في خامس زيارة له إلى دمشق منذ توليه منصبه، قال حسين عبد اللهيان وزير الخارجية الإيراني: "نحن سنستمر بجهودنا الدبلوماسية للتقارب وحل المشكلات العالقة بين سوريا وتركيا"، وكان عبد اللهيان قد رحب بالتقارب التركي مع النظام السوري في الفترة الأخيرة، يذكر أن تعليقات عبد اللهيان على التطبيع التركي مع النظام تعد أول تصريحات رسمية منذ بدأت اللقاءات الرسمية بين أنقرة وحكومة دمشق في موسكو.

يذكر أن طهران غابت تمامًا عن اللقاءات بين تركيا والنظام في موسكو، وهو ما يطرح عدة تساؤلات عن مدى الرضا الإيراني عما يحصل في هذه المباحثات الجديدة التي تحصل عبر الوسيط الروسي، وتعد طهران الطرف الثالث ضمن مسار أستانة الذي فُرض على السوريين منذ عام 2017، وتعتبر طهران إلى جانب موسكو ضامنًا من طرف النظام وأنقرة ضامنًا لطرف المعارضة.

ابتعاد وإبعاد

عند وصول حسين عبد اللهيان إلى دمشق، التقى برئيس النظام بشار الأسد ووزير خارجيته فيصل المقداد، وقال عبد اللهيان: "العلاقات بين إيران وسوريا تمر بأفضل أحوالها والبلدان عازمان على توسيعها اقتصاديًا وتجاريًا لتصل إلى مستوى العلاقات السياسية"، مضيفًا أن بلاده لديها ثقة كاملة بالمواقف والقرارات السورية، وهي ترى أن أي حوار بين سوريا وتركيا إذا كان جادًا فهو خطوة إيجابية لصالح البلدين والمنطقة.

يذكر أن الأسد والمقداد استغلا لقائهما بالمسؤول الإيراني لتمرير الرسائل إلى أنقرة الراغبة بتحقيق إنجاز في هذا المسار قبل الانتخابات التركية هذا العام، واشترط الأسد، "إنهاء الاحتلال التركي للمناطق السورية ووقف دعم أنقرة للتنظيمات الإرهابية" حتى يقبل نظامه بالسير إلى الأمام في هذه الحوارات مع تركيا، وهي الشروط ذاتها التي ذكرها المقداد خلال لقائه بعبد اللهيان، يذكر أن هذه هي الشروط التي يتبناها النظام حتى أمام روسيا.

وعلى الرغم من ابتعاد أو إبعاد إيران عن المضمار السياسي الجديد في سوريا، فإن النظام السوري مصر على الحضور الإيراني، ويتضح ذلك من كلام فيصل المقداد منذ أسابيع، فقد أكد لنظيره الإيراني أنه "من الضروري أن تلعب إيران دورًا في أي مبادرة سياسية في سوريا"، مشيدًا بـ"الدور الإيراني الفعّال للمساعدة في تسوية الأزمة السورية"، بدوره أكد عبد اللهيان على "أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين في مختلف القضايا والملفات".

انزعاج

يبدو أن أحد أسباب انزعاج إيران من التقارب التركي مع الأسد أنها داومت على إطلاق دعوات لتتوسط بين الجانبين في كثير من المناسبات، لكن تركيا لم تستجب لتلك العروض والدعوات، خاصة أن هذه الدعوات تأتي في سياقات مختلفة من التدخل التركي داخل الأراضي السورية. 

الإعلام الإيراني أشار إلى حالة من عدم الرضا في طهران على الاجتماع التركي مع النظام السوري في موسكو، وعبرت بعض وسائل الإعلام عن قلقها من مسار موسكو، معتبرة أنه مواز لمسار أستانة، ويمكنه التنافس، وربما يتم استبدال المسار الذي تعتبر طهران أحد أطرافه الرئيسية، وقد هاجمت بعض وسائل الإعلام المحسوبة على التيار الإصلاحي حكومة إبراهيم رئيسي لابتعادها عما يحصل حاليًّا.

بدوره هاجم السفير الإيراني السابق في تركيا، فيروز دولت آبادي، حكومة إبراهيم رئيسي وحكومة نظام الأسد بشدة، معتبرًا أن "إيران تركت بالكامل دائرة التطورات في سوريا"، وأن "الجهود التي بذلتها القوات الإيرانية المسلحة لإعادة بشار الأسد، الذي لم يتبق له سوى قصر واحد، إلى كرسي الحكم في سوريا، لم تُستغل ولا توجد خطة سياسية لمواصلة تلك الجهود".

بدورها وصفت صحيفة "كيهان" المقربة من المرشد علي خامنئي خطوات تركيا تجاه الأسد بأنها "وعود الانتخابية"، وشككت الصحيفة بالتحركات التركية بقولها: "تجدر الإشارة إلى أن بعض الخبراء يحذرون ويشككون من الاعتماد على وعود وأقوال المسؤولين الأتراك باعتبارها شعارات انتخابية للعام المقبل"، معتبرة أن "الأمر غير واضح"، ودعت إلى "الانتظار والترقب ريثما يتضح الاتجاه الذي سيسلكه الوضع".

