بينما يتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني، وتعاني أوربا من أزمة اليورو، وتشهد اليابان وروسيا ركودًا اقتصاديًا، يبدو أن البلد الوحيد الذي سيشهد نموًا جيدًا هذا العام هو الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ذلك، يتطلع الكثيرون إلى نمو الاقتصاد الهندي بشكل أفضل مما كان عليه الحال أثناء العقد السابق بعد إصلاحات رئيس الوزراء الجديد نارِندرا مودي.

الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى
بعد ست سنوات من أزمتها المالية، ستشهد الولايات المتحدة نموًا هو الأعلى منذ عشر سنوات، حيث نمت بالفعل في الرُبع الثالث من 2013 بنسبة 5٪. بطبيعة الحال، ساهم بقوة هبوط أسعار النفط في تحسّن حال الاقتصاد الأمريكي، وكذلك نمو الوظائف وارتفاع الاستثمار في البناء والتكنولوجيا.

تحسن اقتصاد الولايات المتحدة يعني نظريًا تحسّنًا عامًا في أداء الاقتصاد العالمي، نظرًا لأهمية الولايات المتحدة فيه، بيد أنه في نفس الوقت سيؤدي إلى رفع نسبة الفوائد في الولايات المتحدة وجلب المزيد من الاستثمارات إليها، وتباعًا ارتفاع قيمة الدولار بما يؤدي إلى هبوط العملات الأخرى. البلدان التي اقترضت بالدولار تحديدًا ستعاني من عدم القدرة على دفع ديونها نظرًا لارتفاع قيمتها مقابل عملتها المحلية.

من ناحية أخرى، وفيما يُعَد واحدة من أبرز أسباب هبوط أسعار النفط، تشهد الاقتصادات الصاعدة معدلات نمو هي الأبطأ منذ سنوات، بما في ذلك الصين والهند والبرازيل وروسيا، وهو نمط سيستمر خلال 2015. الصين تحديدًا من المتوقع أن تنمو بنسبة 6.5٪، بعد أن كانت تنمو بما لا يقل عن 10٪ لعقود.

ستعكس تلك الأحداث واحدة من أبرز سمات الاقتصاد الأمريكي، وهي أنه معزول نسبيًا عن تقلبات الاقتصادات الكبرى الأخرى، ولأسباب عديدة، أهمها أن الصادرات تمثل 14٪ فقط من الدخل الأمريكي، وهي النسبة الأقل بين الدول النامية. على العكس منها تقع دول مثل ألمانيا والصين واليابان التي تعتمد بقوة على التصدير لبعضها البعض ولغيرها.

الخبر السعيد الوحيد للاقتصادات الأوربية واليابانية والصينية قد يكون تراجع أسعار النفط، نظرًا لاستهلاكها العالي. بالنسبة للهند، ستستفيد البلاد من تراجع أسعار النفط، وكذلك من إصلاحات مودي التي فتحت أبواب الاستثمارات في البنية التحتية، وخفض البنك المركزي لنسبة الفوائد، مما سيرفع النمو إلى نحو 6.6٪ إلى 7٪.

أزمة النفط، بين روسيا والشرق الأوسط
تُعَد أزمة النفط الحدث الاقتصادي الأبرز في 2014، ومن المتوقع أن تستمر تداعياتها خلال العام المقبل، وكانت الأزمة التي سببتها بالأساس ثورة غاز شيل في الولايات المتحدة، التي تدفع البلاد نحو تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، وتباطؤ نمو القوى الآسيوية الأساسية لسوق النفط.

