ما زالت قضية التطبيع التركي مع نظام الأسد تتفاعل لدى الأطراف الفاعلة في الأراضي السورية، كون هذه الخطوة أتت من أبرز الفاعلين الذين لديهم نفوذ في مساحة كبيرة من الخريطة السورية، وخلال الأسابيع السابقة أجرينا في "نون بوست" تحليلًا واسعًا للموقف التركي المستجد من القضية السورية وركوبه قطار التقارب مع نظام الأسد، بدايةً بلقاء موسكو الذي جمع وزيري دفاع تركيا والنظام السوري، إضافة إلى رؤساء استخبارات الطرفين، كما ركزنا على نظرة الفاعلين الآخرين للخطوات التركية وحدود التأثير المتبادل بين الأطراف كافة، إن كانت على الصعيد الإيراني أو الروسي أو الأمريكي مرورًا بالأطراف الداخلية وهي النظام والمعارضة السورية على حد سواء.

من المنتظر أيضًا أن يلتقي وزيرا خارجية تركيا والنظام السوري في مكان لم يتم تحديده حتى الآن، ومن المتوقع أن يكون اللقاء في أول فبراير/شباط القادم في حال لم يحصل أي مانع من اللقاء، وكان وزير الخارجية التركي قد بحث مستجدات تقارب بلاده مع الأسد خلال زيارته للعاصمة الأمريكية واشنطن في بحر الأسبوع الماضي، وذلك بعد أن صدرت تصريحات أمريكية تعارض الخطوات التركية في التطبيع مع حكومة دمشق.

لكن في خضم هذه الأحداث المتسارعة يبدو أن الصوت العربي خافت أو غير آبه بما يحصل على أراضي دولة عربية، في الوقت الذي تؤكد فيها تصريحات الكثير من الدول العربية أهمية القضية السورية والعمل على حلها وفق ما يحفظ استقلال ووحدة أراضي البلاد.

يذكر أن الدور العربي في سوريا بات إما ضعيفًا وإما محسوبًا على نظام الأسد كالدور الإماراتي والدور الأردني أو انسحب كالدور السعودي والقطري وأصبح مقتصرًا على الدور الإغاثي، في هذا التقرير نلقي نظرة على مواقف أربع دول عربية من التطبيع التركي مع الأسد للاطلاع أكثر على الموقف العربي من هذه القضية.

جهود إماراتية

يبدو أن الإمارات الدولة العربية الأكثر اهتمامًا بالتقارب بين أنقرة ونظام الأسد، فقد باتت أبو ظبي تأخذ دورًا رياديًا في الترويج لنظام الأسد وتحاول إعادته إلى المنظومة العربية والإقليمية، ويبرز ذلك من خلال الزيارات المتبادلة والدعم الاقتصادي الإماراتي للنظام، ويبدو أن ذلك يتم بالاتفاق مع روسيا التي وجدت بأبو ظبي شريكًا مناسبًا لتعويم النظام وانتشاله في المنطقة، خاصة أن دولًا أخرى ما زالت ترفض أو تتحفظ على إعادة علاقاتها مع النظام أو إعادته ضمن المنظومة العربية والدولية مثل السعودية وقطر.

آخر فصول الحراك الإماراتي ذكرها موقع "بلومبيرغ" بخصوص التقارب التركي مع النظام السوري، فقد ذكر الموقع أن الإمارات تضاعف جهودها مع تركيا وروسيا لإعادة تأهيل الرئيس السوري بشار الأسد، وبحسب الموقع فإن تركيا التي أيدت ثورة 2011 ضد الأسد، مستعدة الآن للاعتراف علنًا ​​بحكمه على سوريا والعمل على إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية والأمنية والتجارية بجهود روسية إماراتية. 

يرى محللون أن زيارة عبد الله بن زايد إلى دمشق كانت مهمتها الأساسية الحديث عن التطبيع القائم مع تركيا، خاصة أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أجرى محادثة هاتفية مع نظيره الإماراتي قبل يوم واحد من زيارة الأخير إلى دمشق.

وتضع أبو ظبي نفسها في فلك الرؤية الروسية للحل في سوريا، خاصة بعد الأزمات المتوالية التي أصابت العلاقات بين أبو ظبي وواشنطن وطفت هذه الخلافات على السطح بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث أثار موقف الإمارات من الهجوم الذي تشنه روسيا على أوكرانيا، شعورًا بالخيبة والإحباط في دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة التي تنظر إلى أبو ظبي على أنها أحد أهم الشركاء بالشرق الأوسط، ما تسبب بتعالي أصوات تنادي بإعادة النظر في اعتبار الإمارات حليفًا موثوقًا لواشنطن.