يشار إلى أن بعض وسائل الإعلام ذكرت أن الأسد في البداية كان يرفض فكرة التقارب مع الحكومة التركية الحاليّة، خاصة أن النظام السوري يعتبر أن قرار أنقرة بفتح المحادثات جاء نتيجة لاقتراب الانتخابات، ولا يريد أن يمنح أردوغان هذه الورقة، خاصة أن المعارضة التركية متمثلة بحزب الشعب الجمهوري بعثت رسالة إلى الأسد، طلبت فيها عدم لقائه بأردوغان خلال الفترة القريبة القادمة، موضحًا أن بقاء أردوغان في السلطة مسألة وقت فقط، وذلك في مسعى للمعارضة التركية لمنع "استغلال" أردوغان أي لقاء محتمل مع بشار لإحراز مكاسب انتخابية.

وتعهد "الشعب الجمهوري" للأسد وفق ما ذكرته وسائل إعلام تركية بأنه لو فاز بالانتخابات، فسيتم الإيفاء بوعدين أساسيين، هما: تلبية جميع مطالب حكومة الأسد، بما في ذلك دفع التعويضات، وثانيًا سحب كل القوات التركية المنتشرة على الأراضي السورية.

إلى ذلك تتخوف طهران من إقصائها في الملف السوري من موسكو وأنقرة، خاصة أن هذين الطرفين لديهما صراع نفوذ مع طهران في سوريا، لكن طهران ترى أن بشار الأسد لن يحضر هذه الاجتماعات من دون تنسيق مع إيران، ولن يتعاون مع روسيا وتركيا من دون ضوء أخضر من طهران، لكن صحيفة "شرق" الإيرانية تقول: "يجب الأخذ بالحسبان أنه إذا حققت العملية الدبلوماسية لهذه الترويكا الجديدة تركيا وروسيا وسوريا، نتائج وإنجازات ملموسة مع الاجتماعات المقبلة، فسيتم توفير المنصة والمساحة تلقائيًا لتقليص دور ومكانة طهران".

وأشارت الصحيفة إلى أن "أنقرة تسعى إلى إبعاد طهران عن التطورات في سوريا باعتبارها خصمًا خطيرًا لها، من خلال إنشاء هذه الترويكا الجديدة".

تخوف من الدور التركي

رغم الترحيب الإيراني المتأخر بلقاء موسكو بين وزراء دفاع تركيا والنظام السوري بالإضافة إلى رؤساء استخبارات الطرفين، فإن ذلك لا يمنع طهران من العمل على عرقلة الأمر في حال تم بعيدًا عن أنظارها، يشار إلى أن الاجتماع بين وزير خارجية النظام ووزير خارجية تركيا تم تأجيله إلى مطلع فبراير/شباط بعد أن أشارت المصادر إلى أن الاجتماع قد يعقد منتصف هذا الشهر، وذكر مسؤول تركي كبير، لوكالة رويترز، أن اجتماعًا ثلاثيًا سوف يجمع وزراء خارجية تركيا وروسيا وسوريا خلال هذا الشهر وربما قبل منتصف الأسبوع المقبل، لكن دون أن يحدد مكان الاجتماع.

بدوره قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إنه قد يلتقي بنظيره السوري فيصل المقداد في أوائل فبراير/شباط، نافيًا التقارير التي تفيد بأنهما قد يجتمعان الأسبوع المقبل، وقال جاويش أوغلو: "قلنا من قبل إن هناك بعض المقترحات بشأن لقاء الأسبوع المقبل لكنها لا تناسبنا... قد يكون ذلك في بداية فبراير/شباط، ونحن نعمل على تحديد موعد"، يذكر أن شروط النظام بالانسحاب من سوريا بالإضافة إلى وصم الفصائل المعارضة بالإرهاب لا تناسب أنقرة التي قالت إنها ستنسحب من سوريا بعد تحقق الاستقرار.

لا تعارض إيران التقارب التركي مع النظام السوري خاصة أنها تريد إعادة تدوير هذا النظام ضمن المنظومة الإقليمية، لكن ما تخشاه أن يتم الأمر بمسار بعيدًا عن أنظارها

في سياق ليس ببعيد، قال عبد اللهيان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع فيصل المقداد: "عندما علمنا عن احتمالية شن القوات التركية هجومًا على الشمال السوري تدخلنا لمنعها"، وأضاف "نحن سعداء بأن الجهود الدبلوماسية لإيران أدت إلى أن يحل الحوار محل الحرب"، يذكر أن تركيا دقت طبول الحرب منذ شهرين وذلك لإبعاد القوات الكردية عن حدودها، لكن ضغوطًا دولية أدت إلى تراجع التصريحات التركية، وكانت طهران قد قالت سابقًا إن العمليات العسكرية التركية البرية، التي يُحتمل أن تشنها تركيا في سوريا، "لن تحل المشكلات، وإنما ستزيد الوضع تعقيدًا".

بعد ما صرحه عبد اللهيان عادت أنقرة للتأكيد أنها على جهوزية عالية لاستئناف عملياتها داخل الحدود السورية، وقال إبراهيم قالن المتحدث باسم الرئاسة التركية: "العملية دائمًا خيار مطروح على الطاولة، اعتمادًا على مستوى التهديد".

بناءً على ما سبق، لا تعارض إيران التقارب التركي مع النظام السوري خاصة أنها تريد إعادة تدوير هذا النظام ضمن المنظومة الإقليمية، لكن ما تخشاه أن يتم الأمر بمسار بعيدًا عن أنظارها، وبالطبع فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف دورها في سوريا على حساب أنقرة وموسكو، وهو ما سيجعل مسار التطبيع التركي مع النظام أحد أهم الملفات التي سيبحثها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال زيارته للمنطقة حيث قال الناطق باسم الخارجية، ناصر كنعاني: "يجري التخطيط لهذه الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الإيراني إلى سوريا وتركيا أيضًا، بعد تلقيه دعوتين من هذين البلدين".