ترجمة وتحرير نون بوست

الإيطاليون أثرياء، ويحبون التوفير، على عكس دولتهم الفقيرة والمبذرة والعاجزة.

على مدى الأعوام الثلاثين المنصرمة، شهدت بنفسي محاولات الإفلات من الإصلاح والتحديث، والتي وصلت لذروتها في عصر العربدة أثناء حكم برلسكوني. لذلك، كان مفاجئًا لي أن أجد رئيس الوزراء ماتيو رنزي يهرول لمقابلتي منذ أيام وهو يرتدي الجينز وقميصًا أبيضًا، على عكس سابقيه الذين تبعتهم حاشيتهم الضخمة. كان تلك إشارة للتغيير الذي يمثله رنزي في الحياة السياسية الإيطالية وهو عُمدة فلورنسا السابق، وللهدف الذي يطمح له: بلدًا ذكيًا — على حد قوله — يتوقف عن التباكي على حاله.

لم يكمل رنزي بعد عامه الأول في منصبه، وهو يبلغ من العمر 39 عامًا فقط: شيئ خياليّ بالنظر للـ”شيوخ” الذين سبقوه، وتعج بهم الحياة السياسية في إيطاليا. قال لي رنزي أنه يفضّل أن يسير الجيل الجديد في السياسة على النموذج الأمريكي، ويختار بين قطبين رئيسيَّين، “لا أعطي نفسي في الحُكم أكثر من ثماني سنوات إذا ما فزت في الانتخابات المقبلة. بعد ذلك سأترك السياسة.”

رنزي دومًا في عجلة من أمره نظرًا للأجندة الطويلة التي تنتظره: إصلاح دستوري، إصلاح انتخابي، بيع فيضان من السيارات الرسمية على موقع إي باي، الدفع بالنساء إلى الأمام (نصف الوزارة منهن)، خطط لخفض عدد أعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ (وهم حوالي ألف الآن)، والذين يحدثني عنهم ضاحكًا، “في أمريكا لديكم فقط 535 ممثلًا، يبدو أن بلدكم أصغر وأقل أهمية من بلدنا!” الرسالة واضحة بالطبع.

البلد الذكي

ممسكًا بهاتفه الذكي، يقول رنزي أنه يريد أن تصبح البيروقراطية الإيطالية الأخطبوطية كلها على تطبيق على أجهزة المحمول، هذا هو مستقبل الإدارة كما يقول.

باعتباره سياسي أوربي في زمن أصبحت فيه السياسة الوطنية في أوربا مجرد ظلال تجاوزتها الحركة المالية والاقتصادية الأوربية العابرة للحدود، بل وأصبحت فيه السياسة في العالم كله تسير على ذات المنوال جراء العولمة المتزايدة، قام رنزي هذا الشهر بتمرير واحد من أهم إصلاحاته الاقتصادية، وهو تشريع “جوبز آكت” Jobs Act، الذي ييسّر على الشركات التي توظف أكثر من 15 موظفًا أن ترفد موظفيها، ويربط بين حماية الموظفين وطول خدمتهم. تعتبر تلك خطوة راديكالية بالنظر لثقافة العمل الإيطالية الراكدة، والتي يعني فيها التوظيف البقاء في المنظومة للأبد، أو سيستِماتو كما يقول الإيطاليون.

سألت رنزي لماذا سمى التشريع الجديد بالإنجليزية، فرد ببساطة، “لأنني معجب بما فعله أوباما. ما يثير الإعجاب في تجربة أوباما هو الصعيد المحلي، حيث تولى إدارة اقتصاد مأزوم عام 2009، ثم أعاد النمو له وخلق الوظائف، وقام باختصار بكل ما فشلت فيه أوربا.”

يبدو هذا الكلام جيدًا، ولكن الاقتصاد الأمريكي بطبيعته مرتكز للنمو والعمالة والابتكار على عكس نظيره الإيطالي الذي يتسم بالعجز، والذي يُثقله الدين المحلي والركود والبطالة البالغة 13٪. حين وصلت إلى إيطاليا، وجدت وسط البلد في روما مُغلقًا بالاحتجاجات ضد تشريع “جوبز آكت”، وهو ما يعني أن رنزي سيضطر لخوض معركة شديدة ليقنع الإيطاليين بتغيير ما اعتادوا عليه.

