لن نخجل من الاعتذار عن تفاؤلنا السابق بقرب سقوط الانقلاب، فهناك مؤشرات كثيرة تتجمّع على أن الانقلاب يتحول إلى حكم الأجهزة، ما سيعطيه نَفَسًا أطول ممّا ظننا، وإن كان حكم الأجهزة الصلبة عاريًا من كل مواضعات السياسة وشروطها.

الاعتقالات الجارية في كل ساعة تكشف ظهر الانقلاب لكنها تعرّي زندَيه للضرب المبرح، وهذا الانقلاب الذي يتحول إلى جهاز قمع عارٍ لا يشعر بالخجل، لذلك سيواصل مدّ أنفاس المرحلة.

وما يزيده قوة أن معارضيه ماكثون بعد في مرحلة "هل نتظاهر ضده مجتمعين أم طبقًا للحوزة الأيديولوجية التي نحرص على سلامتها النظرية؟".

يوم السبت 4 مارس/ آذار ستتظاهر حوزة اليسار النقابي التي ترفض مشاركة حوزة جبهة الخلاص التي تتظاهر يوم الأحد 5 مارس/ آذار التي توجد فيها النهضة، ويوم الاثنين يخطب المنقلب ساخرًا من الجميع وناشرًا الرعب في كل الصفوف، فأجهزته مستنفرة.

الاعتقالات تكشف المعتقِل الحقيقي

طبيعة الملفات التي كشفها المحامون، بيّنت من ناحية أولى أن المعارضة لا تزال تتوخى نهجًا سلميًّا، وأن لا ميل لديها إلى العنف، وكشفت من ناحية ثانية تهافُت التُّهم الموجّهة إلى الشخصيات المعتقلة وغياب الأدلة الحاسمة، خاصة في أمر التآمر على أمن الدولة، وهي تُهم خطيرة كان بن علي مثلًا مضطرًّا لاختلاق أدلة أقوى (ولا أقول حقيقية) وسيناريوهات متماسكة على ما اصطنع من الأدلة.

لقد تبيّن أن الوشايات التي بُنيت عليها التُّهم اُستحضرت بعد الاعتقال بأيام، ما حوّل الملفات والقضايا إلى موضوع للتندُّر والسخرية السوداء. لكن هل تلقي الأجهزة بالًا للفبركة؟

الاستنفار الظاهر في المداهمات الليلية، وبدء عمل الميليشيات التابعة للأجهزة بتخريب بيوت وكشف عناوين نشطاء في السوشيال ميديا، قُصد بهما الترهيب ونشر الريبة وخلق مناخات رعب، استباقًا لمشروع تخطّط له الأجهزة نفسها.

من سوء حظ الانقلاب وأجهزته أن أكثر النشطاء المعتقلين من العارفين بالقانون، كما يوجد الآن حشد متطوع من المحامين لإسناد زملائهم المعتقلين وباقي الشخصيات السياسية، وهو ما يفقد هذه الملفات كل قدرتها على الإقناع.

ولأنها خاوية، فقد وُضع القضاة تحت التهديد المباشر بالتجويع والسحل الإعلامي (أغلب أجهزة الإعلام مخترقة من قبل الأمن)، وكثير من الإعلاميين ليسوا إلا مخبرين مدرَّبين في وكالة الاتصال الخارجي التي خدمت بن علي.

لماذا كل هذا الاستنفار العدائي للمعارضة التي لم تتشكّل بعد في جبهة فعّالة وما زالت تعيش صراعات بينية؟

الأجهزة تهرب من أخطائها وتدافع عن منافعها

قبل أن تتحول المعارضة إلى جبهة، نرى الأجهزة تسابق الزمن لحماية نفسها، فسلسلة أعمال الانقلاب منذ ليلة 25 هي مجموعة مخالفات قانونية ارتكبتها القيادات الأمنية والعسكرية، ليس أهونها تحريك الدبابات لحصار البرلمان.

وأمام احتمال سقوط الانقلاب (وقد ضَعُفَ عندي)، فإن قيادات الأجهزة ومتنفّذيها يرون المحاسبة قادمة، ولعلهم يتوقعون أن العفو النبيل الذي سيطر بعد الثورة أغفل المحاسبة وقد انتهى.