وبالعودة إلى ما قبل تطبيع العلاقات بين تركيا والإمارات، كانت أبو ظبي من أكثر الدول تنديدًا بالدور التركي في سوريا، ولطالما طالبت بسحب أنقرة لقواتها من سوريا، كما اتخذت الإمارات نهج التقارب مع الأسد في الوقت الذي كانت فيه أنقرة تخوض حربًا شرسةً على محاور عدة في سوريا.

تذكر التقارير أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد طلب من بشار الأسد خرق اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب عام 2020، من أجل توريط القوات التركية وإلهائها عن معركة طرابلس في ليبيا، وحققت قوات الأسد بدعم من الطيران الروسي حينها مكاسب في مواجهة قوات المعارضة السورية، حيث قتلت المئات وأجبرت ملايين المدنيين على الفرار نحو الحدود التركية.

طريقة جديدة للتعامل

أما بالنسبة للجانب السعودي، فلم تبد الرياض موقفًا واضحًا من التطبيع التركي مع النظام السوري، لكن وزير خارجيتها أبدى موقفًا لم يسبق لمسؤولي المملكة الإشارة إليه، فقد أكد على ضرورة إيجاد حل سياسي وتحدث عن عمل يتعلق بإيجاد طريقة تعامل مع النظام السوري، وقال خلال حديث صحفي له بشأن ما يجري من تطبيع مع الأسدا: "دول المنطقة يجب أن تعمل معًا لإيجاد حل سياسي للحرب الأهلية المستمرة منذ 12 عامًا"، مضيفًا "نحن نعمل مع شركائنا لإيجاد طريقة للتعامل مع الحكومة في دمشق بطريقة تقدم تحركات ملموسة نحو حل سياسي، وأن ذلك سيتطلب بعض العمل".

وخلال الأسابيع الماضية، شهدت الدبلوماسية السعودية حراكًا مكثفًا تجاه الملف السوري، فقد التقى وزير الخارجية السعودي بمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، غير بيدرسن، كما بحث وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير، مع مبعوثة فرنسا الخاصة إلى سوريا بريجيت كورمي، المستجدات على الساحة السورية.

في الواقع انسحبت السعودية كفاعل أساسي من الملف السوري منذ عام 2017، لكنها منذ ذلك الوقت ظلت على موقفها الداعي إلى "الالتزام بقرارات مجلس الأمن ومقررات جنيف، قبل إعادة العلاقات مع النظام السوري، وإعادته إلى الجامعة العربية"، وهو ما أعلنه وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في تصريحات سابقة حين قال إن بلاده لا تفكر في التعامل مع رئيس النظام السوري في الوقت الحاليّ، وإن الرياض تدعم العملية السياسية في جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة بين النظام السوري والمعارضة.

وكانت الرياض قد ساهمت بعرقلة دعوة النظام السوري إلى القمة العربية في الجزائر، وعزت الرياض حينها رفضها عودة دمشق إلى الجامعة العربية إلى "التدخل الإيراني ووجود طهران في سوريا الذي يحول دون عودة سوريا إلى المحيط العربي"، وقالت السعودية: "هناك قرارات عربية اتخذت ودولية أيضًا، متى تم تنفيذها ستكون المملكة وكل الدول العربية حريصة على عودة سوريا والشعب السوري".

وعلى الرغم من أن العلاقات السعودية التركية بدأت بالتحسن بعد قطيعة دامت سنوات، فإن الرياض لا يبدو أنها ستكون على وفاق مع أنقرة في خطواتها الحاليّة تجاه النظام السوري، وفي حال أرادت السعودية التقارب مع الأسد سيكون لها مسار خاص بعيدًا عن الإمارات وتركيا مثلما كان لها مسارها الخاص في دعم المعارضة السورية.

في فلك الرياض

تعمل تركيا بالتوازي مع تطبيعها مع نظام الأسد على إنجاز ملف التقارب مع مصر، فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده تعيد النظر في علاقاتها مع كل من مصر وسوريا، وذلك بعد الانتخابات المقبلة في يونيو/حزيران 2023، مؤكدًا "ليس هناك خلاف واستياء أبدي في السياسة"، مبينًا أنه "يمكن تقييم الوضع عندما يحين الوقت وتجديده وفقًا لذلك".

وعلى الرغم من أن مصر بعيدة عن الملف السوري منذ سنوات، فإن الأيام الأخيرة حملت معها موقفًا مصريًا متسقًا مع الموقف السعودي، وهو ما يجعلها تتريث باتخاذ موقف واضح، وكانت مصر قد أصدرت بيانًا مشتركًا مع السعودية خلال الأيام الماضية، قالت فيه إن البلدين يدعمان "الحل السياسي في سوريا وفق القرار 2254، ورفض أي تهديدات بعمليات عسكرية تمس الأراضي السورية، وتروّع الشعب السوري".

