رجل يمرّ أمام محل لبيع الدجاج بالقاهرة، 17 آذار/ مارس 2022.

ترجمة وتحرير: نون بوست

لقد وصل الوضع الاقتصادي في مصر إلى وضعية مزرية للغاية لدرجة أن الحكومة باتت توصي مواطنيها بتناول أرجل الدجاج. فأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان تعاني أزمة عملة قياسية وأسوأ تضخم  منذ خمس سنوات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأغذية لدرجة أن العديد من المصريين لم يعد بإمكانهم شراء الدجاج الذي يعد من الأغذية الأساسية في البلاد.

وفقًا لوسائل الإعلام الرسمية، ارتفعت أسعار الدواجن من 30 جنيها (1.01 دولار) للكيلوغرام في 2021 إلى 70 جنيها (2.36 دولار) حتى يوم الإثنين. وهذا الارتفاع  في الأسعار دفع المؤسسة الوطنية للتغذية إلى دعوة المصريين إلى تناول أرجل الدجاج، وكان ذلك في منشور على فيسبوك شاركته الشهر الماضي بعنوان "هل تبحث عن بدائل غذائية غنية بالبروتين وتساعد على توفير المال؟" من أرجل الدجاج إلى حوافر الماشية.

أعرب الكثير من المصريين عن استيائهم من دعوة الحكومة المواطنين اللجوء إلى الأطعمة التي تعتبر رمزًا للفقر المدقع في البلاد. في مصر، يُنظر إلى أرجل الدجاج على أنها أرخص أنواع اللحوم ويعتبرها معظم الناس فضلات وليست طعامًا. تعليقًا على ذلك، كتب الإعلامي محمد الهاشمي  في منشور على تويتر لمتابعيه البالغ عددهم 400 ألف "(دخلنا) عصر أرجل الدجاج وانهيار الجنيه المصري ... والغرق في الديون".

لكن يبدو أن العديد من البائعين استجابوا للنداء. بعد التوصية بالتحول نحو تناول أرجل الدجاج، أشارت بعض التقارير إلى أن سعر كيلوغرام واحد منها تضاعف إلى 20 جنيهًا مصريًا (0.67 دولارًا).

تقول السلطات المصرية أن ما يقارب 30  بالمائة من سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر، بينما تشير تقديرات البنك الدولي لسنة 2019 إلى أن "حوالي 60 بالمائة من سكان مصر إما فقراء أو معرضون للفقر". وفيما يلي ما تحتاج لمعرفته حول الاقتصاد المتدهور في مصر:

كيف وصلت مصر إلى هذه المرحلة؟

مرت مصر بعدد من الأزمات المالية على مدى العقد الماضي مما أجبرها على السعي للحصول على مساعدات من جهات دائنة مثل صندوق النقد الدولي وحلفائها من دول الخليج العربية. لكن البلاد أصبحت عالقة في دائرة الاقتراض التي يقول محللون إنها أصبحت غير مستدامة. وحسب صندوق النقد الدولي، بلغ حجم ديونها هذه السنة 85.6 بالمائة من حجم اقتصادها.

من بين العوامل التي تسببت في انهيار الاقتصاد المصري هيمنة الجيش على عجلة الاقتصاد وإضعاف القطاع الخاص فضلاً عن تخصيص مبالغ كبيرة لمشاريع عملاقة مثل أطول برج في إفريقيا وعاصمة جديدة في الصحراء تضم وزارة للدفاع تتباهى بها السلطات المصرية أنها أكبر من البنتاغون، وذلك حسب بعض المحللين.

تلقى الاقتصاد المصري ضربة كبيرة في السنتين الماضيتين عندما تسببت آثار جائحة كوفيد-19 وحرب أوكرانيا في تقليص احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية وارتفاع أسعار الوقود ومعدل التضخم. وأعقب الجائحة سحب المستثمرين حوالي 20 مليار دولار من مصر في سنة 2020، وأدت التداعيات الاقتصادية للحرب الأوكرانية إلى خروج مبلغ مماثل من البلاد السنة الماضية، وذلك وفقًا لوكالة رويترز.

