اندلعت احتجاجات في العاصمة البحرينية (المنامة) عقب إعلان جمعية الوفاق المعارضة الشيعية في بيان لها عن اعتقال زعيمها "علي سلمان" بعد استدعائه للتحقيق من قِبل الأمن على خلفية اتهامات وُجهت له "بالتحريض على نظام الحكم والدعوة لإسقاطه بالقوة".

الجدير بالذكر أن الجمعية التي يترأسها سلمان "جمعية الوفاق" محظورة قانونيًا في البحرين، فقد حظرتها الحكومة البحرينية وأوقفت نشاطها بدعوى مخالفتها قانون الجمعيات في البلاد.

هذا وقد قامت وزارة الداخلية البحرينية تعقيبًا على استدعاء سلمان بنشر تويتة على صفحتها الرسمية بموقع تويتر تؤكد "أن استدعاءه جاء للتحقيق معه فيما نُسب إليه من مخالفات لأحكام القانون والقيام بممارسات آثمة وفقًا للقوانين".

وعلى خلفية هذا الخبر اندلعت اشتباكات أمام وزارة الداخلية البحرينية بين قوات الأمن ومتظاهرين موالين لجمعية الوفاق احتجاجًا على اعتقال زعيمها "علي سلمان"، أدت هذه الاشتباكات إلى اشتعال النيران أمام مبنى الوزارة بعد هجوم مجموعة من الشباب عليها.

https://twitter.com/a_m_alkalifa/status/548927067643846656

كذلك تجمع المتظاهرون أمام منزل الأمين العام للحركة فور سماع نبأ اعتقاله حاملين صورته ومطالبين بالإفراج الفوري عنه، سلمان الذي اُنتخب لقيادة الحركة في ولاية جديدة منذ بضعة أيام، يقود حراكًا داخليًا معارضًا للحكومة البحرينية وهذه ليست المرة الأولى التي تعتقله فيها السلطات البحرينية.

يُذكر أن حركة الوفاق قد قاطعت الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البحرين، واصفة إياها بالمهزلة في ظل التمييز الطائفي الذي يمارسه النظام الحاكم تجاه مطالب المواطنين الشيعة في البلاد، كذلك تتبنى الحركة مطالب تتمثل في الملكية الدستورية وانتخاب رئيس وزراء مستقل بعيد عن الأسرة الحاكمة "آل خليفة".

الاحتجاجات في البحرين تندلع من حين لآخر اعتراضًا على الحكومة السنية المُسيطرة على مُجريات الأمور في البلاد بدعم خليجي، في ظل تهميش للشيعة من وجهة نظرهم؛ مما أدى إلى وجود احتقان في الشارع البحريني وانسداد الأفق السياسي بين المعارضة ذات الأغلبية الشيعية والأسرة الحاكمة السنية في البلاد.

فقد شهدت مملكة البحرين أحداث عنف عام 2011 أثناء اندلاع الثورات العربية في تظاهرات قادتها المعارضة الشيعية لعدة أيام اضطرت الحكومة البحرينية للاشتباك معها ومع تصاعد وتيرة الأحداث وعدم مقدرة النظام في التحكم بمجريات الأمور في هذه الفترة؛ تم استدعاء "قوات درع الخليج" لقمع التظاهرات في البلاد؛ مما أدى إلى وقوع أكثر من 89 قتيلاً بين صفوف المتظاهرين واعتقال المئات وتقديمهم للمحاكمة.

وفي أول رد فعلي خارجي على اعتقال علي سلمان، نقلت وكالة الأنباء الرسمية "إرنا" عن الدائرة العامة للدبلوماسية الإعلامية بالخارجية الإعلامية تصريحًا للمتحدثة باسم الخارجية الإيرانية "مرضية أفخم" تعبر فيه عن قلقها من تصعيد السلطات البحرينية تجاه المعارضين، مؤكدة أن مثل هذه التصرفات تزيد من تعقيد الظروف بالبلاد.

إيران التي لطالما اتهمتها البحرين بالتدخل في شئونها الداخلية، حيث يُروج النظام البحريني أن الحراك الشيعي في البحرين مدعوم إيرانيًا بالأساس لذلك فالعلاقة بين البلدين دائمًا في توتر.

البحرين الجزيرة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها المليون وربع نصفهم من الأجانب، بها تنوع طائفي أثر على طبيعة الحكم بها، حيث يرى الشيعة أنهم الأغلبية في ظل حكم سني مطلق.