وأشارت اللجنة إلى أن الطرفين اتفقا على "ضرورة دعم الحفاظ على استقلال سوريا ووحدة أراضيها، ومكافحة الإرهاب، وعودة اللاجئين والنازحين، والتوصل لحل سياسي للأزمة القائمة وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2254"، مؤكدًا على دعم جهود المبعوث الأممي "لدفع العملية السياسية في سوريا".

يذكر أن مصر تصف الوجود التركي في سوريا بـ"الاحتلال" وتطالب على الدوام بخروج القوات التركية من الأراضي التي تسيطر عليها في شمال سوريا.

كانت صحيفة "إنتلجنس أونلاين" الفرنسية، قد قالت إن السعودية ومصر عارضتا بشدة عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، كما لفتت إلى أن مصر تعارض مشاركة نظام الأسد بالقمة العربية المقبلة في الجزائر التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.

وأوضحت الصحيفة أن ذلك "يشكل تحولًا في موقف القاهرة، خاصة أن جهود إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية منذ عام 2020، قادها رئيس الاستخبارات المصرية عباس كامل"، وذكرت أن مصر تشارك الموقف السعودي، الذي يعارض بشدة عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية.

رفض التطبيع

أما بالنسبة لموقف قطر، الحليف العربي الأبرز لتركيا، فيبدو أنه ما زال يتسم بالصلابة تجاه النظام السوري والعلاقة معه، لكن الدوحة لم تصدر أي موقف بخصوص التقارب التركي مع النظام السوري، وما زالت مواقف الدوحة من النظام السوري هي الأوضح عربيًا، فهي تندد بالنظام السوري وإجرامه وتطالب بمحاسبته، وكان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قد قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: "المجتمع الدولي عجز عن محاسبة مجرمي الحرب في سوريا".

مضيفًا "لا يجوز أن تقبل الأمم المتحدة أن يتلخص المسار السياسي بسوريا فيما يسمى اللجنة الدستورية"، وأشار إلى أن بعضهم "يسعى إلى طي صفحة مأساة الشعب السوري بلا مقابل ويتجاهل تضحياته الكبيرة من دون حل يحقق تطلعاته ووحدة بلاده".

سبق لأمير قطر إبداء استعداده المشاركة في أي جلسات حوار لدعم السلام في سوريا، فيما أكد أن استبعاد النظام السوري من جامعة الدول العربية كان "لسبب وجيه ما زال موجودًا".

وعن إمكانية تغير موقف قطر من النظام السوري في سياق تغير مواقف دول كثيرة، قال: "يحق لكل دولة أن تقيم علاقات مع أي دولة تختارها، لكن جامعة الدول العربية قررت استبعاد سوريا لسبب وجيه"، مضيفًا "هذا السبب ما زال موجودًا ولم يتغير"، وتساءل الشيخ تميم ما إذا كان العالم "مُجبرًا على قبول رئيس قهر شعبه وارتكب المجازر ضدهم وهجر الملايين كما فعل نظام الأسد في سوريا".

في تقرير سابق لـ"نون بوست" ذكرنا أن الحديث عاد عن ترتيبات لاستعادة الدوحة دورها الفاعل على الساحة السورية خاصة شمال البلاد الواقع تحت سيطرة فصائل المعارضة، بعد اللقاء الذي عقد بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين اتفق الجانبان على عودة المشاركة الواسعة والفاعلة من الجانب القطري في إدارة الملف السوري.

وفي حديث سابق لموقع "نون بوست" أشار محمد سرميني رئيس مركز جسور للدراسات إلى أن "قطر تعارض بشدة أي مسار يقود للمصالحة أو فك العزلة مع النظام السوري، لذلك فإن عودة حضورها للمشهد السياسي والعسكري قد يؤثر على اتجاهات هذا المسار، وإن كانت التوقعات تشير أصلًا إلى أن أنقرة لا تتجه إلى تطبيع للعلاقات مع دمشق، وإنما تستخدم هذا المسار بشكل تكتيكي"، ووفقًا له فإنه "يُفترض أن يكون هذا الدور ملائمًا لتركيا لأن تعدد الفاعلين في مناطق المعارضة لا يخفف العبء عنها فحسب خلال المفاوضات مع النظام وحلفائه، بل يتيح لها قدرة أكبر على المناورة وتحديد سقف واتجاه المباحثات".

بالمحصلة يبدو أن أنقرة تمضي بتقاربها مع نظام الأسد بغض النظر عن الموقف العربي، فالقضية السورية لم تعد أولوية للدول العربية، على عكس الموقف الروسي والإيراني والأمريكي الذي باتت أنقرة تحسب لهم حساب في كل تحركاتها على الأراضي السورية.