أوضح تيموثي قلدس، الزميل غير المقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط بواشنطن أن "عشرين مليار دولار تعادل كل قرش تقترضه مصر من صندوق النقد الدولي منذ سنة 2016، وقد اختفت الدولارات خلال عدة أسابيع في السنة الماضية".

كانت تلك الأحداث من العوامل المسببة في أزمة العملة التي تواجهها مصر اليوم. خسر الجنيه المصري قرابة نصف قيمته خلال السنة الماضية، وسجل الأسبوع الماضي لفترة وجيزة سعر صرف 32 جنيها مقابل الدولار، وهو الأدنى في تاريخه. وفي أحدث خطة إنقاذ تم الاتفاق عليها في كانون الأول/ ديسمبر، وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضا بقيمة 3 مليارات دولار على أمل أن يحفز ذلك حصولها على حوالي 14 مليار دولار إضافية من شركاء مصر الدوليين والإقليميين بما في ذلك دول الخليج الغنية بالنفط.

ما الذي يريد صندوق النقد الدولي أن تفعله مصر بشكل مختلف هذه المرة؟

كان قرض صندوق النقد الدولي المقدم هذه السنة مشروطًا بتنفيذ مصر لعدد من الإصلاحات الهيكلية. وهذه المرة، كانت الإصلاحات المطلوبة تستهدف نفوذ الجيش المصري المتنامي.

إلى جانب إدخال سعر صرف مرن - مما يسمح بتحديد قيمة العملة من قبل السوق بدلاً من البنك المركزي - طلب صندوق النقد الدولي تقليص دور الدولة بما في ذلك سيطرة الجيش على الاقتصاد، وتقليص المشاريع الوطنية للحد من الضغوط على العملة وكذلك التضخم.

كتب يزيد صايغ، الزميل البارز في مركز "مالكولم إتش كير كارنيجي" للشرق الأوسط في بيروت، لبنان: "ما هو استثنائي في ذلك هو أنه يشمل أيضًا الشركات العسكرية المصرية. وهذا يتناقض مع الانطباع الأولي الذي أعطاه إعلان اتفاقية القرض في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، بأن صندوق النقد الدولي لم يستخدم نفوذه لوضع الشركات العسكرية على جدول أعماله". كما طالب صندوق النقد الدولي جميع الشركات - بما في ذلك تلك التي يملكها الجيش - بنشر تقرير سنوي "مع تفاصيل وتقديرات الإعفاءات الضريبية".

يبقى أن نرى ما إذا كان سيتم نشر هذه التقارير على الإطلاق. في شأن ذي صلة، يقول قلدس إن العديد من المصريين يريدون معرفة مدى ثراء الجيش و"مستوى الخطر الذي تشكله الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية على مصر". وأضاف "أحد التحديات في الوقت الحالي لفهم مستوى المخاطر الاقتصادية في مصر حقيقة أننا لا نعرف حجم الأموال التي اقترضتها الشركات العسكرية".

لماذا يعتبر دور الجيش في الاقتصاد مثيرًا للجدل؟

صورة
ناطحات سحاب، بما في ذلك البرج الشهير الذي يقع وسط الحي التجاري المركزي بالعاصمة الإدارية الجديدة، شرقي القاهرة في مصر، يوم الأربعاء، 27  تموز/يوليو  2022.

حسب قلدس، شهد القطاع الخاص في مصر انكماشا في السنوات السبع الماضية. وسجل مؤشر ستاندرد آند بورز غلوبال لمديري المشتريات في مصر لشهر كانون الأول/ ديسمبر، والذي يقيس صحة القطاع الخاص غير النفطي في مصر، "تدهورًا كبيرًا"، حيث ظل دون مستوى 50 المطلوب لتحقيق نمو اقتصادي صحي لمدة 25 شهرًا متتاليًا.

يمتلك الجيش المصري ويدير عددًا كبيرًا من الشركات التي تنافس الشركات الخاصة. من محطات الوقود والأدوية إلى اللحوم والألبان، تحتكر الشركات المملوكة للجيش حصة كبيرة من الاقتصاد المصري.