المعارضة في البحرين بها شق يتبنى مطالب أكثر ثورية من غيره وهي  معارضة شيعية بالأساس للنظام ترى أن الدستور غير شرعي وتطالب بإسقاطه هو والبرلمان المُنتخب على أساسه وتلك هي المطالبات التي رفعها المتظاهرون في عام 2011، وفصيل آخر يطالب بالإصلاح الداخلي تحت اسم تيار "الفاتح" ويضم الإخوان المسلمين والسلفيين وبعض القوى الوطنية الليبرالية والتي بدأت في تقديم أطروحات غير تصادمية بالدعوة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين لكن الأمر غير ذي جدوى حتى الآن، فمحاولات النظام مستمرة لاحتواء الأزمة لكن بغير خطوات جادة في ظل تصعيد المعارضة الدائم والذي يواجه بقمع من قوات الأمن البحرينية .

وما يؤكد ذلك هو فشل أربعة حوارات وطنية أقامها الملك بحضور جميع الأطياف السياسية في البلاد كان أولها في 18 فبراير 2011 للحديث عن انتخاب الحكومة من البرلمان واستقلال القضاء، لكن الأمر لم ينتهه باتفاق بعد وضع اشتراطات من حركة الوفاق.

جاء الحوار الثاني بمناقشة محاور عدة اقتصادية وسياسية واجتماعية وخرج عنه أكثر من 200 توصية رُفعت للملك لكنها لم تعد كونها توصيات وانسحبت على إثرها الوفاق، مصرحة بأن كل ما يصدر عن هذا الحوار غير ملزم.

وتجددت محاولة الحكومة في محاولات احتواء الوضع الذي يتجه للانفجار فأقامت حوارًا وطنيًا ثالثًا في فبراير 2013، ولكن تعنت الأطراف المشاركة تجاه بعضها البعض أدى إلى فشله هو الآخر.

وكانت آخر المحاولات في مطلع هذا العام المنصرم بعقد عدة حوارات منفصلة بين الحكومة والمعارضة وطُلب من كل طرف تقديم رؤيته الخاصة وتم بالفعل لكن لم تنفذ من مخرجاته شيء.

الأمر في البحرين يذهب إلى التعقيد مع تمسك كل طرف بموقفه دون تراجع، فقد حمّل محللون الطرفين مسئولية فشل كل هذه الفرص للحل والتي أدت إلى انقسام مجتمعي، بينما ذهب البعض في أمر فشل الحوار السياسي إلى أن المعارضة تحمل أجندة خارجية، والحكومة لا يمكن أن تصل لاتفاق مع المعارضة بسبب الضغوطات الخليجية التي تحذر من التقارب مع الأذرع الشيعية الإيرانية في المنطقة والتي تعتبرالحكومة البحرينية حركة الوفاق الشيعية واحدة منها.

فالقضية السياسية في البحرين تقضي يومًا بعد يوم على آمال الحل التشاركي، وتكرس من الطائفية بسبب الانقسام الديموجرافي حيث الأغلبية الشيعية التي تحكمها أقلية سنية، في ظل عدم جدية الحكومة في إجراء إصلاحات في بنية النظام كما يعد الملك دائمًا.

كما يجب النظر إلى أن البحرين دولة ذات طبيعة خاصة فمواردها الاقتصادية محدودة وتعتمد في المقام الأول على دعم خليجي واسع في ظل التجاذب الواضح بين السعودية وطهران، حيث تعتبر السعودية البحرين منطقة نفوذ لها، بينما تعتبرها طهران محافظة إيرانية تابعة لها، فإذا أردات الحكومة حلاً عليها أن تتخلص من هذه القيود الإقليمية.

وعلى المعارضة في نفس الوقت مد جسور ثقة بينها وبين الحكومة لتجاوز الأزمة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، فالأخبار تتوالى من البحرين دائمًا عن اشتعال الوضع ثم ما يلبث أن يركن الجو العام للهدوء ثم الاشتعال مرة أخرى بعد فترة، ففي ظل هذه التوترات ستظل الأزمة مشتعلة دون حل حقيقي وجذري؛ ما سيعمل على تفتيت النسيج المجتمعي البحريني وينذر بحرب أهلية داخلية؛ فعلى الجميع الوصول لصيغة حكم تشاركية جدية قُبيل انفجار الأوضاع إلى حيث اللاعودة.