دقيقة صمت في كل باريس، واجتماع بين الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند وسلفه وزعيم المعارضة نيكولا ساركوزي لمناقشة تداعيات الحدث، ووقفات في جميع أنحاء أوروبا دعما للضحايا، وحوادث إطلاق نار على مساجد في فرنسا على مدار الليلة.
 
العملية المعقدة التي نُفذت أمس الأربعاء في باريس  تأتي في وقت شديد الخطورة على القارة التي تغلي بدعوات مضادة للهجرة ورافضة للمهاجرين ، وتغذي اليمين الأوروبي المتطرف مثل الجبهة الوطنية الفرنسية، هذا ما قالته صحيفة نيويورك تايمز في تعليقها على مقتل 12 شخصا في هجوم مسلح على صحيفة فرنسية اشتُهرت بكاريكاتيراتها المعادية للإسلام.

ونقلت الصحيفة عن بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف في كينجز كوليدج في لندن إن “هذه لحظة خطيرة بالنسبة للمجتمعات الأوروبية”. ومع تزايد التطرف بين مؤيدي التنظيمات الجهادية ومع الشعور المتزايد بالظلم والحرمان من قبل الطبقة العاملة من البيض في أوروبا، فإن الأمور تتجه نحو الأسوأ.

أوليفييه روا، أحد أشهر الباحثين الفرنسيين المختصين بالشأن الإسلامي وصف الهجوم بأنه الأكثر فتكا منذ نهاية الاحتلال الفرنسي للجزائر في أوائل الستينات، مؤكدا أن الهجوم “نقطة تحول كمية ونوعية”، مشيرا بذلك إلى الهدف وإلى عدد الضحايا.

لقد أراد المهاجمون صدمة الجمهور الفرنسي، وقد نجحوا في ذلك.

المواقف المعادية للمهاجرين أخذت في الارتفاع في السنوات الأخيرة في أوروبا، وقد رفع الاستياء المتزايد حظوظ الأحزاب اليمينية العريقة في أوروبا مثل حزب الاستقلال في بريطانيا أو الجبهة الوطنية في فرنسا أو المجموعات الأقل شهرة مثل تلك التي جمعت آلاف المتظاهرين في دريسدن الألمانية لرفض “أسلمة الغرب”.

وزير الداخلية الألماني صرح بعد الهجوم إن ألمانيا لها الحق أن تقلق، فالأمر جاد، ويستحق القلق، لكن ليس الفزع.

في السويد لم يختلف الأمر كثيرا، ففي استطلاعات الرأي الأخيرة حصل حزب الديموقراطيين السويديين على أكثر من 15٪ من أصوات المشاركين، وهو الحزب المناهض للإسلام.

المجلة الفرنسية كانت أحد أوجه اليمين المتطرف في أوروبا بالفعل، بل إنها توصف بأنها صحيفة صفراء، تقودها الرغبة في الشهرة وتحقيق الأرباح، كان يراها البعض رمزا على العلمانية المتطرفة في فرنسا، البلد الأكثر اكتظاظا بالمسلمين في أوروبا.

المشكلة التي ترصدها مراكز الأبحاث الغربية أنه مع كل حادث إرهابي يزداد قبول السياسات المعادية للمهاجرين بين أعماق الرأي العام. هذا حدث في بريطانيا، التي لديها أيضا ملايين المسلمين، دعا حزب الاستقلال بلاده إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي ووضع ضوابط حادة على الهجرة، والتأكيد على ما اعتبره الحزب “المخاطر التي تهدد القيم والهوية البريطانية”.

وقد تنافست الأحزاب ذات الأغلبية في الوعود بمزيد من الضوابط على الهجرة.

هناك قطاعات كبيرة من الأوروبيين تعادي المسلمين بالفعل، كما يؤكد بيتر نيومان، وسوف يزداد هذا الاستقطاب في السنوات القادمة. لكن الاتفاق الآن هو أن أكثر من سيعانون نتيجة تلك العمليات هم المسلمون في أوروبا، المسلمون العاديون الذين يحاولون أن يعيشوا حياتهم الطبيعية في دول أوروبا.

فرنسا هي الأكثر توترا من بين دول أوروبا، هناك 6 ملايين مسلم، والعلمانية لها تاريخ طويل ضد الدين، ولديها تاريخ استعماري مؤلم في الجزائر وسوريا وشمال أفريقيا، وسياسة خارجية “جريئة” في التعامل العسكري، وهذا كله يجتمع في وقت تضعف فيه الحكومة والاقتصاد وترتفع معدلات اليأس بين الشباب الفرنسي.

المزاج العام يعكسه، ويؤثر فيه، ويتأثر به صعود الجبهة الوطنية الفرنسية وزعيمتها المتطرفة مارين لوبان ، والتي تسبق الحزب الاشتراكي في استطلاعات الرأي، وتقود الحملات ضد “التهديد الذي يشكله الإسلام على قيم الجمهورية والدولة الفرنسية”

كاميل جراند، مدير المؤسسة الفرنسية للأبحاث الاستراتيجية تؤكد أن الهجوم سيأتي بفائدة مضاعفة للجبهة الوطنية. تقول لوبان في كل مكان إن الإسلام يشكل تهديدا واسع النطاق، وتلك الهجمات تؤكد ذلك المعنى في أذهان الفرنسيين.

الفرنسيون أو حتى الأوروبيون لن يكونوا وحدهم، فحول أعياد الميلاد لهذا العام تعرضت كندا وأستراليا لهجمات أخرى.  المتابعون توقعوا حدوث هجمات بعد تهديد المتحدث الرسمي باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أبو محمد العدناني بمهاجمة الغرب. لكن بحسب مسؤول فرنسي فإن الفرنسيين كانوا يعلمون أنه سيحدث “لكنهم لم يتوقعوا كيف سيبدو”.

هناك أكثر من 2000 فرنسي سافر للقتال مع داعش، والسؤال الآن الذي سيسأله الجميع، كيف سيتعامل الفرنسيون إذن مع ملايين المسلمين؟ هجوم من هذا النوع يكاد يكون مستحيلا رصده أو منعه إن كان قادما من الداخل.

مراسل الجزيرة نور الدين بوزيان بكى على الهواء أمس أثناء تغطيته للحدث، مؤكدا أن الأيام القادمة ستكون صعبة على المسلمين في فرنسا، وإلهام بونيك، التونسية التي تعيش في فرنسا منذ 14 عاما صرحت لنيويورك تايمز قائلة “لم أكن خائفة في حياتي بهذا القدر! أنا عربية، مسلمة، أدعم الضحايا وعائلاتهم، وأرى هذا الفعل ضد الإسلام”

لكن اليمين المتطرف لا يأبه كثيرا بذلك، ولعل الهجوم سيؤدي بالخطاب الذي مثلته شارلي إيبدو إلى أن أكثر انتشارا من أي وقت مضى، ذلك الخطاب الكاره للأجانب، الذي يستتر خلف حرية التعبير لترويج أكثر الأفكار عنصرية،