لكن هذه الشركات لا تعمل مثل نظيراتها في القطاع الخاص وإنما تتمتع بامتيازات خاصة  - ناهيك عن أنها غير مجبرة على الكشف عن بياناتها المالية للجمهور. ويقود الجيش المشاريع الوطنية الضخمة للرئيس عبد الفتاح السيسي التي يعتقد النقاد أنها ساهمت في استنزاف الكثير من الأموال المصرية.

وعدت السلطات بإدراج الشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك الشركات المملوكة للجيش، في البورصة وهي خطة تهدف إلى إشراك القطاع الخاص في إدارتها. لكن لم يتم تنفيذ الخطة بالكامل بعد، ويشكك المحللون في ذلك نظرًا لأن هذه الشركات تعمل في كنف السرية المطلقة.

هل ستستجيب مصر لنداء صندوق النقد الدولي؟

يعتقد صايغ من مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط أن التأخير في إدراج الشركات المملوكة للجيش في البورصة والإفصاح عن مواردها المالية دليل على معارضة الجيش لشروط صندوق النقد الدولي. وقد تساءل الخبراء عن سبب عدم استغلال الدائنين الدوليين القروض المقدمة لإخراج الجيش المصري من الاقتصاد الذي بات من المؤسسات النافذة في مصر على الصعيدين المالي والسياسي.

وتجدر الإشارة إلى أن السيسي لم يتمكن من الوصول إلى السلطة إلا بدعم الجيش. وكان المشير الميداني السابق في طليعة الانقلاب العسكري لسنة 2013 الذي أطاح بالرئيس السابق محمد مرسي، الرئيس الوحيد المنتخب ديمقراطيًا في البلاد.

قال وزير الخارجية المصري سامح شكري  في حوار مع بيكي أندرسون من شبكة "سي إن إن" في أبو ظبي يوم الإثنين، إن "الشركات المملوكة للدولة "سيتم بيعها للقطاع الخاص لتشجيع المزيد من الاستثمار" وأن مصر "تحظى بدعم صندوق النقد الدولي في هذا الصدد". وردا على سؤال حول موعد مراجعة الحكومة لانخراط الجيش في الاقتصاد، قال شكري إن مصر تتعامل مع التحديات "بطريقة شاملة" مع "الإقرار بالأبعاد الاجتماعية" التي تعد جزءا لا يتجزأ من المشاكل المالية للبلاد.

من جهته، صرّح قلدس من معهد التحرير أن "هناك طرقًا للحكومة للالتفاف على شروط صندوق النقد الدولي من خلال إجراء تغييرات تبدو وكأنها تنازلات ولكنها لا تحدث أي تغييرات هيكلية على الاقتصاد البتة". وأضاف "إذا تم اتباع كل شيء في هذا الاتفاق فعليًا، فمن شبه المؤكد أن نفوذ الجيش في مصر سوف يتقلص".

لماذا اهتمام بقية العالم مهم؟

عندما خفضت مصر من قيمة عملتها في تشرين الأول/ أكتوبر، أصدرت السفارة الأمريكية في القاهرة "تنبيهًا باندلاع مظاهرات"، محذرة من اضطرابات محتملة. ومنذ أكثر من عقد من الزمان، انزلقت مصر ودول أخرى في الشرق الأوسط في موجة من الاحتجاجات التي أطاحت بالحكومات، وأدت إلى تدهور الاقتصادات، وأثارت حروبًا أهلية دفعت ملايين اللاجئين إلى الفرار من المنطقة.

في سنة 2011، عندما خرج الملايين إلى الشوارع مطالبين بتغيير النظام، كان الشعار الأكثر شيوعًا في مصر هو "الخبز والحرية والمساواة الاجتماعية". يعيش في مصر أكثر من 106 ملايين نسمة، أكثر من نصفهم ظروفهم الاقتصادية متقلبة. وبات الكثيرون منهم لا يستطيعون تحمل تكاليف المواد الغذائية الأساسية، مما أدى إلى الحد من إنفاقهم وحتى تقييد الوجبات الغذائية. لهذا السبب، حذر المحللون من اندلاع اضطرابات اجتماعية في حال مزيد تدهور الوضع.

المصدر: سي إن إن