هجوم الأجهزة على المعارضة قائم على قاعدة أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، ولذلك بدأت بالصف الأول الظاهر، ونرى الآن مؤشرات استفزاز الصفوف الثانية من النشطاء وكشف مواقعهم في انتظار تأليف ملفات.

ومن المعوَّل أن يُبَث ما يكفي من الرعب لينسحب الأقل جرأة ويصمت، ويبقى فقط عدد محدود (وهو محدود فعلًا) من الرؤوس العنيدة التي يمكن الاستفراد بها، فالسجون لا تسع الجميع، والضربات الجراحية تبدو للأجهزة أقل كلفة في الشارع.

الشارع؟ أين الشارع؟ يجب أن نقرَّ الآن أن الشارع الاجتماعي حاضر بغيابه، لكننا لا نعرف على وجه الدقة ماذا كانت الأجهزة تملك عنه علمًا لا ندريه، وقد يكون هناك استباق وراء الحملة على قيادات معارضة بقصد الاستعداد لهذا الشارع، الذي لم يكشف وجهه بعد رغم المعاناة اليومية.

جزء كبير من هذا الشارع إذا نطق أفاد برفضه لهذه القيادات، لكنه من دونها يبدو كسيحًا أعمى يسهل إيقاعه في الفوضى ومحاسبته بسهولة ولن يجد له نصيرًا، بل يمكن استعمال فوضاه لمزيد تمكين الأجهزة من بقية المفاصل في النظام وقيادته بلا منازع.

خطة بسيطة: نغيّب القيادات السياسية، ننتظر الشارع أو نستفزّه فيخرج، فنقمعه فيصير دورنا محددًا في المستقبل، ونكسب.

خفض سقف التوقُّعات من المجتمع المدني التونسي

في مواجهة تنمُّر الأجهزة، هل نحمد للانقلاب دوره في ثقب البالون الزائف المسمّى بمجتمع مدني تونسي؟ وجب ذلك ويمكن أن نصوغه تحت بند الشر الذي ينتج خيرًا. هذه الكذبة انكشفت بعد أن روّجناها للعالم، فظنَّ بنا عقلًا مدنيًّا ناضجًا وحصافة بالغة وحسن تدبير للسياسة.

لدينا نقابات انقلابية شرّعت وجودها القانوني بالديمقراطية ثم انكشف موقعها وخططها، نقابات يقودها عقل استئصالي وتخدم الأجهزة رغم خطابها المعارض، هذا سرّ رفضها للنزول إلى الشارع مع بقية الطيف المعارض الذي لا يزال يتحرك.

رابطة حقوق الإنسان التي جعلها التونسيون عنوان فخرهم المدني، تخلّت عن دورها وتحوّلت إلى منظمة التعاطف مع الإنسان اليساري فقط لا غير إذا اُعتقل أو مسّه ضيم، بل إن جوهر موقفها مساندة الانقلاب، فهي على المجتمع لا معه.

نخبة الجامعة، وكما عوّدتنا، تتربّص بالمواقع التي قد يمنحها الانقلاب، وقليل منها من صدح بموقف ديمقراطي غير استئصالي، حتى نخبة المال والأعمال (مالك الدولة الحقيقي) خائفة تتربّص، رغم الضرر الفادح الذي ألحقه بها قانون المالية.

أجهزة متنمّرة ومجتمع مدني صامت أو غائب أو متواطئ، وشارع مجهول النوايا والإمكانات، والبقية الباقية من المعارضة تقسمها حسابات قصيرة الأمد.

كل عناصر الضعف مجتمعة تتحول إلى عناصر قوة للأجهزة، فإذا قُطفت رؤوس القيادة الظاهرة، فإن الأجهزة ستحكم براحتها حتى أمد غير منظور، ولا ضرر أن يبقى رأس المنقلب ظاهرًا توجّه إليه اللعنات، فيما هي تثبّت أقدامها في شرايين البلد.

نحن نشهد انتقال تونس إلى حكم الأجهزة، وهذا في ظني هو الانقلاب الحقيقي الذي كان يتهيّأ تحت أنظارنا، فيما نحن نحوّل وجه المنقلب إلى مسخرة.