بعيدًا عن نظريات المؤامرة وصحتها من عدمها، ستشكل الأزمة ضغطًا بشكل عام على اقتصادات الدول المصدرة للنفط، وهو ضغط لن تستطيع مواجهته إلا الدول التي تملك احتياطي نقدي كافي، كما الحال في الخليج ولكن ليس لفترة طويلة. من ناحيتها، ستكون إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني تحت ضغط شديد نظرًا صعوبة تحقيق الكثير من الوعود الاقتصادية التي استندت للانفتاح الجزئي في التجارة مع الغرب وافترضت استقرار سوق النفط والغاز، وهو ما يعني ربما ضعف الموقف الإيراني أثناء التوصل لاتفاق نهائي بخصوص البرنامج النووي.

الضحية الأبرز لأزمة النفط حتى الآن هي روسيا كما هو واضح من سقوط عملتها، وعدم قدرتها على مواكبة التحولات باستخدام الاحتياطي الموجود لديها، لا سيما وأن الأزمة أتت مباشرة بعد العقوبات الاقتصادية الغربية التي طُبِّقَت على موسكو إبان الأزمة الأوكرانية. كلما طالت الأزمة، كلما شكلت ضغوطًا على بوتين من دوائر السلطة الروسية ذات المصالح الاقتصادية، لا سيما لتخفيف العقوبات بتبني مواقف أكثر اعتدالًا في أوكرانيا، وربما حيال سوريا أيضًا.

ستكون استفادة تركيا من أزمة النفط والعقوبات الاقتصادية على روسيا مضاعفة، حيث يمثل سقوط أسعار النفط، كما هو في شتى الدول المستوردة للنفط، دفعة اقتصادية، بينما تفتح العقوبات، والتي لم تلتزم بها تركيا، السوق الروسي أمام الصادرات التركية، إذ تعاني الطبقات الوسطى الروسية من غياب الكثير من السلع الغربية منذ تطبيق العقوبات، وهي سلع ستكون تركيا هي البديل الوحيد الجيد لها، بالنظر لجودة بضائعها مقارنة بدول أخرى في المنطقة، أو بالصين.

أزمة اليورو
من المتوقع أن تستمر أزمة اليورو خلال 2015، لا سيما واليونان قد تكون على أعتاب انتخابات تجلب على أقل تقدير حزب سريزا المعادي لسياسات التقشف الألمانية، وربما ائتلاف يضم أحزاب أكثر تطرفًا تدفع بالبلاد خارج اليورو.

من ناحيتهما، لا تزال إيطاليا وأسبانيا تعانيان من الركود الاقتصادي، ورُغم أن حكومة ماتيو رِنزي الإيطالية قد بدأت حزمة من الإصلاحات لإنعاش الاقتصاد، إلا أن المعارضة الشديدة لسياساته تحاول اشتغلال التيارات الأكثر تطرفًا تجاه اليورو، حيث ذكر برسلكوني مؤخرًا، على سبيل المثال، ضرورة وجود عملة يورو موازية.

يقول الكثير من الاقتصاديين الفرنسيين الشيء نفسه عن اقتصادهم، إذ يعتبر بعضهم أن اليورو كعملة قوية لا يساعدهم في أزمتهم الاقتصادية، وهو ما تقوله بوضوح زعيمة المعارضة اليمينية مارين لو بِن، رئيسة حزب الجبهة القومية، والتي تزداد شعبيتها، وتطالب بخروج بلادها من الاتحاد الأوربي برمته. بعلو صوت هذه التيارات قد ترضخ ألمانيا، ولو جزئيًا، لمطالب تلك البلدان، بيد أن ذلك سيؤثر بالتأكيد على اقتصادها. إلى أي درجة يمكن لألمانيا أن تثبت مرونها دون تعريض اقتصادها، وشعبية اليورو بين الألمان، للخطر؟ هذا ما ستكشف عنه سياسات البنك المركزي الأوربي خلال 2015، والذي  قد يستغل هبوط أسعار النفط قدر الإمكان، قبل أن يعود سعر البرميل إلى الارتفاع، ويضخ المزيد من الأموال في خطته لإنعاش الاقتصادات الأوربية، لا سيما في جنوب آوربا.