المحكمة الدستورية المصرية

أصدرت المحكمة الدستورية العليا (أكبر جهة قضائية في مصر) السبت 14 يناير/كانون الثاني الحاليّ، حكمًا برفض الطعن على دستورية قانون تنظيم الطعن على عقود الدولة الصادر من الرئيس المؤقت السابق عدلي منصور برقم 32 لسنة 2014، وبذلك تقر المحكمة بعدم قبول الدعاوى التي ترفع أمام المحاكم لبطلان قرارات وعقود الخصخصة التي تبرمها الدولة.

الحكم هو الأول من نوعه في تاريخ القضاء المصري، الذي يقصر حق الطعن على العقود التي تبرمها الدولة لبيع ممتلكاتها وأصولها على طرفي العقد فقط، أي الحكومة أو الوزارة الموقعة والشريك المشتري، مصري كان أو أجنبي، فيما أزاحت الشعب عن المعادلة وسلبت منه حق الرفض والتقدم بدعاوى لبطلان أي من تلك العقود إذا ثبت بها شبهة فساد أو تهديد لسيادة الوطن.

المحكمة في حيثيات رفض الطعن على دستورية هذا القانون قالت إن المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاقتصاد القومي تحتاج إلى "جذب الاستثمارات الأجنبية، وحجب كل ما يزعزع الثقة في سلامة البناء الاقتصادي، وضمان احترام الدولة لتعاقداتها، ما حقق حالة الضرورة المبررة لإصدار القرار بقانون المطعون فيه، الذي لم ينطو على أثر رجعي ينال من حجية الأحكام الباتة التي صدرت في شأن تلك التعاقدات".

تزامُن هذا الحكم الذي جاء بعد قرابة 10 سنوات من التقاضي، مع إعلان صندوق النقد الدولي عن شروطه لإقراض مصر التي على رأسها بيع أصول الدولة لسداد خدمة الدين، والموجة العارمة التي تجتاح المشهد الاقتصادي المصري خلال العامين الماضيين بشأن التخلي عن بعض الأصول لصالح صناديق سيادية لسد العجز الحاليّ، أثار قلق الشارع والخبراء بشأن طبيعة المرحلة القادمة، والخوف من تحويل البلاد إلى "عزبة" في أيدي السلطة الحاليّة، تبيع منها ما تشاء دون محاسبة أو اعتراض شعبي بعدما باتت عقود البيع السابقة والقادمة محصنة دستوريًا وقضائيًا ضد أي طعن أو بطلان.

تشجيع الاستثمار.. مبررات الدولة للحكم

في تعليقه على إصدار هذا الحكم أوضح نائب رئيس المحكمة الدستورية، ورئيس المكتب الفني بها، المستشار محمود محمد غنيم، أن "المشرع سعى من خلال هذا التنظيم إلى تشجيع الاستثمارين العام والخاص، وتوفير المناخ الجاذب له، على نحو يدعم الاقتصاد القومي، إنفاذًا للالتزام الدستوري المقرر بالمادتين (27، 28) من الدستور"، مؤكدًا أنه "قد كفل الحقوق لأصحابها، دافعًا عن مجال التقاضي من ليس لهم مصلحة شخصية في الطعن على تلك العقود، صارفًا عن الخصومة القضائية من توهم ضررًا أراد دفعه، أو من توسل بها لفرض سياسات اقتصادية لا تتفق مع توجهات الدستور الحاليّ"، وفق تصريحاته لصحيفة "الشروق" المحلية المصرية.

أما عضو مجلس الشيوخ المصري، طارق عبد العزيز، فأوضح أن الحكم ببطلان أي دعاوى بشأن عقود الدولة من غير طرفيها متوافق مع الدستور ولا يتعارض معه، كما أنه أغلق الباب تمامًا أمام أي محاولات لبطلان التعاقدات التي تبرمها الحكومة، وهي الظاهرة التي تؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار في البلاد، على حد قوله.

وكشف أن من لهم حق الطعن على تلك التعاقدات أطرفها فقط، وليس لأي مواطن أيًا كانت صفته، فبعد إقرار هذا الحكم سيتم إلغاء كل دعاوى البطلان المقدمة طيلة السنوات الماضية، كما ستمتنع المحاكم عن تلقي دعاوى جديدة في هذا الشأن، مضيفًا في تصريحاته لـ"الحرة" أن للحكم مردودًا إيجابيًا على السوق الاستثماري المحلي والأجنبي "لأن المستثمرين كانوا يضعون احتماليات مخاطر بطلان عقود الدولة في ظل السماح بها من قبل مما كان يؤثر على القيم المالية لتلك العقود أو تردد المسؤولين في اتخاذ قرارات التعاقد بسبب إمكانية الطعن عليها أمام المحاكم وهو ما أنهاه هذا الحكم لأن المحاكم لن تقبل تلك الدعاوى مجددًا".

