تعتمد أغلب دول العالم –ومن ضمنها الدول العربية- على الوقود التقليدي الذي يتم استخراجه من باطن الأرض لتلبية احتياجات الطاقة لديها، وذلك على الرغم من أن مخاطر النفط التقليدي أصبحت معروفة على نطاق عالمي، ومنها أن العالم قد يصل في يوم من الأيام إلى ذروة النفط (لأن النفط يعتبر مورداً غير متجدداً، وذو إمدادات محدودة) فضلاً عن أن الكمية الضخمة التي يتم استخراجها يومياً لتأمين حاجة الناس من الوقود، تساهم في تغيير المناخ وتلوث الهواء، لذا فإننا نحتاج اليوم -خاصة في بلدان العالم العربي التي تعتمد على الوقود الأحفوري بشكل كامل كمورد للطاقة- للتحول لاستخدام الطاقة الطبيعية والمتجددة بشكل أكبر واعتمادها بدلاً من النفط التقليدي.

تُعرَف الطاقة المتجددة أو النظيفة بأنها الطاقة التي يتم توليدها من مصدر طبيعي غير تقليدي مستمر ولا ينضب، حيث يتم تحويلها من طاقة طبيعية إلى طاقة أخرى يمكن استخدامها في أي مجال تقني، وتنتج الطّاقة المتجددة من الرياح أو المياه أو الشمس, كما يمكن إنتاجها من حركة الأمواج والمد والجزر أو من طاقة الأرض الحرارية.

إن التحوّل إلى الطاقة النظيفة في البلدان العربية، له العديد من الفوائد التي تعود على البيئة والمجتمع ككل، كون الطاقة المتجددة مصدر محلي لا ينتقل ولا ينضب ويتلاءم مع واقع تنمية المناطق النائية والريفية واحتياجاتها، كما أن هذه الطاقة نظيفة ولا تلوث البيئة ولا تحدث أي ضوضاء، كما أنها تستخدم تقنيات غير معقدة ويمكن تصنيعها محلياً في جميع الدول النامية.

أما اقتصادياً، فإن الانتقال للطاقة النظيفة يحقق للدول العربية عائدات اقتصادية كبيرة، كونه بمجرد بناء محطات الطاقة المتجددة، فإن توليد الطاقة لا يكلف شيئاً، وهذا ما يضمن استمرار توافر الطاقة بسعر مناسب ومنتظم، وعلى عكس ما يعتقده أغلب الأشخاص، فإن الانتقال إلى الطاقة المتجددة يساعد على دعم قطاع العمل في العالم العربي الذي تعاني معظم بلدانه من مستويات عالية من البطالة، وسيقوم برفد قطاع العمل بالمزيد من الوظائف، كما أن هذا الانتقال سيوفّر وظائفاً مناسبة للعمال الأقل حظاً من التعليم، وهو ما قد يشكّل دفعاً اقتصادياً مهماً في أغلب بلدان العالم العالم العربي، التي تعاني أيضاً من مستويات عالية من الأميّة، ويشير تقرير جديد صادر عن كندا -وهي إحدى أهم البلدان التي تمتلك النفط الرملي- بأن الانتقال من استخدام الوقود الأحفوري المستخرج من النفط الرملي إلى الطاقة المتجددة، عمل على زيادة فرص العمل في قطاع الطاقة النظيفة بنسبة 37%.

إن نظرة سريعة للواقع الاقتصادي في العالم العربي كافية للقول بأنه لا يوجد حالياً أية استثمارات حقيقية وكبيرة في مجال الطاقة، كون أغلب استثمارات الأموال في البلدان العربية تتجه نحو أسواق العقارات، لذا فإن الانتقال إلى الطاقة النظيفة سيساعد على إنعاش السوق الاقتصادي في بلدان العالم العربي، كون مجال الطاقة المتجددة هو مجال جديد نسبياً في السوق الاقتصادية العربية، وهذا سيثير شهوة كبار المستثمرين، الذي سيعملون على ضخ استثمارات كبيرة ضمن هذا السوق الواعد، وهذا سيساعد على دفع العجلة الاقتصادية في البلاد، بالإضافة إلى زيادة القدرة التوليدية للطاقة النظيفة خلال فترة صغيرة، تماماً كما حدث في كندا التي نمت قدرتها على توليد الطاقة النظيفة خلال السنوات الخمس الماضية بنسبة 93%، نتيجة لضخ المستثمرين مبلغ لا يقل عن 250 مليار دولار للاستثمار بالطاقة الخضراء في هذه الفترة.

