ترجمة وتحرير نون بوست

قبل بضع سنوات، كان لدى المنتجين المحليين في أمريكا آمال كبيرة في توريد وبيع منتجاتهم من الفحم إلى أسيا المتعطشة للطاقة، ولكن الأسعار في تلك الأسواق بدأت تتجه للهبوط الآن، وذلك نتيجة لانخفاض الطلب مقابل زيادة العرض، لذلك فقد اضطرت أمريكا للتنازل عن جزء كبير من موقعها في السوق لصالح الفحم الأرخص ثمنًا والقادم من دول أخرى مثل إندونيسيا وأستراليا، وفي الوقت ذاته، فإن الكثير من إنتاج الولايات المتحدة من الفحم لا يستطيع حتى الخروج من البلاد، وذلك بفضل نجاح جماعة أنصار البيئة في عرقلة محطات التصدير في ولاية واشنطن وأوريغون، وحتى الصين، التي تعد من العملاء الأكثر شراهةً للفحم في العالم، تعهدت بالحد من استخدامها للوقود، للحد من التلوث الناتج عن الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

إن احتمالات نجاح صناعة الفحم ستتقلص إذا ما توصلت المحادثات المناخية الجارية في ليما - بيرو، إلى اتفاقية عالمية في العام المقبل للحد من الانبعاثات الكربونية، وهي خطوة يقول العلماء إنها لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الحد من الشهية العالمية للفحم، وفي الوقت نفسه، يقوم البنك الدولي بالتراجع عن تمويل مشاريع الفحم، وذلك لأنه بدأ ينظر إلى كبرى شركات الفحم في الولايات المتحدة باعتبارها استثمارات عالية المخاطر، كما أن ارتفاع الدولار يعيق وصول جميع أنواع الصادرات إلى السوق الخارجية؛ وبالنتيجة فإنه من المتوقع أن تنخفض صادرات الفحم، بنسبة الخمس تقريبًا في هذا العام، كما وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بأنه من المتوقع أن تصل أعداد الأطنان التي تم تصديرها إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات في عام 2015.

في السنوات السابقة، عندما كانت أسعار الفحم مرتفعة، وكانت شهية الصين ماتزال جامحة، اقترح الصناعيون عدد كبير من المشاريع لبناء وتوسيع المحطات في الموانئ في شمال غرب المحيط الهادئ لتصدير الفحم من ولايات مثل وايومنغ ومونتانا، وذلك لأن إنتاج الفحم فيها وفير ورخيص، ولكن الآن بعد التوقعات التي تفيد بأن استهلاك الفحم من قبل الصين سيصل إلى ذروته خلال العقد القادم، هذا إن لم يكن قد وصل بالفعل، فقد أصبحت الفرص بالنسبة للولايات المتحدة للاستفادة من هذه السوق محدودة حتى ولو انتعشت أسعار الفحم مرة ثانية.

يشير بعض النقاد المختصين بصناعات الفحم إلى أن الآمال التي كانت أمريكا تعقدها على السوق الأسيوية مبالغ فيها منذ البداية، حيث يقول ديفيد هوكنز، مدير البرامج المناخية في مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، إنه لم يكن هناك احتمال جدي في أي وقت مضى بأن زيادة صادرات الفحم ستعوض عن انخفاض استخدام الفحم في الولايات المتحدة، وقد أشار أيضًا إلى أن الانخفاض القادم في استخدام الفحم في الولايات المتحدة سيكون أكبر بعدة مرات من نمو صادرات الفحم.

ولكن من جهة ثانية وتبعًا لنائب الرئيس في الرابطة الوطنية للتعدين نانسي جرافات، فإن الصناعة لاتزال متفائلة بشأن الصادرات، على الرغم من اعترافها بأن عدم وجود محطات على الساحل الغربي يعتبر بمثابة عقبة في طريقها، كما أشارت إلى أنه بمجرد أن يعود الاقتصاد ليقف على قدميه مرة ثانية، فإن حاجة كبار المستهلكين للفحم ستعود مرة أخرى، وعندها ستكون الولايات المتحدة مستعدة لتلبية الطلب.