ويعود الحكم الحاليّ إلى الدعوى التي رفعها بعض العاملين بشركة النوبارية لإنتاج البذور واللجنة النقابية المستقلة للعاملين بالشركة في يوليو/تموز  2012، مطالبين ببطلان عقود خصخصة الشركة وبيع مواردها وأصولها، وفي أثناء النظر في القضية كان الرئيس المصري الأسبق (المؤقت) عدلي منصور قد أصدر قرارًا عام 2014 بقصر دعاوى البطلان في عقود الدولة على أطرافها فقط وأنه ليس للشعب الحق في ذلك، لتوقف محكمة القضاء الإداري الدعوى وتحولها بعد ذلك إلى المحكمة الدستورية بعد قرار الرئيس، لتستمر على طاولة النقاش داخل الدستورية كل تلك السنوات حتى صدور الحكم الحاليّ.

تغول فج على حق الشعب

كثير من القانونيين والحقوقيين يرون أن منح الحكومة كممثل عن الدولة السلطة المطلقة في بيع الأصول والموارد وتأجيرها دون وجود آلية رقابية أو محاسبية، ومع استبعاد حق الشعب في الدفاع عن تلك الممتلكات التي هي في الأصل ملكًا له، مخالفًا للقانون والدستور مخالفة فجة وصريحة كونه يسلب المصريين حقهم الشرعي في الزود عن موارد بلادهم.

ويسجل التاريخ القضائي العديد من المعارك القانونية التي انتصر فيها الشعب على الحكومة فيما يتعلق ببيع موارد الدولة، إذ نجح المصريون من خلال الدعاوى القضائية التي رفعوها في إبطال عقود بيع العديد من الشركات العملاقة التي بيعت بأبخس الأثمان، ما حرم الدولة من عشرات الملايين من الدولارت، التي يتقدمها شركتا عمر أفندي والنيل لحليج الأقطان، بجانب بعض العقود الأخرى كعقد تخصيص أرض مدينتي الذي حدد سعر المتر بأقل من قيمته بمئات الأضعاف.

كانت تلك الدعاوى والتحركات الشعبية هي سلاح الشارع الأقوى لإبطال العقود المشكوك في نزاهتها وتتضمن إهدارًا للمال العام نظير عمولات ورشاوى تدفع القائمين على أمور تلك التعاقدات من مسؤولي الحكومة والشركات التابعة لها بالتساهل بشكل فج لتمريرها، حتى لو كان الثمن حرمان البلاد من حقوقها ومواردها.

ومع إصدار هذا الحكم سقط هذا الحق الشعبي وحُرمت البلاد من هذا السلاح الفتاك الذي طالما أعاد للدولة حقوقها المسلوبة جراء الفساد الذي عشش في معظم الإدارات السلطوية الحكومية، لتعربد السلطة منفردة في هذا المضمار، تبيع وتشتري دون محاسبة أو رقابة أو متابعة حتى من المالك الأصلي لتلك الموارد وهو الشعب.

وهنا يطالب الحقوقي المصري، مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بضرورة وجود آلية جديدة للرقابة والمحاسبة بعد إسقاط آلية الطعن على العقود التي أنقذت الكثير من الشركات في السابق، موضحًا أن تلك العقود ربما تنطوي على مخالفات صريحة وأمور سلبية كارثية، وعليه "فعلى الحكومة أن تجد آلية وطنية أخرى لمراقبة تلك التعاقدات واكتشاف أوجه القصور أو الجوانب السلبية فيها طالما أغلق باب طعن المواطنين عليها".

شرعنة بيع الأصول

الحكم بمنطوقه الحاليّ هو تشريع رسمي دستوري لموجة الخصخصة وبيع الأصول التي تتبناها الدولة المصرية منذ 2019 وحتى اليوم، والمتوقع أن تمتد لعدة سنوات سابقة وفق خطة الشروط والتعهدات التي أخذها صندوق النقد الدولي على الحكومة المصرية وأقرتها شكلًا ومضمونًا.

