تقارب بين الدبيبة وحفتر سعيا للاستمرار في السلطة

تقارب بين الدبيبة وحفتر سعيا للاستمرار في السلطة

تشهد ليبيا، منذ بداية السنة، تحركات متزامنة للعديد من القوى الفاعلة بغية المحافظة على نفوذها وتدعيم امتيازاتها الميدانية، أهمها الاتفاق الذي حصل بين عقيلة صالح وخالد المشري، تمهيدًا لفترة انتقالية جديدة تنتهي بانتخابات تشريعية ورئاسية تفرز سلطة تنفيذية وتشريعية جديدة.

اتفاق دفع كلًا من اللواء المتقاعد خليفة حفتر ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى السعي جاهدين للتقرب من الولايات المتحدة الأمريكية وخطب ودها، خشية أن يخسرا مكانتهما في البلاد، في ظل التحالفات الجديدة.

سعي قابلته واشنطن بترحيب كبير، خاصة أنها تريد تحقيق الاستقرار في ليبيا لتأمين إمدادات النفط الليبي للسوق العالمي، بعد تراجع الإمدادات نتيجة الحرب الروسية لأوكرانيا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما موقف روسيا مما يحصل في ليبيا؟ وهل يؤثر ذلك على مكانتها ونفوذها هناك؟

تسابق بين الدبيبة وحفتر لنيل رضا واشنطن

منتصف الأسبوع الماضي، وصل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) وليام بيرنز إلى ليبيا، في أول زيارة لمدير الـ"سي آي ايه" إلى البلاد منذ الهجوم الذي استهدف في سنة 2012 مقر البعثة الأمريكية في بنغازي وأسفر عن مقتل السفير الأمريكي وثلاثة أشخاص آخرين.

عادة لا يتم الإعلان عن مثل هذه الزيارات، إذ تكون سرية وتتعلق بالأمن العام ونشاط الاستخبارات الأمريكية، لكن هذه المرة تم الإعلان عن الزيارة والتركيز عليها، لتأكيد أهميتها للجانب الأمريكي والليبي أيضًا، حيث جاءت في فترة تُعاد فيها تشكيل التحالفات في ليبيا.

استغل دبيبة وحفتر وجود وليام بيرنز للتقرب أكثر إلى واشنطن، ذلك أنهما يعلمان يقينًا أن للإدارة الأمريكية دورًا كبيرًا في تهيئة الوضع العام في ليبيا وتحديد الأطراف الحاكمة هناك، لما لها من قوة ونفوذ في المنطقة.

تنظر الإدارة الأمريكية وحلفاؤها إلى ليبيا كبديل محتمل للنفط والغاز الروسي إلى جانب دول أخرى

وفقًا لقناة الجزيرة، طلب رئيس الحكومة الليبية من مدير جهاز الاستخبارات الأمريكية أن تعمل الولايات المتحدة على "توحيد الموقف الدولي الرافض للتدخلات السلبية الإقليمية في ليبيا" كضرورة، على حد قوله، فيما وصف بيرنز حكومة الدبيبة بأنها "شريك للولايات المتحدة يمكن الاعتماد عليه".

كما طلب الدبيبة من بيرنز أن تكون ليبيا شريكًا إستراتيجيًا حقيقيًا للولايات المتحدة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، مؤكدًا أن حكومته تسعى لإجراء انتخابات "حقيقية" تولِّد حالة استقرار، ولا تنتج عنها فوضى.

إلى جانب ذلك، طلب الدبيبة من بيرنز أن تستأنف السفارة الأمريكية في ليبيا نشاطها من العاصمة طرابلس، واصفًا الأوضاع الأمنية في المدينة بـ"المناسبة"، ونافيًا وجود أي مخاوف تهدد السفارات في العاصمة، حتى يؤكد نجاحه في توفير الأمن والاستقرار للبلاد، وإقناع الأمريكان بأهميته وقدرتهم على الوثوق به.

من جهته، استغل حفتر لقاء بيرنز، لطلب مزيد من التواصل مع الجانب الأمريكي ودعمه، وألا يقتصر التواصل الأمريكي في ليبيا مع حكومة عبد الحميد الدبيبة فقط، عارضًا مساعدة الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها بالبلاد.

ترى واشنطن في حفتر، شريكًا أمنيًا وعسكريًا يمكن العمل معه، لتأمين نفوذها في البلاد، خاصة أنه أثبت عزمه التعاون مع واشنطن في هذا المجال، رغم أنه كان دائمًا إلى صف الروس في السنوات الأخيرة.

عين واشنطن على إمدادات النفط وكبح النفوذ الروسي

عرف كل من حفتر والدبيبة حاجة واشنطن من ليبيا في الوقت الحاليّ، وقد استغلا ذلك، فقد أبلغ الدبيبة المسؤول الأمريكي، دعمه الموقف الأمريكي الرافض لوجود مرتزقة "فاغنر" الروس في ليبيا، أي رفضه للوجود الروسي في البلاد.