إن انتقال دول العالم الغربي من استخدام الوقود الأحفوري إلى الاعتماد على الطاقة المتجددة، جاء من خلال صراعات كبيرة ما بين الحكومات ومستثمري النفط من جهة، وبين جماعات المجتمع المدني وأنصار البيئة من جهة ثانية، لذا يعتقد بعض المحللين، بأن الانتقال نحو الطاقة المتجددة لن يحصل من خلال جهد حكومي عربي منفرد، كون أغلب الحكومات العربية –خاصة الخليجية- تعتمد على النفط كمورد أساسي للدخل القومي، لذا فإن الانتقال لاستعمال الطاقة النظيفة مرتبط بالوعي الفكري الذي يجب أن يتخمر لدى مؤسسات المجتمع المدني وأنصار البيئة، والذين سيشكلون عامل ضغط على الحكومات للتحول عن الوقود الأحفوري الذي يساهم بشكل كبير في انبعاثات غازات الدفيئة العالمية.

إن الدعم الحكومي الهادف للتحول إلى الطاقة النظيفة يجب أن يمر بعدة مراحل تتضمن الترويج لهذا الانتقال لدى العامة، فمثلاً صدر في ولاية (British Columbia) الكندية قانون يلزم المرافق العامة والخاصة لتلبية 93% من احتياجات الطاقة لديها من مصادر الطاقة المتجددة، وبهدف تخفيض استهلاك الوقود الأحفوري أصدرت ذات الولاية خصماً مؤقتاً للمواطنين الذين اشتروا سيارات تعمل بالطاقة النظيفة أو تصدر انبعاثات منخفضة من الكربون، كما أصدرت قانوناً يفرض ضريبة كربون على المنشآت الاقتصادية التي تعمل بالوقود الأحفوري، ويمكن للبلدان العربية الاستفادة من تجارب الدول الغربية في هذا المجال، والإضافة عليها لجعلها أكثر إغراءاً للمستثمرين، خاصة في المراحل الأولى، فقد تتضمن طرق الدعم شمل الفعاليات الاقتصادية التي تعتمد على الطاقة النظيفة بتخفيضات أو اعفاءات ضريبية، أو إعفاء المستثمرين في مجال توليد الطاقة النظيفة من ضريبة الأرباح الحقيقية لمدة معينة، أو بيع المعدات اللازمة لصناعات الطاقة النظيفة بأسعار التكلفة، أو تيسير منح القروض لمشاريع الطاقة النظيفة بفوائد منخفضة، كما تجدر الإشارة إلى أن التحول إلى الطاقة النظيفة يمكن أن يشمل بعض الجهود الفردية التي يمكن للأفراد أو الشركات تطبيقها على المستوى الشخصي، حيث يمكن للشركات أو الأفراد تخفيض الانبعاثات الكربونية عن طريق استعمال التكنولوجيات الأكثر كفاءة في توفير الطاقة، مثل استخدام السيارات الكهربائية .

أخيراً، فإن عملية التحول بالاقتصاد العربي من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً أصبح حاجة ملحة، فبغض النظر عن مضار الوقود الأحفوري على البيئة، ومساهمته في الاحتباس الحراري، فإن أغلب البلدان الغربية تتجه حالياً نحو استخدام الطاقة النظيفة، وهذا ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى توقف العجلة الاقتصادية العربية النفطية، مما يضعنا أمام احتمالات صعبة في حال عدم اتخاذ الاجراءات الملائمة لملاقاة هذا القدر المحتوم.

المصدر: thinkprogress.com