إصدار هذا الحكم في هذا التوقيت لا يمكن أن يكون اعتباطيًا، كونه يأتي بعد أقل من أسبوع عن التقرير الصادر عن خبراء صندوق النقد الدولي بشأن الشروط والإصلاحات التي تعهدت القاهرة بالالتزام بها للموافقة على منحها دفعات القرض الأخير من الصندوق البالغ قيمته 3 مليارات دولارات على 46 شهرًا.

وضمن قائمة شروط وتعهدات مطولة أكد التقرير أن مصر ستبيع خلال الفترة الحاليّة أصولًا بقيمة ملياري دولار، معظمها لمستثمرين خليجيين، بسبب تعهد بلدانهم بعدم مطالبة مصر بودائعهم الموجودة في البنك المركزي المصري بقيمة تصل إلى 28 مليار دولار حتى سبتمبر/أيلول 2026.

الصندوق نشر خريطة الدولة المصرية في بيع أصولها خلال الأعوام الثلاث القادمة، وهي الخريطة التي أقرتها القاهرة، حيث حدد الصندوق قيمة الأصول التي من المقرر أن تبيعها مصر خلال العام الحاليّ بقيمة 4.6 مليار دولار، تتبعها موجة بيع أخرى عام 2024/2025 بقيمة 1.8 مليار دولار، على أن تصبح إستراتيجية "تسييل الأصول الثابتة" سياسة ممتدة حتى تحسين الوضع المالي المصري والخروج من المأزق الحاليّ.

وتجد السلطة المصرية صعوبةً بالغةً في الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها إزاء الديون المتراكمة عليها التي بلغ حجمها الخارجي 157.8 مليار دولار، وفق بيانات سبتمبر/أيلول 2022، ما دفعها للبحث عن منافذ جديدة لسداد خدمة الدين، كان على رأسها بيع الأصول والاستثمار فيها بجانب التخارج النسبي لشركات القطاع العام والتابعة للجيش ومنح القطاع الخاص فرصة المشاركة بعد احتكار المؤسسة العسكرية للمشهد طيلة السنوات السبعة الأخيرة، وهو ما أثر على الأداء العام للاقتصاد الوطني، وكان ذلك أحد التحفظات والتحذيرات التي أطلقها الخبراء والمتخصصون قبل أن يكشفها صندوق النقد في تقريره الأخير.

وكانت الدولة المصرية قد أبرمت عشرات العقود والاتفاقيات خلال العامين الماضيين مع الصندوق السيادي الإماراتي ونظيره السعودي لبيع أصول الدولة، بجانب لقاءات عقدها ممثلو الحكومة المصرية مع بعض الدائنين وعلى رأسهم الصين للنظر في مسألة مبادلة الأصول بالديون، وهو التوجه الذي ربما سيكون الأكثر حضورًا خلال المرحلة المقبلة في ظل تعاظم الدين وأزمة العملات الأجنبية.

في ضوء ما سبق، فإن الحكم الحاليّ سيجعل كل القوانين المبرمة مؤخرًا أو تلك التي لا تزال تناقش داخل البرلمان سارية بحكم الدستور ولا يجوز الطعن عليها، وهي القوانين التي أقلقت الشارع المصري بشكل واضح خلال الآونة الماضية، وعلى رأسها مشروع القانون المقدَّم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم 30 لعام 1975 بنظام هيئة قناة السويس، وهو المشروع الذي وافق عليه مجلس النواب المصري (البرلمان) بشكل مبدئي في جلسته، التي عُقدت الإثنين 19 ديسمبر/ كانون الأول 2022، ويسمح بتدشين هيئة جديدة ممنوحة كل الصلاحيات التي وصفت بالكارثية، ومنها حق شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال أصول الصندوق الثابتة والمنقولة والانتفاع بها، ما يعرض موارد البلاد وسيادتها وأمنها القومي للخطر.

إن كان بالأمس للشعب حق في الاعتراض على خصخصة موارده وبيعها عبر التقاضي، حتى لو كان حقًا صوريًا - إذ إن معظم تلك الدعاوى كان يتم رفضها - فاليوم الأمر بات مختلفًا، حيث سُلب هذا الحق الصوري بشكل دستوري، لتتلاعب السلطة بمقدرات الوطن وموارده وفق ما تريد من وجهة نظرها فقط دون أن يكون للشعب رأي ولو كان استشاريًا لا يؤخذ به.