذ جعلها قبلة للعديد من الآراء السياسية والاقتصادية والثقافية والحقوقية ممنوعة النشر في بلدان أصحابها، ومن ثم تحولت إلى حوت كبير قادر على استيعاب كل التوجهات دون استثناء أو تضييق كما هو الحال في المنصات الأخرى، ومن هنا جاء قلق بعض الحكومات والأنظمة من استغلالها لتوجيه انتقادات لها واستهدافها عبر فضح انتهاكاتها المستترة خلف قيود النشر والبث، وعليه كان التحرك لوقف هذا النزيف والسيطرة عليه من خلال تجنيد عملاء وإغرائهم بالمال ومحاسبة كل من يغرد خارج السرب من النشطاء والمحررين على المنصة، وهو ما كشفته تحقيقات DAWN وSMEX.

سجل حافل من الانتهاكات

تمتلك السعودية سجلًا حافلًا بالانتهاكات الحقوقية التي تستهدف قمع المعارضة وملاحقة أعضائها واصطياد النشطاء وكبت الحريات ومنع المعلومات، فيما خطت خلال السنوات الأخيرة منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد تقريبًا مقاربة جديدة تهدف إلى السيطرة على الفضاء الإلكتروني وفلترة المحتوى المقدم عبر المنصات للترويج لأجندتها وسلطتها الحاكمة وإسكات الأصوات المعارضة كافة ومنع نشر المحتوى الذي يفضح ممارساتها الحقوقية الفجة.

وتوثق عشرات التقارير الصادرة عن جهات أممية ومستقلة مساعي المملكة في هذا المسار مستغلة نفوذها المالي وما تقدمه من إغراءات مادية وضغوط سياسية أحيانًا للهروب من فخ الملاحقات الحقوقية الدولية التي تزايدت في الآونة الأخيرة، فكان الحل الأسرع شراء ذمم وضمائر بعض المسؤولين لتجميل الصورة وترميم شروخاتها، فيما فتحت الرياض لذلك خزائنها دون قيود أو محاسبة.

وعلى هامش الدورة الـ51 لمجلس حقوق الإنسان التي عقدت في الفترة بين 12 سبتمبر/أيلول - 7 أكتوبر/تشرين الأول 2022 اتهمت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تقريرها بشأن حق الخصوصية بالعصر الرقمي، السعودية، باستخدام أدوات رقمية تعرضهم لانتهاكات حقوقية وعنصرية، مسلطًا الضوء على برنامج "بيغاسوس" الذي اشترته السعودية لأغراض تجسسية.

تواصل المملكة مساعيها لسد ثغراتها الحقوقية المتفتحة في معظم جدرانها، فاتحة لذلك خزائنها دون سقف محدد، غير أنه في عصر الفضاءات المفتوحة من الصعب مواراة كل العورات بشكل دقيق

التقرير كشف أن الرياض استخدمت هذا البرنامج للإيقاع بالمعارضين والصحفيين والنشطاء ورجال الدين المعارضين لسياسات المملكة، وأن هناك عشرات الحالات للتجسس على هواتف المعارضين وأجهزة الحاسوب الخاصة بهم، ووصل هذا التجسس إلى الوصول للملفات الخاصة ونقل البيانات المخفية، هذا بخلاف الوصول إلى البريد الإلكتروني والحسابات الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي والموقع الجغرافي والكاميرا والوضع المالي والتوجه السياسي وشبكة العلاقات الاجتماعية وخلافه.

وفي رسالة وجهتها 39 منظمة حقوقية معنية بحقوق الخصوصية الرقمية، إلى شركة "غوغل" العالمية،  قبل أيام، ونشرها موقع "gulfnews24"، أكدوا خلالها أن للرياض سجلًا حافلًا في السعي للتجسس على مواطنيها، وأنها تحاول دائمًا التوصل إلى معلوماتهم وبياناتهم الشخصية من خلال شركات التكنولوجيا الأمريكية، داعين غوغل للتوقف عن قرارها بإنشاء منطقة خدمات سحابية جديدة في السعودية، وأن يكون هذا القرار شريطة تحسن السجل الحقوقي وتحقيق خطوات تقدمية في هذا المسار.

واختتمت المنظمات الرسالة بحث غوغل على إعادة التفكير بكيفية حماية عملياتها بالرياض في ظل وجود حكومة وسلطة تتجسس على شعبها وتعرقل حقهم في حرية التعبير على الإنترنت، ومن أبرز تلك المنظمات الموقعة على الرسالة: منظمة هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية وفريدوم هاوس وأكسس ناو ومؤسسة القسط ومؤسسة التخوم الإلكترونية وجمعية الاتصالات التقدمية ومشروع تصنيف الحقوق الرقمية وسمكس ومنظمة حبر.

وهكذا تواصل المملكة مساعيها لسد ثغراتها الحقوقية المتفتحة في معظم جدرانها، فاتحة لذلك خزائنها دون سقف محدد، غير أنه في عصر الفضاءات المفتوحة من الصعب مواراة كل العورات بشكل دقيق، لتنفضح بين الحين والآخر بعض تلك الانتهاكات، واحدة تلو الأخرى، وتسقط معها جزءًا من القناع الذي يحاول ابن سلمان ورفاقه ارتداءه، مخادعين به الجميع، الداخل والخارج معًا.