للأسف، تُعَد المساحات محدودة أمام رنزي في معركته تلك، إذ تحذر المفوضية الأوربية إيطاليا من أن تجد نفسها مخالفة لميثاق استقرار ونمو الاتحاد الأوربي، كما قالت المستشارة الألمانية أنغلا مِركل، والتي اعتبرت أي مخالفة للميثاق سيئة لأوربا كلها، مما يعني أن هناك قيودًا صارمة على عجز الموازنة والتدابير اللازمة لخفض الديون.
هذا الخطاب يُنهِك رنزي كثيرًا لأنه يعتقد أنه يجعل النمو مستحيلًا، وفي خضم قارة استشرت فيها الأحزاب المتطرفة والشوفينية واليمينية مؤخرًا كرد فعل غاضب للأزمة الاقتصادية والركود، يمثل الحزب الديمقراطي الذي يقوده رنزي استثناءً، إذ نجح كحزب يسار الوسط في الوصول للقمة في بلد أوربي كبير، رُغم أن عمره سبعة أعوام فقط.

بين رنزي ومركل

هذا النجاح ربما هو ما يجعل رنزي ثاني أهم سياسي في أوربا بعد المستشارة الألمانية مركل: اللعبة إذن هي رنزي عدو التقشف في مواجهة مركل راعية التقشف. رنزي هو الصوت الوحيد المواجه لألمانيا الآن، خاصة وأن بريطانيا المعترضة على التقشف أيضًا تخوض نقاشات حول الخروج من الاتحاد الأوربي برمته، بينما تدور فرنسا في فلك قيادة أولاند الهشة.

“الكثيرون هنا يتهمون مركل بالمسؤولية عن أزمة اليورو، ولكن الخطأ ليس خطأها بل خطأنا نحن. فنحن من أوصلنا أنفسنا إلى هذه النقطة. لو كنا قد أصلحنا منظومة العمل منذ عشر سنوات مثلما فعلت ألمانيا لكنا اليوم أفضل حالًا بكثير.” هكذا يقول رنزي، موجهًا حديثه ضمنيًا لمركل، مضيفًا بأن أوربا اليوم أسيرة ديكتاتورية البيروقراطيين الأوربيين في بروكسل، والتكنوقراط المتعجرفين غير المتقبلين لمرونة عالم السياسة.

يقول رنزي بوضوح أن النموذج الاقتصادي الأوربي خاطئ، “لا يمكننا التفكير فقط استنادًا إلى التشقف والصرامة. في هذه المرحلة من الانمكاش والركود لا يجب علينا أن نركن لهذا المنطق. نعم، يجب علينا أن نراقب حساباتنا وننفق أموالنا بشكل جيد كما تقول ألمانيا القلقة من عدم كفاءة إنفاق دول جنوب أوربا. هذا صحيح. ولكن النقطة الأهم هي أنه يجب علينا مواجهة مشاكلنا بشكل مباشر، وينبغي تغيير اقتصاديات أوربا لتكون منحازة للإستثمار في النمو.”

كان سؤالي لرنزي هو كيفية تحقيق ذلك، وقد أجاب بأن الحل هو أن يكون الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية — المجالات الرقمية والتعليم والبحوث والطاقة — خارج حسابات ميثاق الاستقرار، والذي يعتبره رنزي أداة للصلابة والتقشف. “كيف يمكن أن أحارب البطالة والجريمة في صقلية مثلًا بينما تعرقل جهودي بنود ميثاق الاستقرار فيما يخص العجز والديون؟”

السوق الأوربية، التي تُعَد إيطاليا ثالث أكبر اقتصاد فيها، هي كيان يصعب ترويضه، وهو مكبَّل بالعملة الموحدة من ناحية، وتقسمه السياسات المالية والثقافة من ناحية، هذا بينما يزداد الغضب حيال الركود في شتى أنحاء القارة.

رنزي على حق بالفعل: يجب أن يقدم أحدهم شيئًا لأوربا وشبابها العاطل. في الماضي خالفت ألمانيا ميثاق الاستقرار في أوقات الحاجة، والآن هو الوقت لكي ترد ذلك الجميل.
بيد أنه يجب على رنزي أن يعمل بجد إذا ما نجح في الحصول على ما أراد من مرونة فيما يخص الميزانية، لا سيما والفساد ينخر في إيطاليا كالسوس، وهو أمر يعلمه جيدًا، “يجب علي أولًا أن أنجح في إصلاح الوضع في بلادي، وإلا فقدت مصداقيتي.”

***

عقدة السياسة الإيطالية قد انفكت على ما يبدو، وهو ما يشي بتحوّل لا يمكن العدول عنه. كما يقول رنزي، إيطاليا هي الجميلة النائمة التي يمكن إيقاظها من سباتها. ستكون بالقطع رحلة صعبة في هذا البلد الذي شهد صعود وسقوط القوى المختلفة على مدار تاريخه، وعرف مرارة الطموح، وبالتالي يميل دومًا للشك فيما يخص التغيير.

المصدر: نيويورك تايمز