قبل انسحاب الاستعمار الإسباني من الصحراء الغربية عام 1975، طالب المغرب باسترجاع الأخيرة معتبرًا إياها جزء من أراضيه اقتطعه الاستعمار الأوروبي منه، في حين أعلن سكانها الأصليون يوم 10 مايو 1973 عن تأسيس جبهة البوليساريو وهي حركة تعلن كهدف لها "الدفع نحو الانفصال عن المغرب وتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية".

منذ تلك الفترة التاريخية، شهدت منطقة المغرب العربي ضمن ما شهدته، صراعًا حول الصحراء مازال يلقي بضلاله على واقعنا المعاش اليوم، مسيرة طويلة من الشد والجذب لم تفلح في إيجاد مخرج لهذا الإشكال.

أتناول بالتحليل بعض زوايا هذا الملف انطلاقًا من دراسة موجزة لهذه المنطقة موضوع النزاع، سرد أبرز المحطات التاريخية التي مر بها هذا الملف ثم بيان مجموع المتداخلين فيه ومواقفهم منه لانتهي بتأثيره على المنطقة ومآلاته الممكنة.

في هذا الجزء الأول، سنحاول الإيجاب عن سؤال الأهمية التي تكتسيها هذه المنطقة وتعداد المهتمين المباشرين بها ومواقفهم منها، ثم سنتناول في جزء ثان أوجه الصراع التي حملها هذا الملف بين العسكري والدبلوماسي وما أفضى إليه كليهما لننتهي بدراسة المستجدات الأخيرة خاصة بعد تصريح الملك المغربي الأخيرة وما يمكن أن نفهمه منه وخاصة إن كان لهذه القضية حل ممكن في الأفق. 

الصحراء الغربية .. بين التاريخ والجغرافيا

الصحراء الغربية هي منطقة تقع شمال غرب أفريقيا  تبلغ مساحتها 284 ألف كيلومترًا ويبلغ طول شواطئها 1400 كم، تُجاورها الجزائر شرقًا، موريتانيا جنوبًا، المغرب شمالاً والمحيط الأطلسي غربًا.

تتكون جغرافيتها من منطقتين هما الساقية الحمراء في الشمال وتمتد من مدينة العيون باتجاه مدينة السمارة حتى الحدود مع الجزائر وإقليم واد الذهب جنوبًا يمتد من مدينة بوجد ور حتى الحدود الموريتانية جنوبًا.

في بنيتها المجتمعية، الصحراء الغربية تشكلها قبائل جذورها عربية وأمازيغية، لغتها الرئيسيّة العربية ولهجاتها المنطوقة هي الحسينية العربية والأمازيغيّة كما تسجل لغات المستعمر كالإسبانيّة والفرنسية حضورًا. 

رغم قساوة مناخها، تتميز الصحراء باحتوائها على توليفة ثروات طبيعية تجعلها ذات أهمية كبرى، فعلى سواحلها ثروة سمكية أطلسية هامة جدًا (مليون طن من الأسماك سنويًا كطاقة إنتاج) تنضاف إلى دورها كموانئ للتبادل التجاري وإلى ما يحتويه جوفها من غاز ونفط لايزالان في طور المنقب عنهما، كما تحتوي (الصحراء)على أكبر منجم منفرد لإنتاج الفوسفات وسباخ لإنتاج الملح ومناجم لإنتاج باقي المعادن، ناهيك عن ثروة حيوانية هامة تتوزع بين الجمال والماعز والأغنام وبعض الأبقار.

رسميًا تُعرفها الأمم المتحدة كأرض مُتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو1، يُسيطر المغرب على مُعظم مساحتها (80 بالمائة) في حين يشكل باقي المساحة منطقة عازلة بين المغرب وموريتانيا وهو جزء شبه مهجور ضعيف التواجد السكاني.

على مر التاريخ الحديث، كانت الصحراء محور صراع دائم إذ شهدت في مرحلة أولى حروب مقاومة الاستعمارين الإسباني والفرنسي، ثم انتقلت في مرحلة ثانية إلى صراع مع الجارة المغرب حول مسألة الانفصال.

أقطاب النزاع الصحراوي

كعادة أغلب دول الاستعمار، حاولت إسبانيا إثر خروجها أن تحافظ على التنازع والتصارع بين دول المنطقة حتى تبقى مُؤثرة من الخارج ونجحت في أن تحول عنوان المشهد الصحراوي من تصفية للاستعمار إلى صراع محتدم بين دول الإقليم.

فالمغرب الذي صرح وما يزال يصرح بأن الحدود التي ورثها عن الاستعمار هي حدود تآمرية على أرض المملكة المغربية ما قبل الاستعمار (تم اقتطاع تيندوف للجزائر وكل أراضي موريتانيا)، لا يمكن أن يفرط في هذا الإقليم الذي سيضيف لشريطه الساحلي 600 كم من الامتداد المشرف واحد من أكثر السواحل إنتاجية للأسماك والذي سيمكنه من احتلال المرتبة الأولى عالميًا لإنتاج الفوسفات وخاصة الذي سيمكنه من الاستحوذ على منطقة هامة وإستراتيجية لأمن أوروبا؛ ما يُوسع له أفق المناورة.

في حين تعتبر جبهة البوليساريو أن الصحراء ليست أرضا بلا مالك كما صرحت إسبانيا أيام الاحتلال، بل هي منطقة لها هيكل يمثّلها (الجبهة) ولها موروث جمعي ثقافي وهووي لا يرتضي التبعية لأي كان، وسارع منذ أيام الاستقلال الأولى إلى إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ومستعد لمواصلة الكفاح المسلح الذي واجه به الاستعمار الأوروبي ضد ما يعتبره استعمارًا مغربيًا دون وجه حق وما يعتبره أيضا تعديًا على إرادة الصحراويين.

من جهة أخرى، لطالما اعتبرت الجزائر ودبلوماسيتها أن المملكة المغربية ذات أطماع توسعية ومُنافسًا جديًا لها في سباق زعامة منطقة شمال أفريقيا؛ وهو ما دفعها في هذا الملف إلى دعم انفصال الصحراء الغربية حتى لا يتعزز حضور وامتداد الجارة الغربية على حسابها علمًا وأنّ الدولتين (المغرب والجزائر) سبق وأن تحاربتا ضمن حرب الرمال سنة واحدة بعد الاستقلال وكانت الحرب حول السيادة في منطقة تيندوف.

أمّا موريتانيا، فقط طالبت في مرحلة أولى تمكينها من نصيبها من الصحراء بهدف توحيد المجموعة البيظانية ثم تراجعت عن هذه المطالبة لتترك ملف الصحراء بين فاعلين أساسيين: البوليساريو مدعومة من الجزائر في مقابل المغرب الغاضب.

ملف الصحراء ملف تجاوز الصحراء في ذاتها ليشمل الجيران، تجاوز مفهوم بالنظر لوزنها الإستراتيجي والاقتصادي، تجاوز أفرز صراعًا دمويًا في مرحلة أولى ثم صراعًا دبلوماسيًا في أروقة الأمم المتحدة والمحكمة الدولية ...  تفاصيل الصراعين ومآلاتهما ومستجدات الملف سيكون موضوع الجزء الثاني من المقال.