كما أبلغه أيضًا أن لدى حكومته خطة لزيادة صادرات النفط إلى 3 ملايين برميل يوميًا خلال السنوات الثلاثة القادمة، وهو ما تسعى إليه واشنطن في الوقت الحاليّ، خاصة مع تراجع إمدادات النفط في السوق العالمية بعد غزو روسيا لأوكرانيا.

وتخشى الولايات المتحدة الأمريكية تأثر النفط الليبي بالصراع الدائر هناك في وقت زادت فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاتها على الدول المصدرة للبترول لزيادة إنتاجها لتعويض النفط الروسي، ودائمًا ما تغلق مجموعات مسلحة موانئ النفط الليبية لفرض إملاءاتها على السلطات.

من جهته، وعد اللواء المتقاعد خليفة حفتر المسؤول الأمريكي بحماية موانئ النفط، في ظل تأكيد بيرنز حرص الولايات المتحدة على ضرورة استقرار قطاع النفط الليبي وعدم إيقاف تصديره كما حدث في مرات سابقة.

تركيز واشنطن على استقرار الوضع الأمني في ليبيا واستمرار إمدادات النفط الليبي نحو الأسواق الغربية، لا يخدم المصالح الروسية

تنظر الإدارة الأمريكية وحلفاؤها إلى ليبيا كبديل محتمل للنفط والغاز الروسي إلى جانب دول أخرى، خاصة أنها تملك أكبر احتياطي للنفط في إفريقيا وتعتبر ثاني أكبر منتج له، ناهيك بامتلاكها لاحتياطات كبيرة من الغاز معظمها غير مستغل.

يشكل النفط نحو 94% من موارد ليبيا، وأهم ما يميزه غزارة الآبار المستخرج منها وقربه من موانئ التصدير، وتشير بيانات منظمة الدول المنتجة للنفط "أوبك" إلى أن ليبيا تحتل المرتبة الخامسة عربيًا باحتياطي نفطي يبلغ 48.36 مليار برميل.

يتميز إنتاج النفط في ليبيا منذ سنوات بالتذبذب، فتارة يبلغ مستويات قياسية فاقت 1.22 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات متطابقة لمؤسسة النفط الليبية ومنظمة البلدان المصدرة للبترول، وتارة لا يتجاوز 70 ألف برميل يوميًا، وأحيان أخرى لا ينتج أي برميل.

واشترط المسؤول الأمريكي على حفتر ضرورة وجود قوة مشتركة من قواته وقوات الجيش الليبي في غرب البلاد تتولى حماية وتأمين منابع النفط والمياه والحدود في جنوب البلاد، فضلًا عن التعامل مع حكومة الدبيبة والسماح لها بالعمل من مناطق شرق البلاد.

ضربة موجعة للروس

في حال عمل الدبيبة وحفتر بشروط الولايات المتحدة الأمريكية، فإن ذلك يعتبر ضربة موجعة للروس ونظام بوتين الذي ركّز كل قوته على حربه ضد أوكرانيا وأهمل باقي الجبهات المفتوحة في إفريقيا وعلى رأسها ليبيا.

وسبق أن أعربت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء الدور الذي تلعبه روسيا على ساحة الصراع الليبي، فضلًا عن استمرار المخاوف من أن يؤثر عدم الاستقرار في البلد العضو بمنظمة أوبك على سلاسل إمدادات الطاقة العالمية، هذا إلى جانب أن عدم الاستقرار يعطي مساحة للجماعات المسلحة المتطرفة في البلاد.

تركيز واشنطن على استقرار الوضع الأمني في ليبيا واستمرار إمدادات النفط الليبي نحو الأسواق الغربية، لا يخدم المصالح الروسية، فموسكو تستثمر في الأزمة وتعمل على تواصل الفوضى واستمرار الصراع في هذا البلد العربي حتى يتوقف إنتاج وتصدير النفط، خدمةً لمصالحها.

سعي حفتر لتمتين علاقاته مع واشنطن، يعني أن موسكو ستخسر أبرز حليف لها في ليبيا، اعتمدت عليه خلال السنوات الأخيرة لدعم نفوذها ومكانتها هناك، ورغم عدم تمكنه من أداء أبرز المهام الموكلة إليه وهي السيطرة على العاصمة طرابلس، كان مهمًا جدًا لموسكو.

يبدو أن روسيا تخسر ورقاتها الأخيرة في ليبيا، فبعد عجز حليفها باشاغا عن اقتحام طرابلس بقوة السلاح، رغم الدعم الكبير الذي حظي به، ها هي الآن تخسر حليفها حفتر الذي طالما راهنت عليه، ما يؤكد أن نفوذها هناك في تراجع لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.