حاليًا، فإن تكاليف النقل تعتبر أحد أكبر العقبات التي تحول دون تصدير المزيد من الفحم، فإنتاج ولاية وايومنغ لوحدها من "الفحم البخاري" - وهو النوع المناسب للاستخدام في محطات توليد الطاقة – يعادل إنتاج سبع ولايات مجتمعة، ولكن لا يتم حاليًا تصدير سوى 1 إلى 3 % من ذلك الإنتاج، لأن تكلفة نقل الفحم من المنجم إلى الميناء يمكن أن تحول دون شحنها في السوق الدولية، حيث إن المسافة التي ستقطعها الشحنة ستجعل منها غير اقتصادية إذا ما تم استخدام موانئ الساحل الشرقي أو خليج المكسيك، لذلك لابد من شحن الفحم من موانئ ولايات مثل وايومنغ ومونتانا.

ومن هنا كانت الحاجة لتصدير المزيد من صادرات الفحم عن طريق الساحل الغربي، والمشكلة تكمن بأن شمال غرب المحيط الهادئ لا يوجد فيه محطات لتصدير الفحم، كما أن المعارضة البيئية والسياسية التي تواجهها هذه الصناعة استطاعت عرقلة عمل أربع محطات مقترحة في ولاية أوريغون وواشنطن العاصمة، كما أنه وعلى الرغم من أنه يتم نقل بعض الفحم من الولايات المتحدة من خلال الموانئ التي توجد في ولاية كاليفورنيا وغرب كندا، إلّا أن الخبراء يقولون إن الموانئ الكندية ليس لديها الكثير من المجالات للتوسع، كما أن المعارضة من قِبل جماعات حماية البيئة في ولاية كاليفورنيا جعلت احتمال بناء محطات جديدة تعمل بالفحم هناك أمر مستحيل تقريبًا؛ مما جعل وضع تصدير الفحم صعبًا خاصة في ظل انخفاض الأسعار وظهور منافسين آخرين في هذا المجال مثل أستراليا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا.

لحل هذه المشكلة، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على موازاة أسعارها مع أسعار السوق الدولية، كما يجب البدء بتنفيذ مشروع الساحل الغربي المقترح الذي سيساعد على تطوير عملية تصدير الفحم كثيرًا، ويأمل القائمون على هذه الصناعة بأن الطلب على الفحم من الدول الأسيوية سينمو كثيرًا في المستقبل بحيث أن هذه الدول ستستحوذ على جميع الصادرات.

ولكن الآمال المتفائلة التي يعقدها القائمون على صناعة الفحم قد لا تنطبق على أرض الواقع، فمثلاً قامت كوريا الجنوبية والتي تعتبر إحدى الوجهات المقصودة لبعض صادرات الفحم من الساحل الغربي، بفرض ضريبة استيراد مؤخرًا للحد من استخدام الفحم، كما أن الصين والتي تعتبر حتى الآن أحد أهم المستوردين للفحم عالميًا، قد تفقد تعطشها لاستيراد الفحم، خاصة بعد التعهدات المناخية الجديدة التي أعطاها الرئيس شي جين بينغ لأوباما، والتي يتعهد فيها بمحاولة الصين للحد من مستوى انبعاثاتها الكربونية بحلول عام 2030، حيث أعلن مجلس الدولة الصيني في 19 نوفمبر عن خططه للحد من استهلاك الفحم في البلاد بحلول عام 2020، معلنًا عن عزم البلاد الحصول على 15% من احتياجاتها من الطاقة عن طريق الوقود غير الأحفوري، لذلك فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذه الخطوات، سنرى بأنه سيكون لها تأثير كبير على أسواق الفحم العالمية، وخاصة إذا ما تتبع باقي مستهلكي الفحم الأسيويين هذا النهج.

المصدر: بوليتيكو